حقيقة المشروع الأمريكي الطائفي في العراق
بات واضحاً للجميع ان الدور المرسوم للطائفيين العملاء الذين تسلطوا على مقدرات العراق بدعم ومساندة قوات الاحتلال الغاشم اصبح مثار تساؤل بعد التصعيد في تصريحات المسؤولين الامريكان حول الممارسات الطائفية لحكومة الجعفري وتحول اجهزة الدولة الامنية الى سيف مسلط على رقاب الشرفاء من العراقيين ومن اهل السنة خاصة وكشف عدد محدود من الفضائح الكثيرة التي مارستها الاجهزة الطائفية الحكومية والقاء القبض على فرق الموت الحكومية التي تستهدف العلماء والاساتذة والشيوخ والاطباء والضباط وخاصة الطيارين وعامة الناس وتصفيتهم على اساس طائفي وعنصري.
ان خطورة الوضع والتصعيد الطائفي في العراق واقصاء وتهميش شريحة مهمة لها وزنها في المعادلة العراقية والتي ساهمت في بناء العراق خلال تأريخه الطويل وحافظت على هويته الوطنية والعربية والاسلامية امام تحديات ومصائب كثيرة مرت على شعبنا الصابر المرابط، كل ذلك مضافاً اليه مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة وتطور المواجهة مع النظام الايراني ادى بالولايات المتحدة ان تدرك خطورة العامل الطائفي في العراق والدور المحوري الذي تلعبه ايران في العراق المحتل حيث لا يخفى على احد الدور الذي لعبته ايران في تسهيل مهمة الامريكان في احتلال العراق وافغانستان اضافة الى اسهام الاحزاب المتوالية لها.
علاقة ايران بالمحتل الامريكي
ضمن الهدف الاستراتيجي الكبير وهو اقامة الامبراطورية الفارسية فان ايران قد قدمت خدمات كبيرة الى الولايات المتحدة في مساهمتها في اسقاط طالبان في افغانستان والنظام السابق في العراق. ولقد اعترف محمد علي ابطحي نائب الرئيس الايراني للشؤون القانونية والبرلمانية في ختام اعمال مؤتمر عقد بامارة ابو ظبي منتصف كانون الثاني 2005 ان بلاده قدمت الكثير من العون للامريكيين في حربهم ضد افغانستان والعراق.
وفي تصريح الى جريدة الغارديان البريطانية في عددها الصادر بتأريخ (2005/9/3) تحت عنوان (الصيغة المنطقية لقانون المستعمرات) للكاتب طارق علي... اشار الكاتب الى القمة الاقليمية التي جرت بين الرئيس الايراني وبين امراء دولة الامارات العربية المتحدة حيث سئل الرئيس الايراني محمود احمد نجادي عن مخاوفه من التدخل الامريكي بالشأن الايراني فاجاب قائلا (لولانا نحن فان امريكا لا يمكنها احتلال العراق وافغانستان واذا فكرت امريكا بالهجوم على ايران فان ذلك يعني خروجها من هاتين الدولتين (يقصد من افغانستان والعراق)).
ان تصريحات ابطحي ونجادي تكشف الدور الذي لعبته ايران في مساعدة امريكا في اختزال طاقات هاتين الدولتين المجاورتين لإيران والتمهيد للسيطرة الامريكية عليها.
ان الدور الاستخباراتي الايراني ضد العراق والتدخلات الواسعة في الشأن العراقي واحداث الازمات الامنية والدعم اللوجستي الايراني لأمريكا طيلة الفترة الماضية كلها مؤشرات تشهد بان ايران لاعب اساسي كبير في اللعبة السياسية داخل العراق له تأثير على قوى سياسية ومليشيات عسكرية مهمة في العراق.
وفي مقابلة مع جريدة الحياة يوم (2006/2/25) تحدث رئيس مجلس ادارة مجموعة الازمات الدولية اللورد كريس باتن عن علاقة الملف النووي الايراني بالعراق والنفط قال: (ان ضرب طهران مستحيل لخطورته وواشنطن عززت اهميتها لاعباً اقليمياً) مؤكدا في الوقت ذاته ان ايران (لا تستطيع ضمان امنها الذاتي بمعزل عن الدول الاخرى في المنطقة).
والتهديد الذي اطلقه نجادي باخراج الولايات المتحدة من افغنستان والعراق بمجرد ان فكرت امريكا بالهجوم على ايران يشير الى تنامي القوات الطائفية الموالية لإيران وخاصة في العراق خلال حكم حكومة الجعفري حيث تمكنت المليشيات من ادخال عناصرها في صفوف الحرس الحكومي والشرطة.
وبعد تصاعد الضغوط الامريكية -الاوربية لتحديد انشطة ايران النووية وتقديم ملفها النووي الى مجلس الامن فقد شعرت ايران ان المواجهة مع الولايات المتحدة قد اقتربت وبدأت حملة تعبئة داخلية كان ثمارها توجه المئات من المتطوعين والمتطوعات لتسجيل اسمائهم مبدين استعدادهم للقيام بعمليات ضد القوات الامريكية في العراق وطالما تبجحت ايران ان في جعبتها (150) الف رهينة امريكي في العراق على حد تعبير المصادر الايرانية.
