منقول عن شبكة إسلام أون لاين

للغاب نواميسها التي يندر جدا أن تخالفها طبائع الحيوان، ومنها أن سطوة الضواري مصونة، وحومة الكواسر مرهوبة؛ ولذلك يقرر الأبشيهي في كتابه الشائق "المستطرف في كل فن مستظرف" عن رعب الحمام إذا رأى صقرًا: "وخوفه من الشاهين أشد من غيره وهو أطير منه، ولكن إذا أبصره يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد، والشاة إذا رأت الذئب، والفأر إذا رأى الهر". يتسق هذا مع ما يطلق عليه في علم النفس السلوكي للحيوان
"الخوف الغريزي"، وهو يقدم تفسيرًا لمشاهد مقطع تليفزيوني عرضته قناة ديسكفري تحكي قصة الهلع والرعب الشديد الذي تملك قردا صغيرا سقط من على فرع شجرة عالية عندما شخصت حية كوبرا رهيبة إليه ببصرها وهي ما زالت على الأرض، فلما التقت العيون وقع لتوه فزعا من الحية الرائعة.
لكن النادر وقع وشاهده الملايين من خلال مقطع فيديو آخر معروض على موقع "يوتيوب"، عندما غالب قطيع من الجاموس خوفه الغريزي واستجمع قواه لاستنقاذ عجل صغير من بين براثن وأنياب ست لبؤات.

تبدأ مشاهد هذه القصة رتيبة مملة، فمن بعيد تلتقط كاميرا فيديو سائح سافاري في أرض للصيد بجنوب أفريقيا تدعى "Kruger Park" قطيعا للجاموس البري أكثره يرعى على ضفة نهر، وبعضه راح يتهادى في تؤدة نحو مورده للشرب، وبعد ثوان ما يلبث أن ينفصل عن باقي شعب الجاموس فحل ضخم على مقربة أنثى يتبعها صغيرها، ويتقدموا مبتعدين في اتجاه المكان المنخفض من جانب النهر ليكون أكثر ملاءمة لينهلوا من مائه، متجهين من يسار كادر الكاميرا إلى يمينيها.
وعلى مبعدة تنتقل الكاميرا صوب يمين الكادر لتكشف لنا عن طغمة من إناث السباع تنتظر مقدم الجاموس، فهذه القوى العظمى كانت تترصد هذا الشعب المسالم عند المياه، شريان الحياة بالنسبة له، وهي تقريبا كل ثروته في بيئة تبدو قاسية للغاية.

وتمر بضع ثوان قبل أن يقترب الفحل المتقدم على ضفة النهر ذاهبا متجها لمورده كالمعتاد، وفجأة أخذته الصدمة والدهشة لما وجد نفسه وجها لوجه مع 6 لبؤات، فتحير لوهلة ثم لم يلبث أن نكص على عقبيه وأطلق سوقه للريح مستجيبا لخوفه الغريزي. كانت حركة الكاميرا من يمين الكادر إلى يساره.
هذه الوقفة بالمقارنة مع وقفة أخرى في نهاية المقطع ذات دلالة ومغزى عميقين؛ فشتان بين الوقفتين؛ ففي الوقفة الأولى لم يدرك ذلك الفحل البائس أن وزنه الضخم وقوته كفيلة بمواجهة اللبؤات الست مجتمعة، وأن الله لم يتركه خلوا من أي بأس، ولم يع أن الخالق لم يدعه عاطلا من أية أسلحة تقليدية أو غير تقليدية، ونسي أن قرنيه يكفيانه مؤونة المعركة إن وقعت، وكل ما تذكره أنهن ضوار ذوات أنياب ومخالب ولهن انقضاض مريع، فأنى لفرد واحد من شعب مسالم كائنا من كان أن يقف في وجه هذه الطغمة العاتية من القوى العظمى التي تتسلح بأسلحة فتاكة؛ ولكن الفرار هنا غريزي، عكس "الفرار الإستراتيجي".
ومن بعد الفحل ولت الأنثى هي الأخرى هاربة مغلبة مبدأ "نفسي نفسي" ناسية صغيرها في محاولة منها لإدراك حياتها، وبدأت الأحداث في السخونة بعض الشيء حيث انطلقت اللبؤات الست صوب أضعف حلقة في السلسلة (العجل الصغير) وتجاوزت بسرعتها التي تزيد عن 60كم في الساعة الفحل والأنثى، واستطاعت إحداهن أن تنقض على الصغير ويسقط منها في ماء النهر، وتسارعت باقي اللبؤات لنشل الصغير الذي حاول فكاكا فلم يفلح.

