مرة أخري تتكرر مأساة آيات شيطانية التي كتبها سلمان رشدي وأدت إلي ثورة عارمة بين المسلمين دفعت اكثر من جهه الفتوي بقتله.. لكن ليس في بريطانيا وإنما في كندا.. والسبب وراء المأساة كاتبة شابة مسلمة تدعي إرشاد مانجي(34 عاما) تنتمي إلي أسرة هندية عاشت في أوغندا حيث ولدت فيها ثم وصلت إلي كندا وعمرها8 سنوات, قامت بتأليف كتاب عنوانه المشكلة مع الإسلام.. دعوة للأمانة والتغيير احتوي علي كثير من الأفكار التي دفعت دار النشر راندوم هاوس إلي طلب حماية خاصة لها من النائب العام, إلا أنه تم رفض الطلب, فقررت دار النشر أن تتقاسم مصاريف حارس خاص بودي جارد لها بالإضافة إلي تزويد منزلها بزجاج مضاد للرصاص.
وتعتقد الكاتبة أنها معرضة للتهديد بسبب ما كتبته من انتقادات تتعلق بالوضع المتدني للمرأة في العالم الإسلامي, ومعاداة السامية من وجهة نظرها, والمسلمين غير العرب الذين يعاملون باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية في الدول العربية, واستمرار ظاهرة العبودية في دول مثل مالي, بالإضافة إلي أنها تمدح إسرائيل ـ التي تذكر أنها علي الرغم من أخطائها تمثل ديمقراطية تعددية تحتوي علي اثنيات متعددة.
الكتاب كما يصفه رياض سالوجي المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية لا يستحق الضجة المثارة حوله, وهو يبدأ بطفولتها في أحد أحياء فانكوفر وخبراتها كفتاة صغيرة منفصلة عن واقعها الديني, وحينما تكبر تواجه الهيكل البطريركي السلطوي داخل المجتمعات الإسلامية.. مساحة قليلة تعطي لمشاركة المرأة واتجاه المرأة إلي أن تأخذ وضع الضحية, والتردد في ممارسة النقد الذاتي.
وكما يشير رياض سالوجي فإن ارشاد وهي بعيدة كل البعد عن التحليل المتعدد الأبعاد الذي يقوم به الملالي المسلمون, تطرح أسئلة من نوع: هل هناك ضيق أفق في الإسلام مقارنة بالديانات الأخري؟
ويرد عليها بقوله: إن الكاتبة تشير في كتاباتها إلي سطحية واضحة في تحليلها مثل تساؤلها: هل الإسلام يؤدي إلي قمع الإبداع والديناميكية والديمقراطية؟
وهي هنا تركز علي حالة با**تان التي رفضت أن يقوم أحد لاعبيها بأداء مباراة تنس أمام لاعب إسرائيلي, وهي ترجع ذلك إلي قيود مفروضة في با**تان وغير مفروضة في إسرائيل, لأن ذلك له علاقة ببوصلة قيم الأخلاق في كل من هذه المجتمعات التي تري أنها تنبع من الديانة السائدة في كل مجتمع.
ويري رياض سالوجي أن الكاتبة هنا تقفز بشكل غير معقول من دوافع سياسية توجه فريق التنس في با**تان للتعميم بشأن تأثير الدين علي قيم المجتمع بشكل عام.
وتدعو مانجي إلي إحداث ثورة في التفسير متجاهلة ـ كما يقول سالوجي ـ مدارس الفقه والاجتهاد المتعددة في التاريخ الإسلامي, بخلاف الحوار والتعددية التي يتسم بها الدين الإسلامي الحنيف وفي القلب منه القرآن.
ويبدو من قراءة كتاب مانجي الانتقائية الشديدة في الآيات القرآنية محدثة قطعا شديدا عن السياق الذي نزلت فيه تلك الآيات, والتيار العام للتفسير القرآني الذي يتوافر فيه إجماع الأئمة, مصورة القرآن بشكل بعيد عن الحقيقة, في الوقت نفسه الذي تقوم فيه بإسقاط نتائجها المسبقة علي النص القرآني وبشكل يدعو للسخرية علي طريقة أسامة بن لادن, معتبرة أن الإسلام يحتوي علي مشاعر معادية لليهودية, وقامعة للمرأة, ويحتوي ـ حسب ادعاءاتها ـ علي قيم العبودية والعنف.