وفيما يخص الساحة العراقية فان ايران والاحزاب الموالية لها داخل العراق متورطة في محاربة المقاومة الاسلامية اما بدفع فصائلها مباشرة في بعض المعارك كما في الفلوجة وتلعفر حيث شاركت فصائل من بعض الميليشات الموالية لإيران في هذه المعارك وكذلك مشاركة عناصر ايرانية في مداهمة بعض الاحياء في بعض المدن العراقية ووجود محققين ايرانيين في دوائر تحقيق وزارة الداخلية والشرطة في المحافظات.
ان الهدف الايراني في العراق هو سحق المقاومة العراقية وتقوية الاحزاب الموالية لها في العراق من خلال القاسم المشترك مع الامريكان وهو انهاء المقاومة العراقية وتصفية اهل السنة ورموزها باسم مكافحة الارهاب وتحجيمهم واخراجهم من المعادلة العراقية.
علاقة المحتل بالتنظيمات الطائفية الموالية لإيران
قبل غزو العراق عقدت الولايات المتحدة اتفاقاً مع التنظيمات الطائفية لتنفيذ المخطط الامريكي في العراق فدخل العملاء على متن الدبابات الامريكية وبدأوا بتنفيذ ما اتفق عليه من تدمير البنية التحتية وسرقة ونهب ممتلكات الدولة واشاعة النعرات والروح الطائفية وحل الجيش العراقي وترويج الدستور السيئ الصيت وبعثرة وسرقة ثروات العراق من اجل تفتيت البلاد الى اقاليم وكانتونات طائفية ولم يكتف هؤلاء بهذا الدور القذر الذي اسنده اليهم اسيادهم بل انقضوا على الشرفاء من العراقيين الاصلاء الذين لم يرضوا بالاحتلال وبالتحديد من اهل السنة شفاءً لغليلهم وحقدهم الدفين المتوارث مدفوعين من النظام الايراني الذي حقق في عهد تسلط الجعفري على مقدرات العراق وبدعم ومساندة قوات الاحتلال البغيض مالم تحققه ايران طيلة (8) سنوات من حربها مع العراق حيث استعملت ايران الاحتلال لكسب النفوذ الكبير في العراق حيث اكد ذلك الجنرال جورج كايسي بقوله: ان الايرانيين يضخون ملايين الدولارات الى الجنوب لتغطية نشاطاتهم هناك.
لقد قيل في القرن الماضي ان الانكليز قد قاتلوا بالهنود اي ان الانكليز قد استخدموا الهنود في حروبهم الاستعمارية وفي هذا القرن ارادت امريكا استخدام عملائها من الطائفيين لاركاع الشرفاء من العراقيين الذين اختاروا طريق العز والاباء طريق المقاومة الباسلة متوهمة انها ستقضي عليها وكان على العكس من ذلك ان هؤلاء لم ولن يستطيعوا ان يواجهوا المجاهدين الابطال وكانوا يفرون امامهم كالجرذان المذعورة... فكان نتيجة ذلك ان صبوا جام غلهم وحقدهم الاسود وكراهيتهم على الناس العزل فتوسعت حملات الاعتقال العشوائي والخطف والقتل مستخدمين اسوأ الوسائل والتي سبق ان استخدمت في اقفاص الاسرى في ايران خلال الحرب العراقية الايرانية.. بل وتطورت الوسائل الى استخدام المثقب الكهربائي والتيزاب والحرق بأدوات اللحيم وبشكل بشع ولأول مرة في التأريخ ووصل الحال ان بدأ الناس يترحمون على الامريكان والعوائل تهنئ بعضها البعض اذا ما تم الاعتقال على ايدي قوات الاحتلال وليس على ايدي الوية حيوانات الداخلية (العقرب، الاسد، الذئب،.....الخ) واخيرا الغربان السود.
لقد استخدم هؤلاء الطائفيون الامريكان في حربهم الاستئصالية الشرسة ضد العراقيين الاصلاء فهدموا مساجد اهل السنة ومدنهم ومستشفياتهم باستخدام الطائرات والصواريخ والاسلحة الكيمياوية ضمن مخطط استئصال وابادة المناطق السنية العربية الاصيلة الرافضة للاحتلال تحت مظلة الحرب على الارهاب وكان الجواسيس ومعظمهم من الطائفيين هم ادلاء على بيوت المقاومين وغير المقاومين الرافضين للاحتلال اضافة الى الدور القذر الذي لعبه الكثير من المترجمين الذين خانوا شرف مهنتهم في تشويه وتزييف كلام المعتقلين لدى قوات الاحتلال.
ان هؤلاء اصحاب العقول القاصرة لم يفكروا ولو للحظة واحدة ان امريكا الغادرة لن تبقى في العراق ولن تفي بوعودها التي قطعتها للعملاء فتأريخها الاسود يشهد انها تتخلى وفي اية لحظة عن عملائها من اجل مصلحتها.. نعم مصلحتها قبل كل شيء.
لقد كشفت التصريحات الاخيرة لزلماي خليل زاد عن الحال حيث اشار الى كون ايران تدعم وتدرب مليشيات عراقية ومجموعات متطرفة ثم اردف قائلا: ان تسليم الوزارات الامنية في العراق لأشخاص طائفيين ومرتبطين بمليشيات هو امر غير مقبول وان امريكا لن تنفق اموال دافعي الضرائب الامريكان على قوات طائفية وكذلك فقد اشير الى اعتقال (22) عنصراً من مغاوير الداخلية من قبل القوات الامريكية وهم على وشك قتل عالم من اهل السنة شمال بغداد، وفي الوقت نفسه داهمت القوات البريطانية بيوت عدد من عناصر الشرطة في البصرة المتورطة في اشتراكها بفرق الموت التي تستهدف رؤساء العشائر والشيوخ والضباط وآخرين.
