تكذيبا لمزاعم واشنطن حول انتحار ثلاثة من معتقلى جوانتانامو، أعلنت السلطات اليمنية فى التاسع عشر من يونيو أن التشريح الأولي لجثة مواطنها على عبد الله أحمد، أظهر وجود جروح في العنق والرأس والأصابع , الأمر الذى من شأنه أن يضاعف الضغوط الدولية على إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش لإغلاق معتقل جوانتانامو المثير للجدل .
وقال رئيس النيابة العامة الجزائية اليمنية المتخصصة في قضايا الإرهاب سعيد العاقل، إن عائلة علي عبد الله أحمد رفضت دفن جثمان ابنها، إلا بعد إعلان الطبيب الشرعي سبب وفاته ، موضحا أنه اكتشف أيضا آثارا واضحة لعملية تشريح سابقة ولوحظ فقدان بعض الأعضاء الداخلية كالمخ والقلب والكبد .
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" قد أعلنت في العاشر من يونيو أن ثلاثة معتقلين عرب، سعوديان ويمنى ، شنقوا أنفسهم باستخدام ملابس أو أغطية أسرة في زنزانات عليها حراسة أمنية مشددة ليصبحوا أول سجناء يموتون في معتقل جوانتانامو منذ افتتاحه في عام 2002 .
وكشف البنتاجون هوية المنتحرين الثلاثة وهم السعوديان ياسر طلال الزهراني (22 سنة) ومانع بن شمان العتيبي (19 سنة) واليمني علي عبد الله أحمد (33 سنة) ، مشيرا إلى أن نحو 24 سجينا آخرين حاولوا في السابق التخلص من حياتهم وفشلوا . وفي السادس عشر من يونيو ، أرسل البنتاجون جثامين السعوديين واليمني إلى أوطانهم.
عائلة المتوفى اليمنى تطالب بتحقيق مستقل
ردود أفعال غاضبة
شكك أقارب المتوفين الثلاثة في انتحارهم لأن الإسلام يحرم الانتحار ورجحوا مقتلهم بسبب التعذيب ، وأكد طلال الزهراني والد ياسر أنه على ثقة كبيرة بأن ابنه لم يقدم على الانتحار وأن رواية الإدارة الأمريكية كاذبة ، كما أكد أحمد شقيق ياسر طلال الزهراني استحالة انتحار أخيه ياسر، وقال فارس شقيق مانع العتيبي إنه يشكك في وفاته منتحرا مائة في المائة .
وأوضح خطيب الشمري المحامي عن السعوديين المحتجزين في جوانتانامو أيضا أن وفاة المحتجزين الثلاثة تكشف سوء المعاملة ومدى انتهاكات حقوق الإنسان هناك ، وحمل السلطات الأمريكية مسئولية وفاتهم ، مشيرا إلى أن السلطات الأمريكية لم تسمح له أو لأى محامي أجنبي بمقابلة المعتقلين .
وفي اليمن ، رفضت عائلة علي عبد الله أحمد تسلم جثة ابنها حتى يتم تشريحها، وطالبت بالتحقيق فى وفاته ، كما وصفت نقابة المحامين اليمنيين الإعلان عن انتحار ثلاثة من المعتقلين العرب في جوانتانامو بأنه إعلان عن جريمة جديدة ضد الإنسانية تضاف إلى مسلسل جرائم الحرب والإبادة التي ترتكبها الإدارة الأمريكية ضد الإنسانية.
وأكدت نقابة المحامين اليمنيين في بيان لها أن ذلك يقدم دليلاً جديداً على استهتار تلك الإدارة بكافة المواثيق الدولية بشأن حقوق الإنسان والاتفاقيات الخاصة بمعاملات الأسرى، وعلى وجه التحديد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأربع.
وعلى صعيد ردود الأفعال الدولية ، جددت منظمة العفو الدولية دعوتها الولايات المتحدة إلى إغلاق معتقل جوانتانامو ، ودعت المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان والتى تتخذ من لندن مقرا لها إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول كافة أوجه سياسات وممارسات الاحتجاز والاستجواب لدى الولايات المتحدة فى حربها ضد الإرهاب.
وقالت المنظمة في بيان لها إن إعلان السلطات الأمريكية عن انتحار ثلاثة من المعتقلين يؤكد ضرورة إنهاء الوضع غير القانونى لهذا المعتقل . ومن جهته، صرح كين روث، رئيس منظمة مراقبة حقوق الإنسان ومقرها نيويورك، بأن المعتقلين الثلاثة الذين انتحروا عانوا من اليأس بسبب احتجازهم بشكل غير قانوني ، وقال :"لم يكن لذلك نهاية يمكنهم رؤيتها، لم يواجهوا أي قضاة مستقلين، ولم يتم اتهامهم أو إدانتهم بأي تهم".