انتهاك قواعد التفسير
وتنتهك الكاتبة مانجي أولي قواعد تفسير النص القرآني, وهي أن كل الآيات لابد من قراءتها معا في سياق متكامل حيث إن آية ما تكشف عن ظرف ما يمكن أن يتعلق بموقف ما يظهر في آية أخري.. وهكذا. وفي كثير من الأمثلة ـ حسب رياض سالوجي ـ فإن النقد القرآني للمجتمع اليهودي يأتي في سياق وصف القرآن للعلاقة بين المسلمين الأوائل واليهود التي كانت علاقة سياسية في ذلك وليست دينية, حيث إن الله العادل ينص في القرآن علي علاقة العدل والمساواة بين جميع البشر.
وتقع مانجي في كثير من الأخطاء وهي تناقش وضع المرأة في الإسلام وأفكارها لا يشاركها فيها كثير من النساء الغربيات اللائي تحولن إلي الإسلام كدين, وبالتأكيد فإن كثيرا من الدارسين للإسلام يختلفون مع طريقة تفسير مانجي لمفهوم الجهاد, من تفسيره الأصلي من اعتباره جهاد الروح.
ووفقا لتفسير الكاتب رياض سالونجي فإنه علي الرغم من اتهامات مانجي للإسلام والمسلمين فإنها تبدي تعاطفا فيه شيء من الاعتذار لإسرائيل لتبدو مانجي كداعية سياسية أكثر منها مفكرة جادة حينما تناقش وضع إسرائيل.
ويذكر سالوجي في هذا الصدد أن مشروعات الكتابة الجادة تبدو راقية, حينما تستند إلي الواقع في تحليل راق يتسم بالحب, وهو ما ينطبق من وجهة نظره علي طارق رمضان المسلم الأوروبي ونوح فيلدمان في كتابه ما بعد الجهاد.
وعلي الع** من ذلك يبدو كتاب مانجي في تجاهل واضح للتيار الإسلامي المعتدل, وهي تصيب نفسها بالعجز في تجاهلها للمدارس الإسلامية المختلفة, والعناصر السياسية والاجتماعية التي لها تأثير علي العالم الإسلامي الراهن. ويستخدم سالوجي نصيحة الزعيم الهندي الكبير موجها إياها إلي مانجي, وهي: كن أنت التغيير الذي تود أن تراه في العالم.
سلمان رشدي آخر!
حينما يتم سؤال مانجي: هل أنت النسخة الأخري من سلمان رشدي؟ تقول: لا.. إلا أنها لا تنكر الجهد الذي قام به رشدي, وهي تري أن آيات شيطانية الذي جلب فتوي دفعت الكاتب إلي الاختفاء لمدة8 سنوات يأتي في إطار أدبي يوضع تحت عنوان الخيال في المكتبات, لكن المشكلة مع الإسلام الذي وضعته المؤلفة ونشرته دار راندوم هاوس يأتي في إطار موجه إلي العامة خطاب دعائي, وفرق آخر بين الكتابين أن سلمان رشدي ينطلق من أرضية علمانية حيث يري أن العلمانية سوف تحفظ هذا العالم, في حين أن مانجي لم تتوقف عن الإيمان بالله, وهي واثقة أن كتابها لله لن يؤدي إلي صدور فتوي.
جدير بالذكر أن مانجي سحاقية تعيش مع رفيقة لها هي ميشيل دوجلاس, وهي مجندة سابقة في الجيش الكندي سحاقية أيضا, رفعت قضية ضد الجيش الكندي عام1995 متهمة إياه بالتمييز الجنسي, وقد **بت القضية عام1992, وبسبب ميشيل دوجلاس أنهي الجيش الكندي التمييز ضد الشواذ من الرجال والنساء داخل الجيش.