ان التصريحات الاخيرة لمسؤولين امريكان تكشف عن التخوف الامريكي للتدهور الطائفي الاخير في العراق حيث يبدو ان اللعبة الطائفية قد اصبحت خارج سيطرة الامريكان وادركت الولايات المتحدة خطورة العامل الطائفي الذي راهنت عليه لتفتيت وتقسيم العراق.
ان هذا الاعلان يكشف فشل السياسة الامريكية في العراق وفشل النظام الطائفي الذي اختارته واشنطن في العراق باسم الحرية والديمقراطية ونهاية التواطؤ والتحالف بين الاحزاب الصفوية والولايات المتحدة بعد ان اكتشفت الولايات المتحدة انها قد تعاملت مع اصحاب سوابق ومجموعة من القتلة فكان ولاء هذه العصابة الى النظام الايراني قبل كل شيء وهي تعرف ذلك مسبقاً غير انه ارادت استخدامهم لفترة محددة لكبح جماح المقاومة الباسلة والتنكيل بعامة اهل السنة جراء رفضهم الانجرار وراء المخطط الأمريكي الصهيوني.
لقد نشرت العديد من الصحف الامريكية الكثير من الفضائح المدعومة بالوثائق والصور حقائق تتعلق بالممارسات الارهابية التي تمارسها قوات الامن العراقية في عهد حكومة الجعفري حيث كانت القوات الامريكية على علم تام بما يجري على الارض وكانت تتغاضى عن ذلك في الوقت الذي كانت فيه توثق هذه الادلة تمهيداً لكشفها في الوقت المناسب وحسب الاجندة الامريكية.
وعندما شعر الطائفيون ان مواقعهم مهددة وبدأت تتزعزع بعد ان تم كشف القليل من الكثير من الشواهد والادلة بدأت بعض الادارات المحلية كما في البصرة وكربلاء ونيسان تعليق تعاملهم مع اسيادهم المحتلين بل وصل الحال بالجعفري وهو يتنكر للنعمة التي انعمها عليه اسياده فقال مجيباً على سؤال يتعلق بتأثير امريكي على تشكيل الحكومة القادمة: (لا علم لي بفيتو امريكي والحكومة ستتشكل بارادة عراقية).
لقد اعتبر الجعفري تصريحات السفير زلماي خليل زاد والتي حذر فيها من قيام الحكومة الجديدة على اسس طائفية تدخلا في الشؤون الداخلية العراقية ورد عليها بغضب بقوله: ان العراق يعرف مصلحته. ونحن في هذا المقام نذكر ابراهيم الجعفري بما يلي:
1- لقد نسيت ان العراق هو لا زال ولحد هذه اللحظة تحت الاحتلال.
2- وان السيد زلماي خليل زاد هو الحاكم الفعلي للعراق.
3- وان حكومته خسرت اعداداً كبيرة من القتلى والجرحى الامريكان وانفقت مئات المليارات من الدولارات في حربها لغزو العراق.
4- ونسيت تواجد (150) الف جندي امريكي وعشرات الآلاف من جنسيات اخرى وانك شخصيا وحكومتك الطائفية قد طلبت بقاء قوات الاحتلال من اجل بناء وترسيخ قواتك الطائفية ولاحكام السيطرة على البلاد خدمة لمخططات ايرانية ولولا هؤلاء الاوغاد المحتلون لما اصبحت يا جعفري رئيساً للوزراء ولما استمرت حكومتك القابعة في المنطقة الخضراء يوماً واحداً في السلطة في حال انسحاب قوات الاحتلال لذلك انتم حريصون كل الحرص على بقائها.
5- ويؤسفني ان اقول ان السفير زاد كان محقاً في هذه المرة فحكومتك طائفية (100%) ووضعت اوغاداً من الفرس في وزارة الداخلية يكيلون العذاب للشرفاء من ابناء شعبنا ومنهم شكلتم فرق الموت وعصابات الخطف والتعذيب لكي تبنوا دولتكم الصفوية الجديدة على جماجم العراقيين الشرفاء.
فقد ادركت الولايات المتحدة خطورة العامل الاقليمي المتمثل بالتحديات الايرانية حول الملف النووي الايراني وارتباط ذلك بالعامل الداخلي في العراق وكان تصريح وزير الخارجية الايراني (متقي) في بيروت يوم (2006/2/17) الا دليلاً سافراً يكشف عمق التدخل الايراني في الشأن العراقي حيث طالب بانسحاب القوات البريطانية من البصرة.. لماذا البصرة بالذات ولم يطالب بانسحاب قوات الاحتلال من العراق كله وهل البصرة هي محافظة ايرانية لكي يطالب بها.. ام لأن المخابرات الايرانية قد هيمنت عليها من خلال الاحزاب الموالية لإيران.
لقد تورط (متقي) في هذا التصريح وهو مضطر اليه لأن معالم الجريمة الطائفية قد انكشفت وانكشف دور ايران في العراق واتضحت للعالم كله حقيقة المآسي التي يعيشها اهلنا المستضعفون في الجنوب العراقي وما تمارسه قوات الداخلية والحرس الحكومي من اهوال ومصائب بحق العراقيين النجباء الذين لم ولن يرضوا بذوبان هويتهم العربية والاسلامية وسجلوا موقفهم هذا بأحرف من نور في تأريخ العراق الحديث مضيفين هذا المجد الى مجد الآباء والاجداد.