جرائم بوش تتواصل والعالم يلتزم الصمت
وفي بريطانيا ، تصاعدت الدعوات لإغلاق المعتقل وتقديم جميع المعتقلين للمحاكمة أمام القضاء الأمريكي بدلا من استمرار احتجازهم دون سند قانوني ، وقال زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي ، ثاني أحزاب المعارضة الرئيسة في بريطانيا ، السير مينزيس كامبل إنه يدرس حاليا إمكانية القيام بزيارة لمعتقل جوانتانامو المثير للجدل . وأعرب عن رغبته بالإطلاع شخصيا على الظروف في هذا المعتقل الواقع في جزيرة كوبا وقال إن مايحدث في جوانتانامو مثير للغضب لأنه ينتهك مباديء حقوق الإنسان .
وأوضح السير مينزيس الذي يعتبر من أشد السياسيين البريطانيين انتقادا لسياسة احتجاز المشتبه بهم من دون محاكمة ، إن فكرة القيام بزيارة لقاعدة جوانتانامو ليست جديدة وإنما كانت مطروحة أمام سلفه زعيم الحزب السابق تشارلز كينيدي ، إلا أنه تراجع بعد أن رفضت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في عام 2005 زيارة المعتقل بعد أن أبلغتها واشنطن أن الوفد الزائر لن يتمكن من إجراء أي حوار مع المحتجزين.
وأشار السير مينزيس أيضا إلى أن وفدا من أعضاء الكونجرس الأمريكي سبق له وأن زار المعتقل العام الماضى إلا أنه لم يسمح له بلقاء المعتقلين ، وقال إنه إذا ما قرر وفد سياسي بريطاني القيام بزيارة مماثلة فإنه سيخضع بلا شك لقيود مماثلة . وفي السياق ذاته ، أعلنت وزيرة الدولة البريطانية للشئون الدستورية هاريت هارمان أن الوقت قد حان لإغلاق هذا المعتقل وتحويل السجناء إلى المحاكمة ، وأضافت متسائلة "لماذا لا يتولى القضاء الأمريكي مصير هؤلاء المحتجزين تحت نظام العدالة بدلا من الاستمرار في احتجازهم في هذا المعتقل".
- ويقفز تساؤل جوهرى هنا : ما تداعيات الكشف اليمنى ؟.
يرى مراقبون أن اكتشاف جروح في عنق ورأس وأصابع المتوفى اليمنى من شأنها أن تدعم وجهة نظر أقارب المتوفين الثلاثة حول وفاتهم بسبب التعذيب وتشكك فى رواية واشنطن حول انتحارهم . وأوضح المراقبون أن المتوفين الثلاثة مسلمون، والمسلم لا يقدم علي الانتحار، لأن الإسلام يحرمه، ويعتبر من يقدم عليه كافراً وخارجاً عن ملّة الإسلام والمسلمين ، كما أن الغالبية الساحقة من معتقلي جوانتانامو هم من المسلمين الأصوليين، وهؤلاء يعرفون أصول عقيدتهم، ويحفظون القرآن عن ظهر قلب، وعلي دراية كاملة بتفسير آياته، وأحاديث الرسول (صلي الله عليه وسلم) ، ولذلك فالاعتقاد السائد أنهم قضوا تحت التعذيب .
وأضاف المراقبون أن التعذيب ليس جديداً علي الإدارة الأمريكية، فقد مارسه سجانوها في سجن أبو غريب في العراق وفي سجون أفغانستان،ولذلك فإن محاولات الانتحار المتكررة في جوانتانامو والتي يقوم خلالها المعتقلون بجرح أنفسهم عمدا أو لف أغطية الأسرة حول رقابهم ، هى محاولات للفت الأنظار أو التعبير عن الإحباط دون محاولة الوصول إلى الموت فعلا.
تعذيب المعتقلين يكشف زيف ديمقراطية أمريكا
وأشار المراقبون إلى أن معتقلى جوانتانامو يواجهون ظروفاً نفسية صعبة ، فهم سجناء منذ أكثر من أربع سنوات دون أن تتكون لديهم أي فكرة عن جريمتهم، ناهيك عن عقوبتهم ، ودون أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم أمام قاض ، ويعيشون ظروف اعتقال مهينة بكل المقاييس الإنسانية ، ولذلك فإن اصرار واشنطن علي الإبقاء علي هذا المعتقل يشكل وصمة عار في جبينها ، وينسف كل ادعاءاتها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والقضاء العادل المستقل .
وحذر المراقبون من أن إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش لن تفرج عن معتقلى جوانتانامو إلا بعد انتهاء الحرب علي ماتسميه بالإرهاب التى أعلنت أنها ربما تستمر لأكثر من خمسين عاماً، وهذا يعني بقاءهم خلف القضبان سنوات وسنوات، ولذلك يجب أن يتحرك العالم بأسره لاجبار واشنطن علي التراجع عن هذا الخرق الفاضح لحقوق الإنسان وإغلاق معتقل جوانتانامو فوراً .