وما كادت اللبؤات أن تنجح حتى تدخل
"قطب آخر" في الصراع في محاولة لنيل نصيبه من الغنيمة مستغلا في ذلك نفوذه؛ إذ أطبق تمساح ضخم بأنيابه على رجل العجل، معتبرا أن العجل من حقه؛ فالماء منطقة نفوذه، ولئن كانت السيادة البرية للبؤات فإن الغلبة المائية للتمساح.
أجفلت اللبؤات عن مواجهة التمساح، وخرجن من الماء سراعا واكتفين بجرجرة العجل بإنشاب أنيابهن ومخالبهن في نصفه الأعلى، وحاول التمساح أكثر من مرة سحب العجل لمنطقة نفوذه ولم يفلح. لكن وجود أكثر من قطب عالمي متصارع عطل عملية الافتراس.
وأخيرا أخرجت اللبؤات العجل من الماء وتكأكأن على الفريسة بعد عودة سيطرة
"القطب الواحد"، وما هي إلى هنيهة لالتقاط الأنفاس، فما كدن يشرعن في الإجهاز على الضحية للبدء في التهامها، حتى ظهر مشهد غريب من على يسار الكادر، ووصلت الأحداث إلى ذروتها، واشتد لهيب المشاهد.

تكاتف سائر
"شعب الجاموس" وخلع ثوب الخنوع والاستسلام.. جنبا لجنبا يتقدم من يسار الكادر إلى يمينه أقوى فحول الجاموس يتبعه الأضعف ثم الإناث، متجهين حيث اجتمعت اللبؤات على العجل الصغير. فتدافع
"الأقطاب العظمى" المتصارعة؛ اللبؤات والتمساح، هو الذي أرجأ الإجهاز على الصغير، وأعطى الفرصة لشعب الجاموس أن يتلقط أنفاسه المبهورة هلعا، ويقرر ماذا هو فاعل.
راجع الشعب الخنوع موقفه فلم يجد مبررا للاستسلام وقبول هذه السطوة، نفض الجاموس غبار الانهزامية وشكل نصف دائرة حول اللبؤات وعلى خوف ووجل راح يضيق الدائرة. أحست اللبؤات بالخطر يتهددها، منذ متى والشعوب المغلوبة على أمرها تناطح الكبار الأقوياء. بدأ أقوى الجواميس كـ"طليعة قيادية" في الاقتراب من اللبؤات رافعا خواره وقام بنطحها، ثم تابعه ثان بنفس الهجوم، وتوالى الهجوم؛ حتى إن أحد الجواميس لم يعبأ بتكشيرات اللبؤات الكاشفة عن أنياب جبارة وأسلحة غير تقليدية، ولم يكترث بزئيرها المرعب، ورأى أن هذه القوى العظمى ليست منيعة للحد الذي كان يتصور وتذكر أنه قوي فانقض في هجوم خاطف، ونطح لبؤة نطحة قوية رفعها بها في الهواء وسقطت على الأرض وقامت مسرعة، مولية الأدبار وواصل الفحل الذي أدركته الشجاعة الهجوم وتملكته الحمية فراح يطارد اللبؤة، وأخيرا استنقذ الشعب الذي كان خوارا ما استلب منه، ونهض العجل الصغير متشبسًا بالحياة عائدًا لأحضان القطيع فيما يشبه المعجزة.
ولم يقنع شعب الجاموس بذلك، وتوالت المطاردات لمسافات ليست بالقليلة. فراحت فحول وإناث الجاموس بعدما تشجعت هي الأخرى تطارد اللبؤات يمنة ويسرة.
راحت الكاميرا لاهثة تلاحق هذه المطاردات مرة تتجه إلى يمين الكادر حيث يطارد فحل لبؤة، ثم تنتقل في اتجاه اليسار حيث تهاجم بعض الإناث لبؤتين أخريين، ثم تعود لليمين حيث يطارد الفحول لبؤة أخرى.