ان (متقي) قد صرح بهذا التصريح بعد ان شعر ان الولايات المتحدة قد اكتشفت انه لابد من ايقاف العامل الطائفي في العراق وتحجيمه في الوقت الحاضر وان الولايات المتحدة قد صعدت مواجهتها مع ايران.
العراق.. والعمق الاستراتيجي لـ(إيران)!
ان العراق يعتبر خط الدفاع الاول لإيران ضد اية محاولة لاجتياحها او احتوائها ومحاولة تغيير نظامها وكان العراق على مدار التأريخ هو الباب الرئيسي للحملات العسكرية التي اجتاحت ايران. لقد قامت ايران بعد الغزو الامريكي للعراق بخطوات فعالة من اجل تعزيز وجودها وهيمنتها على العراق من خلال التنظيمات والاحزاب السياسية الطائفية المرتبطة بها فتمكنت هذه الهيئات من تحقيق هيمنتها على قوات الامن والحرس الحكومي وعلى وزارات الدولة مستغلة الموقف الامريكي المعادي لأهل السنة.
ان ايران بسيطرتها هذه تعتقد انها تستطيع تحريك اتباعها لمواجهة امريكا اذا ما تم استهداف منشآتها النووية (وبالفعل فان تصريحات البعض بالوقوف مع ايران ضد الولايات المتحدة الا دليل على ارتباط هؤلاء بالقرار الايراني فنتساءل ونستغرب عن سكوتهم عن ممارسات قوات الاحتلال في العراق وهي في عقر دارنا؟ هل لان سياسية قوات الاحتلال تنصب ضمن ما تريده ايران من اضعاف لأهل السنة من خلال سحق المقاومة المسلحة وان امريكا سمحت لتحول قوات الامن والحرس الحكومي الى قوات طائفية يتم تدريبها وتسليحها باموال أمريكية؟).
لقد اصبح العراق من جديد خط المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها مع ايران بعد ان شعرت الولايات المتحدة خطورة الوضع الطائفي المتصاعد في العراق وامكانية خروج اللعبة عن السيطرة الامريكية بعد التصريحات الاخيرة المعادية لأمريكا وربط ذلك بترشيح الجعفري لرئاسة الحكومة الجديدة.
ومن اجل التهيؤ للمواجهة المحتملة مع ايران فان مساعي السفير الامريكي في العراق تنصب في تشكيل حكومة تشمل كل الطوائف وبدون ان يتولى الجعفري رئاسة الحكومة وان لا يتم تسليم الوزارات الامنية الى قائمة الائتلاف ويتزامن ذلك مع تصاعد الحملة الامريكية لكشف المزيد من فضائح الارهابيين في وزارة الداخلية كفضيحة ملجأ الجادرية وفرق الموت في بغداد والبصرة وغيرها.
وكان رد الفعل الايراني والهيئات السياسية الطائفية التي تسير في ركابه واضحاً من تصريح وزير الخارجية الايرانية (متقي) في بيروت مطالباً بانسحاب البريطانيين من البصرة من دون ان يشير الى الانسحاب من كل العراق وهذا مؤشر خطير على حرص الايرانيين على ضم الجنوب العراقي بشكل عام والبصرة بشكل خاص نظراً لأنها تحوي على اكثر من (50%) من احتياطي النفط العراقي.
وتشير اصابع الاتهام الى ايران والى القوى السياسية المرتبطة بها في الساحة العراقية للاعتداءات التي تعرض اليها المقامات الدينية في سامراء وما تبع ذلك من اعتداء على اكثر من (170) مسجداً لاهل السنة والجماعة في بغداد وجنوب العراق.
ان الشواهد تشير الى ان هناك تهيؤاً وتحضيراً مسبقاً لهذه الاحداث حيث اشار عدد من المواطنين الثقات الى استلامهم رسالة في الانترنيت تحث الاخوة الشيعة على الثورة في العراق وان حدثاً سيجري في العراق قريباً.
لقد ادركت ايران خطورة ابتعاد عملائها عن الوزارات الامنية بعد ان توغلت جميع المليشيات بانواعها المكشوفة والمخفية هذه الوزارات وانه سيتم الاستغناء وتسريح وحل هذه المليشيات لذلك بادرت هي باثارة الاحداث التي شهدها العراق يوم (2006/2/22) لارباك القوات الامريكية المتواجدة في العراق ولتشعر الامريكان ان لايران الباع الطويل في الساحة العراقية وان قواتها ستكون في خطر اذا ما حصلت المواجهة معها، وفي الوقت نفسه فان بدء الصفحة الثانية من الهجمة الطائفية والتي تمثلت في القتل الجماعي على اساس الهوية حيث قتلت (57) شاباً يوم الخميس (2006/2/23) في منطقة الطالبية في بغداد وقبلها قتلت العدد نفسه في منطقة النهروان ومناطق اخرى من بغداد ما هو الا منحى جديد تتجه اليه القوى الطائفية لتهجير العرب السنة من بغداد حيث بدأت في تنفيذ هذا المخطط بعد غزو العراق ومن خلال الحملة الاعلامية والتصفية الجسدية لأهالي مناطق المدائن واللطيفية والطارمية لتغيير الخارطة الديموغرافية لسكان مدينة بغداد وتزامن ذلك مع توطين الفرس في منطقة المدائن والاستيلاء على مرقد الصحابي الجليل سلمان الفارسي (رضي الله عنه) واثارة موضوع القومية الفارسية خلال مناقشة الدستور.