وتدرك مانجي أنها إذا ذهبت بطريق الخطأ إلي إحدي الدول الإسلامية فإنها قد ترجم باعتبارها شاذة جنسيا, وهي تعمل مذيعة تليفزيونية, وقد أدارت لمدة3 سنوات برنامجا حواريا في التليفزيون لشرح الفارق بين ثقافة الشواذ جنسيا والآخرين.
ماذا تقول مانجي عن أمها المسلمة؟ تقول مانجي: لم تطلب مني أمي أن أتوقف عن تأليف هذا الكتاب, لكنها طلبت مني ألا أغضب الله.
الاجتهاد
مانجي تري أن هدفها من الكتاب هو إثارة نقاش حول قضايا لم تناقش من قبل, أو علي الأقل خلال القرون القليلة الأخيرة, وهي تشير إلي أن أيام نهضة الإسلام في الفترة الذهبية كان التنوير علي أشده مطروحا علي الأجندة الإسلامية في وقت تم اختراع علم الجبر. وهي لا تنكر أن الإسلام مر بفترات إصلاحية عديدة, إلا أنها تري أن معظمه كان إصلاحا محافظا( لاحظ هنا أن مانجي تتحدث وكأنها فقيه عليم بتاريخ الاجتهاد في الإسلام, وهو اجتراء فيما لا تعلم).
وهي تقول: إن هؤلاء المجددين عادوا بنا إلي القرن السابع الميلادي حيث سادت أفكار مفادها أن المرأة من اغواء الشيطان, أو إن اليهود والمسيحية كفار, أو إن هناك روح الانتقام في الإسلام حيث توجد كثير من قيم الصحراء.
وهي تشير إلي أفكار المجددين في مصر أمثال محمد عبده في أوائل القرن العشرين, إلا أنها تؤكد أن هذه الفترة كانت قصيرة للغاية. وفي قدر كبير من المغالطة تقول: إن فترة التجديد انتهت مع مقدم الإخوان المسلمين الذين انتجوا فيما بعد من تحت مظلتهم تنظيم القاعدة.
وتقول: إن هناك فرصة كبيرة في الغرب لإعادة النظر في أفكار في الإسلام والخاصة بالتفكير المستقل أو ما يسمي الاجتهاد, وهي تدعو مسلمي الغرب إلي أن يقودوا حركة الاجتهاد لأنهم يستمتعون بحرية ثمينة للتفكير والتعبير والتحدي.. كل ذلك دون الخوف من قمع وسلطة الدولة.
وهي تقترح تقوية وضع المرأة المسلمة في دول العالم الثالث بتزويدها بقروض صغيرة لمساعدتها علي بدء مشروعات صغيرة. وهي تري أنها محظوظة لأنها أصبحت مواطنة كندية مهاجرة إلي هذا الوطن وتقول: أنا أستيقظ كل صباح أشكر الله لأنني موجودة في هذه البقعة من العالم.
وتضيف: من خلال الحرية الأكاديمية التي استمتعت بها هنا في كندا, اكتشفت ذلك الجزء التقدمي في إيماني, وهو ما كان غير متاح لها إذا استمرت فيما يسمي المدرسة ونطقت الكلمة باللغة العربية.
وعلي الرغم من أن مانجي ترتدي خاتما فضيا يشير إلي ارتباطها بصديقتها, فإنها فضلت هي وصديقتها عدم الزواج علي الرغم من أن القانون في كندا أصبح يبيح زواج الشواذ.
وهي تقول: إنها تفضل هذا الوضع, لكن في الوقت نفسه تدافع عن حقوق الشواذ في الزواج.
المنظمات الإسلامية في كندا لم تبد اهتماما يذكر بآراء مانجي, إذ أعلن الدكتور محمد المصري رئيس الكونجرس الإسلامي الكندي, وهو بالمناسبة عالم في واحدة من أهم جامعات كندا وهو مصري الأصل, أن كتاب مانجي لا يستحق المناقشة, ودعوتها إلي الجدل علي صفحات الصحف أو قنوات التليفزيون لا تستحق الالتفات إليها.
علما بأن كتاب مانجي واسمهThetroublewithIslam لن يطرح في أسواق الولايات المتحدة وكندا قبل بداية العام الجديد
مونتريال