معتقل جوانتانامو
يضم 600 شخص قبض عليهم أساسا في أفغانستان أثناء الحرب التي قادتها الولايات المتحدة للإطاحة بحكم طالبان وإخراج تنظيم القاعدة من أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وكل المحتجزين في جوانتانامو لم توجه إليهم اتهامات منذ إنشائه فى عام 2002 ، ويوجد فيه حاليا 460 سجينا بعد الإفراج عن بعض المعتقلين.
وبدأ نحو 40 منهم إضراباً عن الطعام منذ أواخر عام 2005 ، احتجاجاً على سوء معاملتهم. وكانت هناك العديد من محاولات الانتحار السابقة في جوانتانامو، حيث حاول 23 سجينا الانتحار في 41 محاولة انتحار داخل المعسكر ، غير أنه لم تنجح أية محاولة قبل العاشر من يونيو 2006 ، حينما أعلن عن انتحار ثلاثة معتقلين عرب ، الأمر الذى جدد الانتقادات للسجن الذي تقول العديد من الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان إنه يجب أن يغلق. وفي يناير عام 2003 حاول سجين سعودي شنق نفسه في زنزانته وأصيب بأضرار في مخه جعلته يدخل في غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر.
وفي أغسطس عام 2003 حاول 23 سجينا شنق أو خنق أنفسهم في احتجاج جماعي .وحاول السجين البحريني جمعة الدوسري قتل نفسه اكثر من مرة وفي أكتوبر عام 2005 سلم محاميه الذي كان يزوره رسالة كي يقرأها فيما بعد. وعندما خرج المحامي شنق الدوسري نفسه في زنزانته وأحدث جرحا غائرا في ذراعه ، وتدخل حارس وأنقذه من شنق نفسه فيما وصفه الجيش الأمريكي في ذلك الوقت بأنها تاسع محاولة انتحار يقوم بها هذا السجين . وفي 18 مايو 2006 تناول معتقلان جرعة زائدة من أدوية وصفها لهما الطبيب وقاما بتخزينها فيما وصفه مسئولو المعسكر بمحاولة منسقة للاستشهاد.
وانتقدت حكومات أجنبية بما في ذلك حلفاء للولايات المتحدة وجماعات لحقوق الإنسان الاعتقال لأجل غير مسمى وعدم حصول السجناء على حقوقهم القانونية في جوانتانامو، بينما تزعم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أن المعتقلين يعاملون بشكل إنساني. وأعلنت المحكمة العليا الأمريكية في عام 2004 أنه من حق المحتجزين الأجانب في قاعدة جوانتانامو الأمريكية في كوبا معرفة التهم الموجه لهم والسماع لدفاعهم في المحاكم الفيدرالية الأمريكية بعد أن رفعت عائلات المحتجزين الكويتيين والبريطانيين والاستراليين دعاوى قضائية تطالب فيها بأحقية خضوع هؤلاء المعتقلين إلى النظام القضائي الفيدرالي في الولايات المتحدة.
كما أصدرت قاضية المحكمة الجزئية الأمريكية جويس هينز جرين في عام 2005 حكما بعدم دستورية المحاكم العسكرية الاستثنائية التي أطلقها بوش لمحاكمة من وصفهم بأنهم " مقاتلون أعداء " ، مؤكدة أن سجناء جوانتانامو يتمتعون بحق دستوري يقضي بعدم حرمانهم من محاكمة عادلة. وقالت جرين إن المحاكم العسكرية الاستثنائية المعنية بتحديد ما إذا كان المحتجز "مقاتل من الأعداء" تنتهك حق معتقلي جوانتانامو بحرمانهم من محاكمة عادلة ، كما أن المحاكم الاستثنائية تعتمد على شهادات يحتمل أنه تم الحصول عليها من بالإكراه والتعذيب.
ويسمح وصف المحتجزين بأنهم "مقاتلون من الأعداء" للحكومة الأمريكية باحتجاز المشتبه فيهم إلى أجل غير مسمى. ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية قد قضت بأن المعتقلين المحتجزين في جوانتانامو يملكون الحق القانوني للاحتجاج على سجنهم، غير أنها تركت للمحاكم الأقل رتبة حرية التعامل مع طلبات الاستئناف التي يتقدم بها المعتقلين في هذا الصدد ، ونظرت القاضية جرين 50 طلبا لاستئناف الاعتقال من قبل معتقلي جوانتانامو. ويمكن القول إن معتقل جوانتانامو يشكل وصمة عار على جبين بوش ، الذي مازال يتحدى القوانين الدولية ويواصل انتهاكاته لحقوق الإنسان المسلم في العراق وأفغانستان وجوانتانامو .
محيط - جهان مصطفى