والجدير بالذكر ان عدداً من رموز الصفويين الجدد قد سبق ان دعوا الى اقامة اقليم على اساس طائفي يمتد من البصرة جنوباً وحتى سامراء شمالاً حيث يوجد في سامراء مرقدا الامامين علي الهادي وحسن العسكري (رضي الله عنهما).
ان تفجير هذين المرقدين وهما تحت حراسة مغاوير الداخلية وقوات الاحتلال الامريكية الا هو اشارة واضحة الى ان مراقدهم هي في خطر ما دامت بأيدي (النواصب) على حد زعمهم وهذا تبرير دعوتهم لضم مدينة سامراء الى اقليم الجنوب المزمع تشكيله.
ان تورط النظام الايراني الخطير في الاحداث الاخيرة ما هو الا منزلق خطير يراد به جر المنطقة الى حرب طائفية طاحنة في محاولة لاستمرار تمكين القوى السياسية الطائفية المرتبطة بها وفي الوقت نفسه هو تحذير موجه للادارة الامريكية من مغبة مهاجمة ايران فستشتعل ارض العراق تحت اقدام الامريكان اذا ما فكرت الادارة الامريكية في مهاجمة المفاعل النووي الايراني ومن هنا نفهم تصريح نجادي في ان امريكا ستخرج من العراق اذا ما هوجمت ايران.
ونعتقد ان هذا التوجه الايراني الجديد في العراق والقوى التابعة له ما هو الا دليل الافلاس السياسي لهذه القوى التي ساعدت المحتل ونفذت مخططاته في الوقت نفسه الذي بذلت جهدها وبدعم مباشر من ايران لانهاء دولة العراق واقامة على حطامها اقليم صفوي كبير في جنوب العراق ووسطه.
وشاءت ارادة الله سبحانه وتعالى ان تتقاطع مصالح السيد مع مصالح العبد وينقلب السحر على الساحر وبدأت ملامح انهيار العلاقة غير الشرعية بينهم، وصدق الله العظيم في قوله: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
مهمة إيران في العراق ... التخريب من الداخل بالتنسيق مع الاميركان
لقد سبق لهنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الاسبق ان كتب في مذكراته (من يريد السيطرة على الامة العربية والاسلامية عليه ان يدمر ارادة الامة العراقية فهي الحلقة الرئيسية فيها).
drawGradient() وما ذكره هنري كيسنجر لم يكن غائبا عن الادارة الاميركية حين كانت منكبة للتخطيط لاحتلال العراق في محاولاتها الخائبة لتدمير بلد يمتلك حضارة عمرها سبعة آلاف سنة. ولابد انهم قد اهتموا بالسؤال الدائم الذي يقول لماذا بقي العراق كما هو والعراقيون كما هم لم يتغيروا ابدا ولم تتغير هوية هذا البلد ولم يتأثر دوره، رغم ما تعرض له على مدار التاريخ من غزوات من مختلف الامبراطوريات الطامعة من يهود وتتار وفرس حيث فشلت جميع المشاريع التي حاولوا فرضها عليه؟
لذا فقد كان معروفاً، منذ البداية، أن مشروع الاميركان لاحتلال العراق والسيطرة عليه لايمكن ان يتم لهم من خلال حملة عسكرية فقط دون ان تتوفر له عوامل كثيرة اهمها استخدام امكانيات اطراف عديدة، محلية واقليمة ودولية كون العراق ليس بلدا عاديا كسائر البلدان حيث جربت اقوام ودول عدة السيطرة عليه ولم تفلح في تحطيم ارادة ابناءه.
drawGradient() فكل الوقائع تشير الى ان عملية الغزو واحتلال العراق قد ساهمت فيها اطراف عديدة حين استنفر الاميركان الاعداء الحقيقيين للعراق وفي تنسيق مستمر من اجل اتمام عملية الاحتلال وتثبيت السيطرة على العراق وتقاسمه كغنيمة. وفي مقدمة هذه الأطراف اليهود الصهاينة الساعين للسيطرة على امتنا والمدفوعين بالثأر لسبي اليهود في بابل على يد الملك نبوخذ نصر من جهة، ومن جهة اخرى لان العراق كان متمسكا بصدق بدعمه لقضية شعبنا العربي الفلسطيني وعمله على ردع اسرائيل قولا وفعلا، وكذلك لكونه كان يشكل تهديدا حقيقيا على مستقبل وجود كيانهم في فلسطين المحتلة. والطرف الآخر هم الايرانيون التي دمرت امبراطوريتهم الفارسية على ايدي العرب والمسلمين، ولهذا فهم يريدون الثأر لذي قار والقادسية ونهاوند وانتصار العراق عليهم في حرب استمرت ثمان سنوات، وما زالوا يعتبرون العراق هو عدوهم الأول. وليس هناك ثمة غرابة في مثل هذا التحالف والتنسيق بين هذه الاطراف المذكورة مهما كلفهم ذلك من تنازلات لبعضهم البعض لتحقيق اهدافهم المشتركة لان الامر لا يتعلق بالعراق وحده كما اشار هنري كسنجر في مذكراته وانما هو مفتاح السيطرة على كل مقدرات الامة العربية ومن ثم الاسلامية.
