مناقشة موضوع الناصر صلاح الدين في حوارات ثقافية عامة; النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية المؤلف يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي, أبو المحاسن بهاء الدين, المشهور بابن شداد أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي القسم الأول في ذكر مولده وخصائصه وأوصاف ...
المؤلف
يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي, أبو المحاسن بهاء الدين, المشهور بابن شداد
أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي
القسم الأول في ذكر مولده وخصائصه
وأوصافه وشمائله وخلاله
كان مولده رحمه الله على ما بلغنا من ألسنة الثقات الذين تتبعوه حتى بنوا عليه تسيير مولده على ما تقتضيه صناعة التنجيم في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة وذلك بقلعة تكريت وكان والده أيوب بن شاذي رحمه الله تعالى والياً بها وكان كريماً أريحياً حليماً حسن الأخلاق مولده ببدوين ثم اتفق له الانتقال من تكريت إلى الموصل المحروسة وانتقل ولده المذكور معه وأقام بها إلى أن ترعرع وكان والده محترماً هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك زنكي واتفق لوالده الانتقال إلى الشام وأعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده المذكور إلى بعلبك المحروسة وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ثدي محاسن أخلاقه حتى بدت منه أمارات السعادة ولاحت عليه لوائح التقدم والسيادة فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى وعول عليه ونظر إليه وقربه وخصصه ولم يزل كلما تقدم قدماً تبدو منه أسباب تقتضي تقديمه إلى ما هو أعلى منه حتى بدا لعمه أسد الدين رحمه الله الحركة إلى مصر المحروسة وذهابه إليها.
ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام.
وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء وفهم من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه.
وكان شدة حرصه على العقيده يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه.
صلاته :
وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى أنه ذكر يوماً أن له سنين ما صلي إلا جماعة.
وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة.
وكان يواظب على السنن الرواتب وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ولم يكن يترك الصلاة ما دام عقله عليه.
ولقد رأيته رحمه الله تعالى رحمة واسعه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائماً وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه.
وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى.
زهده :
وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك.
حديث رسول الله :
وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له.
وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه.
تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة.
وكان رحمه الله تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه.
وكان رحمة الله عليه كثير التعظيم لشعائر الدين يقول ببعث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار مصدقاً بجميع ما وردت به الشرائع منشرحاً بذلك صدره مبغضاً للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان معانداً للشرائع مبطلاً وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمره بقتله فطلبه أياماً فقتله.
كان قدس الله روحه حسن الظن بالله كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه.
ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه.
ذكر عدله رحمه الله تعالى
ولقد كان رحمه الله عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي.
وكان يجلس للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً.
على أنه كان في جميع زمانه قابلاً لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ويفتح باب العدل ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات.
وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ولم يرد قاصداً أبداً أو منتحلاً ولا طالب حاجة وهو مع ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة رحمة الله عليه.
ذكر طرف من كرمه رحمه الله
ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف وكان قد عزم على التوجه إلى دمشق ولم يكن في الخزانة ما يعطى للوفود فلم أزل أخاطبه في معناهم حتى باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ولم يفضل منه درهم واحد.
وكان رحمه الله يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة.
وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال حذراً أن يفاجئهم معهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه وسمعته يقول في معرض حديث جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه بذلك أراد نفسه رحمه الله تعالى.
وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول أعطينا لفلان.
وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئاً.
ذكر شجاعته رحمه الله
ولقد كان رحمه الله تعالى من عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر ولقد رأيته يعطي دستوراً في أوائل الشتاء ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عددهم الكثير وقد سألت باليان بن بارزان وهو من كبار ملوك الساحل وهو جالس بين يديه رحمه الله يوم انعقاد الصلح عن عدتهم فقال الترجمال عنه أنه يقول كنت أنا وصاحب صيدا وكان أيضاً من ملوكهم وعقلائهم قاصدين عسكرنا من صور فلما أشرفنا عليه تحازرناه فحزرهم هو خمس مائة ألف وحزرتهم أنا بستمائة ألف أو قال عكس ذلك قلت فكم هلك منهم فقال أما بالقتل فقريب من مائة ألف وأما بالموت والغرق فلا نعلم وما رجع من هذا العالم إلا الأقل.
وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا قريباً منهم.
ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركباً على عكا وأنا أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس.
وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد على يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها.
وكان يشارف العدو ويجاوره رحمه الله.
ذكر اهتمامه بأمر الجهاد
ولقد كان رحمه الله شديد المواظبة عليه عظيم الاهتمام به ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد أو في الأرفاد لصدق وبر في يمينه.
ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه.
ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة.
ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ريحية على مرج عكا فلو لم يكن في البرج لقتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبة ومصابرة واهتماماً
وأما نصرة دين الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء الله من موضع مخصوص في الأرض حتى تطهر جميع الأرض منهم واستأذنت أن أحكي له ما كان خطر لي فحكيت له ثم قلت ما هذه إلا نية جميلة ولكن المولى يسير في البحر العساكر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي له أن يخاطر بنفسه فقال أنا أستفتيك ما أشرف الميتتين فقلت الموت في سبيل الله فقال غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتتين فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجرأها رحمة الله عليه.
اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك وجاهد رجاء رحمتك فارحمه.
ذكر محافظته على أسباب المروءة
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا صافحه الرجل لا يترك يده حتى يكون الرجل هو التارك الذي يبدأ بذلك.
ولقد كان السلطان كثير المروءة ندي اليد كثير الحياء مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف حتى يطعم لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده ولا يخاطبه بشيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافراً.
ولقد وفد عليه البرنس صاحب إنطاكية فما أحس به إلا وهو واقف على باب خيمته بعد وقوع الصلح في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة عند منصرفه من القدس إلى دمشق عرض له في الطريق وطلب منه شيئاً فأعطاه العمق وهي بلاد كان أخذها منه عام فتح الساحل وهو سنة أربع وثمانين.
ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صيدا بالناصرة فاحترمه وأكرمه وأكل معه الطعام ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفاً من محاسنه وحثه عليه.
وكان يكرم من يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار وكان يوصينا بأن لا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه.
وكان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم حافظاً لأنساب خيلهم عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
ذكر وفاته رحمه الله رحمة واسعه
ولما كانت ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من صفر وهي الثانية عشرة من مرضه اشتد مرضه وضعفت قوته ووقع من الأمر في أوله وحال بيننا وبينه النساء واستحضرت أنا والقاضي الفاضل تلك الليلة وابن الزكي ولم يكن عادته الحضور في ذلك الوقت وحضر بيننا الملك الأفضل وأمر أن نبيت عنده فلم ير القاضي الفاضل ذلك رأياً فإن الناس كانوا ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف إن لم ننزل أن يقع الصوت في البلد وربما نهب الناس بعضهم بعضاً فرأى المصلحة في نزولنا واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة وهو رجل صالح ليبيت بالقلعة حتى إذا أحضر رحمه الله بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء وذكره الشهادة وذكر الله تعالى ففعل ذلك ونزلنا وكل منا يود فداءه بنفسه وبات في تلك الليلة على حال المنتقلين إلى الله تعالى والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن ويذكر الله تعالى وكان ذهنه غائباً من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في أحيان.
وذكر الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة.
سمعه وهو يقول رحمة الله عليه: صحيح.
وهذه يقظة في وقت الحاجة وعناية من الله تعالى به فلله الحمد على ذلك.
وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسعة وثمانين وخمسمائة وبادر القاضي الفاضل بعد طلوع الصبح في وقت وفاته ووصلت وقد مات وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرمه وجزيل ثوابه ولقد حكي لي أنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: لا إله إلا هو عليه توكلت.
تبسم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه وكان يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ذلك اليوم فإني علمت من ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين وكان يوماً عظيماً وقد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة من أن ينظر إلى غيره وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ.
وكان أولاده يخرجون مستغيثين إلى الناس فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم.
ودام الحال على هذا إلى ما بعد صلاة الظهر.
ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي بلت الطين وغسله الدولعي الفقيه ونهضت إلى الوقوف على غسله فلم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط.
وكان ذلك وجميع ما احتاج إليه من الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه وارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة فصلى عليه الناس أرسالاً وكان أول من أم بالناس القاضي محيي الدين ابن الزكي ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وكان متمرضاً بها ودفن في الصفة الغربية منها.
وكان نزوله في حفرته قدس الله روحه ونوّر ضريحه قريباً من صلاة العصر ثم نزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر وعزى الناس فيه وسكن قلوب الناس وكان الناس قد شغلهم البكاء عن الإشغال بالنهب والفساد فما وجد قلب إلا حزين ولا عين إلا باكية إلا من شاء الله.
منقول من الكتاب ببعض التصرف والاختصار .
وانا على يقين ان هذه السطور البسيطه لاتفي حق هذا المجاهد العظيم , ولكن لم اشأ ان ازيد على القاريء لكي لايمل ولا يضنى من القراءه
دمتم بود
وطن
التعديل الأخير تم بواسطة : الإدارة بتاريخ 07-10-2005 الساعة 11:12 مساءً.