والحقيقية الثابتة الان ان دور الالة العسكرية الاميركية المتواجدة في العراق قد تم تحييده ان لم يكن ماضيا الى التلاشي تماما عما قريب حيث ادرك الاميركيون مبكرا انه لم يعد ذي جدوى لتثبيت المشروع الاميركي ومرتكزاته بسبب قوة المقاومة وضراوتها، وهذا ما استوجب توظيف طاقات الاطراف التي ساندت مخططهم بشكل اوسع وبشكل يكون فيه التخريب والاذى اكبر بل ويسبق العمل العسكري بكثير في تاثيره، عبر اطلاق يد تلك الاطراف لتفعل فعلها طالما ان الامور محسوبة وكل شيء مسيطر عليه (Under control) كما يقولون، لخدمة الهدف الرئيسي وهو احكام السيطرة على العراق وتقاسم الغنيمة.
قد يستغرب البعض كيف لايران ان تشترك مع الصهاينة والاميركان في تنفيذ هذا المخطط وهم الذين يرددون ليل نهار عن عدائهم لاميركا وخصوصا انه تجري اليوم المزيد من الحملات الاعلامية المتبادلة بين الطرفين واطلاق انباء عن بوادر مواجهة وحرب وما الى اخره من فرقعات؟ فالحقيقة ان هذا هو جزء من مخطط استخدام الالة الاعلامية من اجل التموية والتضليل وخداع الراي العام. اذ هناك شواهد كثيره على التعاون الايراني الاميركي ـ الصهيوني خصوصا اثناء الحرب العراقية الايرانية وفي عز التطرف الايراني المعلن في عدائهم للغرب عندما كان الخميني زعيما لايران، حيث كانت المساعدات الفنيه والاستطلاعية والعسكرية الاميركية المباشرة تقدم لايران يوميا، ومنها على سبيل المثال تزويد الاميركان لايران بصور الأقمار الصناعية للقطعات العسكرية العراقية وتحركاتها، بل ان اميركا اوعزت لاسرائيل وجنوب افريقيا بتقديم قطع غيار للطائرات الايرانية والدبابات والمدفعية، وصل الأمر الى قيام اميركا بتقديم امدادات عسكرية مباشرة لإيران عرفها الجميع بعد كشف فضيحة ايران غيت.
وخلال الحرب العدوانية على العراق في عام 1991 نسق الاميركان مع النظام الايراني لكي يتم السماح للطائرات الاميركية بالهجوم على العراق عبرالاجواء الايرانية وفتح المجال الجوي الايراني لعمليات قوات العدوان مقابل عدة مليارات من الدولارات دفعها حكام الكويت، حيث كان العراق قد ركز دفاعاته الجوية غربا وليس على الجهة الشرقية المحاذية لايران التي لم تخصص لها اية دفاعات جوية عراقية فاعلة . وهكذا عندما بدأت الحرب، شنت قوات العدوان المشتركة اول هجوم على العراق حين دخلت 500 طائرة مقاتلة الأجواء الايرانية وانقضت من شرق العراق على الدفاعات الجوية العراقيه ودمرتها تماما، وكان هذا احد الاسباب الاستراتيجية المهمة لتحطيم القدرة الدفاعية للقوات العراقية، والتي لولا التعاون الايراني لما استطاعوا تحقيقه.
ان مبدأ "كل شيء تحت السيطرة" يعد واحدا من اهم المباديء التي تعتمدها الاستراتيجية الاميركية في تنفيذ مخططاتها فهي تتعاون مع الشياطين ومع اعدى الاعداء من اجل تحقيق الهدف طالما ان الامر Under) control). ويلاحظ المتتبع ان اطلاق يد ايران واعوانها في العراق يجري بالمتزامن مع شيئين اخرين اولها هو الحديث عن انسحاب عسكري اميركي من العراق سواء كان ميدانيا اي الى خارج المدن، او انسحاب جزئي او كلي. وثانيهما هو تصاعد حدة المواجهة الاعلامية المفتعلة بين الاميركان والنظام الايراني فيما يتعلق بموضوع تطوير المفاعل النووي الايراني. وربما ادرك الاميركان مبكرا دور ايران المهم في تخريب الدولة الاسلامية من الداخل عبر الانتماء للدين الاسلامي وهم المليئين بالاحقاد على العرب الذين اسقطوا دولتهم الفارسية. والمتتبع للاحداث يجد بان قوات الاحتلال الاميركي التي دخلت بغداد يوم التاسع من نيسان عام 2003 قد اغمضت عينيها تماما عن الحدود الشرقية للعراق مع ايران وتركتها مفتوحة كي تتيح لايران الدخول بكل ثقلها الى العراق. ومنذ ذلك الحين فقد تحولت ارض العراق الى ساحة تمارس فيها ايران كل ما يحلو لها من عمليات تستهدف العراق وشعبه وبكل اشكالها الاجرامية لنهب البلاد وتمزيقها وشرذمتها وضربها في الصميم. وقد وظفت ايران كل طاقات الخونة والمرتزقة والحاقدين والطائفيين، وكذلك المرجعية الشيعية، التي تقف على راسها عناصر ايرانية مليئة بالحقد على العراق وعلى العروبة وعلى الاسلام الحقيقي والتي شكلت تكتلا سياسيا ايراني التوجه والاهداف هو "الائتلاف العراقي الموحد" هدفه الرئيسي هو ربط العراق بإيران الفارسية وعزله عن محيطه العربي، حيث يحسب الشيعة الصفويون المرتبطون بايران ان العراق غنيمة يجب الاستئثار بها كلها، ومن ثم تسليمه كاملا الى ايران لتقتص وتثأر منه ولتفرغ احقاد الفرس. وربما هذا ما يدعو الاميركان الى اطلاق تحذيرات بين فترة واخرى لتذكير الاخرين بان الامور بيدها، اخرها هو ما جاء على لسان وزير الدفاع اميركا دونالد رامسفيلد عند زيارته الاخيرة للعراق ليؤكد للاطراف المعنية بان كل شيء تحت السيطرة، وان اميركا لا تأبه بماهية الدستور العراقي المقترح وماهو محتواه حتى لو ادرجت فيه شتى النصوص والفقرات الشاذة بما فيها اعتبار ان العراق مكون من العديد من القوميات بما فيها القومية الفارسية لان ذلك بالتاكيد يصب في مصلحتهم لان المهم هو ان تسير الخطة بنجاح من اجل اقامة مشروعهم الذي بات يرتكز على اساس تمزيق العراق وتمزيق شعبه لاجل اضعاف هذا البلد ومسخه وجعله بلا حول ولا قوة ولا تقوم له قائمة الا بارادة الاميركان والاطراف الاقليمية الشريكة معهم في الغنيمة وكل حسب دوره، بحيث يصبح طبقا للاميركان مجرد ارض تظم حقولا للنفط تشفط منها الشركات الاميركية الشرهة مقابل مكافاءات مجزية لحراسها من الاتباع او الذين ساهموا في انجاح هذا المشروع.
ان عبارات رامسفيلد لابراهيم الاشيقر حول علاقته بايران هي للتذكير بان الاميركان هم الاسياد وما ايران الا شريك تابع، فانجزوا المهة ايها الصغار ولايهمنا ماستكتبون في دستوركم او ما هو شكله او مضمونه.. هذا ما اراده رامسفيلد وهي عبارات قالتها زيارته ولم ينطقها لسانه.
ويلاحظ ايضا ان نغمة الحديث عن التخطيط لانسحاب اميركي من العراق تتصاعد بشكل طردي مع عملية التخريب في الداخل التي يتولى القيام بها اتباع ايران والتي يبدو انها هذه المرة قد خطط لها بعناية لمحاربة العراق والعرب والمسلمين عبر هذه الادوات التي هيأتها منذ زمن ليس بقريب، حيث على الجانب الاخر تزداد حدة الحديث عن مشكلة المفاعل النووي الايراني بالتزامن مع ايغال الفرس في تنفيذ جريمة تمزيق العراق.
لقد اصبحت اللعبة مكشوفة، اذ ان الصفحة التالية من مخطط الاحتلال باتت واضحة المعالم وهي المزيد من التخريب والتمزيق للعراق، وان الامر الذي تتولاه ايران واتباعها بالتنسيق مع الاميركان يعني التسريع في الانسحاب الاميركي (الهروب) بعد ان يصبح البلد ممزقا الى اشلاء. وقد عبر ابراهيم الاشيقر عن جوهر هذه الخطة حين قال بعد لقائه مع رامسفيلد ردا على سؤال حول موعد انسحاب قوات الاحتلال من العراق وسرعة تحقيق ذلك "هذه السرعة فيها وجهان: الاسراع في اعداد دورات مكثفة وتجهيز وتدريب القوات العراقية، اما الوجه الثاني فهو التخطيط مع القوات المتعددة الجنسيات لان تتم عملية الانسحاب كلما اندفعت القوات العراقية بكفاءة لملأ هذا الفراغ"، فملأ اي فراغ يقصده الاشيقر غير المزيد من التفريس لعراق العروبة والايغال بتمزيقه!!
ان ما يقوم به اتباع ايران الذين سيطروا على مقدرات العراق في ظل الاحتلال يكشف بشكل واضح حقيقة الدور الخبيث للنظام الايراني الذي يريد ان يبتلع العراق ويثبت حقيقة وجود الفرس في ارض الرافدين واخرها النص في الدستور الذي يكتبه العملاء بان القومية الفارسية هي احدى مكونات الشعب العراقي. وهو يكشف لابناء العراق، وأبناء الأمة العربية، حقيقة دور النظام الايراني في الحرب والعدوان على العراق ودعم الاحتلال ومشروع المحتلين ومرتكزاته في تدمير العراق واضعافة وتمزيقة وتغيير هويته. تلك هي الأسباب التي دفعت بالنظام الايراني لبذر عوامل الفتنة والشقاق واطلاق الدعوات المشبوهة التي يروج لها عملاءها واتباعها الصفويين والانفصاليين لاقامة فدراليات لتقسيم العراق ولتعم فتنة التقسيم بما يحقق احلام الفرس للعودة الى السيطرة على ارض الرافدين مدفوعين بالحقد المجوسي الصفوي على عروبة العراق. وانطلاقاً من تلك الاهدف الإستراتيجية، فان ايران التي اشتركت مع الاميركان في الحرب ضد العراق، سواء بشكل مباشر اوغير مباشر، فانها عبر اتباعها ومن دربتهم لتنفيذ مخططاتها ضد العراق تستغل ظروف المواجهة وانشغال الشعب العراقي وقواه الحية في رصف صفوفهم لدعم زخم المقاومة، من اجل تحقيق ما تصبو اليه للفوز باكبر جزء من الغنيمة، ولكي يقيدوا العراق ويجعلوا مصير ابنائه بيد الفرس.
أحمد موفق زيدان
كتب مراسل الجزيرة في باكستان هذه المعلومات الخطيرة عن التواطىء الامريكي الايراني في المنطقة :
كنت على يقين بأن الحرب الأمريكية المشنونة على كل من العراق وأفغانستان إنما هي حرب أمريكية بالوكالة وبامتياز، دفاعاً عن المصالح الإيرانية والهندية في المنطقة، لكن في أحايين كثيرة يصعب عليك أن تبوح بقناعاتك، سيما إن كان هناك من يشكك بالأمر، فبعض الإسلاميين غدا التشكيك في الهولوكوست الإيراني بمثابة التشكيك بعمود الدين، والهولوكست الإيراني عندهم هو أن طهران معادية حتى النخاع للغرب وأمريكا، وما دون ذلك يمكن بحثه ومناقشته.
وحين تجابه هذا الصنف من الناس فإن للسياسة ظاهرا وباطنا، وتستدل بالحكمة الإيرانية القائلة إن شخصاً سرق ديكا ووضعه تحت إبطه داخل معطفه، وكان ذنب الديك بارزاً من تحت كُم معطف السارق الذي كان يُقسم الأيمان المغلظة بأنه لم يسرق الديك، فرد عليه المسروق، من نصدق حلف اليمين أم ذنب الديك ؟ ونحن هنا من نصدق الجعجعة الإيرانية والأمريكية، أم المصالح المتطابقة والتوافق بينهما حذو القذة بالقذة.
لقد سئمنا وسئم المشاهدون والقراء والمستمعون وكل من يتابع الملف النووي الإيراني ومعارضة واشنطن له، من تكرار الأسطوانات المشروخة من التعنت والرفض والدلع الإيراني، والصبر الأمريكي المنقطع النظير الذي ضرب أروع الأمثلة، يذكرنا بصبر سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام، وكأنني أخال أحياناً أن الهدف من كل «الهيصة» الإعلامية على قول إخواننا المصريين، إنما هي إقناع المشاهدين والقراء في أن إيران ما تزال على ولائها وعهدها الذي روجت له في معاداة الشيطان الأكبر، وتعالوا لنقوم بجردة حساب تثبت أن الشيطان الأكبر ما هو إلا الحليف الأكبر، والخل الوفي، في زمن عزّ فيه الوفاء والخلة.
1- سقوط الشاه بالطريقة التي حصل بها، وتخشب الجيش الإيراني الذي كان خامس أكبر جيش في العالم موال للسياسة الأمريكية والغربية، ووقوفه آنذاك على الحياد، والسماح بتسلم الخميني الحكم دون أن تسفك قطرة دم، في حين رأينا كل الحرب الضروس الخفية والعلنية التي نفخت فيها واشنطن ومن خلفها لمنع وصول حلفائها السابقين من المجاهدين الأفغان إلى السلطة، بعد رحيل الاحتلال السوفياتي.
2- صفقة إيران غيت مع الشيطان الأكبر المتضمنة شراء الأسلحة الأمريكية، ثم قصة باخرة الأسلحة الإسرائيلية لإيران.
3- وقوف إيران في كل خندق تتمترس فيه واشنطن، وتجلى ذلك في أفغانستان، إذ لم تعترف طهران بحكومة طالبان، في حين دعمت وساندت على الفور الحكومة الأفغانية التي جاءت مع الاحتلال الأمريكي، وأعلن المسؤولون الإيرانيون وعلى رأسهم الرئيس السابق رافسنجاني بأنه لولا طهران لما سقطت كابول وبغداد، ويجب ألا ننسى أن أول هبوط للقوات الأمريكية في أفغانستان كان على متن الطائرات الإيرانية.
4- الموقف الإيراني في العراق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وآخر ما تفتقت عنه عبقرية عبد العزيز الحكيم في مسرحية باهتة هي دعوته إيران للتفاوض عن اليتيم العراقي مع أمريكا، واستجابة الطرفين الأمريكي والإيراني بسرعة البرق للدعوة، كالعريس والعروس الذين ينتظران من يشجعهما على الإعلان عن زواج تم بالفعل والقول، دون الخوض في تحديد هوية العريس والعروس.
5- أعلنت طهران وتعلن صباح مساء أن لديها العشرات من قادة وعناصر تنظيم القاعدة، ولم نسمع مرة واحدة أن أمريكا طالبتها بتسليم أحد منهم للتحقيق معهم، في حين تطالب باكستان بتسليمها حتى لو تم اعتقال دجاجة يعتقد أنها مصابة بأنفلونزا القاعدة وطالبان.
هذا على الصعيد الإيراني ومكاسبه بسبب الحرب على العراق وأفغانستان، أما ما أضحكني وأذهلني فهو مقال وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس وإشادتها المطلقة بالهند على أنها دولة مكافحة لما يوصف بالإرهاب، وصمتها صمت القبور عن الجهود الباكستانية في هذا المجال، وكلنا يعرف حقيقة الجهود الهندية في ذلك صفر على الشمال، لقد حققت الهند مكاسب رهيبة من وراء الحرب الأمريكية على أفغانستان، على رأسها إسقاط حكومة طالبان المعادية لها، وتمثل العمق الاستراتيجي لعدوها باكستان، بالإضافة إلى إرغام أمريكا لباكستان على تفكيك للجماعات الإسلامية المسلحة التي أقضت مضاجع الهند، وبالتأكيد فإن هذا التفكيك لا علاقة له بالمصلحة الأمريكية وإنما يعني بالدرجة الأولى والأخيرة الهند.
لقد ظهر أن الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق ما هي إلاّ غيوم إيرانية- هندية يأتي خراجها إلى كل من نيودلهي وطهران ولا علاقة للمحارب الأمريكي بخيراتها.
الشرق القطرية – 29/3/2006
(( وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ )) الانفال آية 73