هذا النضال الملحمي أكسب المقطع شعبية هائلة وصار حديث الساعة، حتى ناهز عدد مشاهديه حتى وقت كتابة هذه السطور نحو 12 مليون مشاهد، ومثلما استطاع اجتذاب أعداد غفيرة من المشاهدين تمكن من حصد عدد كبير من المعلقين والتعليقات حتى علق أكثر من واحد مقررا أن الاتحاد قوة غالبة.
وما أجمل مشهد القطيع المتكاتف المتحد المتعاضد الملتف حول لبؤتين تجمدتا في مكانهما ولاذتا بالتكشير عن أنيابهما والهسيس والبخ في وجوه الجواميس، وهو تقليد غريزي لما تفعله الأفاعي؛ أي الفحيح ثم بصق السم في أعين الحيوان الذي يهاجمها، والمعلوم أن كافة الحيوانات لديها خوف غريزي من الأفاعي وهي تعلم تماماً أن أي تعامل خاطئ لها مع أفعى سامة قد يكون غير مأمون العواقب بالمرة؛ لذلك فإن القط يتبع نفس الأسلوب في مواجهة كلب مثلاً يفوقه في الحجم والوزن، فليس الهروب من الكلب حلاً جيداً في جميع الحالات وبالتالي فإن القط يستلهم نفس أسلوب الأفعى في الدفاع عن نفسه فيبدأ في إصدار صوت مشابه تماماً
لصوت الأفعى ( Hissing ) وهذا الصوت يثير الخوف الغريزي لدى الكلب من الثعابين فإذا لم ينصرف الكلب بعيدا فإن القط يبدأ في
البصق المفاجئ ( spitting ) في وجهه؛ وهو ما يصيب الكلب بالذعر؛ حيث إنه يتصور أن لعاب القط سام وسيصيبه حتما بالعمى المؤقت!!
لم تجد اللبؤتان سوى هذا الأسلوب في إرهاب الجواميس المتحفزة.. ربما تطنطن القوى العظمى وتستعرض قوتها، لكن المشكلة تكمن فيمن ينخدع بهذه الطنطنة!
ربما لو تصدى الفحل الأول للبؤات لكان شيئا مثيرا حقا، ولكن الفر ثم الكر بلغ بالأحداث ذروة الإثارة، صحيح أن الفحل المتقدم ومن خلفه ولوا هربا في بداية الأمر، فذاك الفحل فر عندما وجد نفسه في مواجهة ضاريات الأسد، وما هذا إلا استجابة لغريزته، لكنه هو هو وغيره عادوا وقاتلوا وناضلوا حتى استخلصوا العجل الصغير، حدث ذلك فقط عندما غالبوا الجبن والخور وغلبوا الخوف غير المبرر فالنضال كشف عن قوتهم الحقيقة.
وأجمل ما في المقطع نهايته؛ فحل جاموس
"الطليعي" يطارد لبؤة لمسافة طويلة جدا؛ حتى إنه انفصل بعيدا عن باقي القطيع، لكن حميته لم تهن، وشجاعته لم تفتر ولم يرعه مثلما راع الأول أنه وحده في مواجهة هذه القوة الباطشة، ولم يكتف بإقصائها بعيدًا بل تابع مطاردتها وانضم إليه آخر. ولسان حاله -إن كان للحال لسان- يقول "إياك والاقتراب.. لم أعد أخاف منك.. أنا قوي مثلما أنت قوية".
بون شاسع بين وقفة النهاية هذه ووقفة البداية، أدرك الفحل مثل غيره من الجواميس أن له بأسا وأن له صولة وطولا، وعى الدرس وعرف أن الأسلحة التقليدية أو غير التقليدية يمكن التغلب عليها، أدرك أن القوى العظمى هي عظمى أساسًا لأنهم هم الجواميس صدقوا ذلك.. وعت الجواميس الدرس فهلا وعته الـ...؟؟
المشهد المسموع: الرأي العام لبني إنسان
أخيرا، فريق السائحين الذي قام بتصور المعركة ومعهم مرشدهم، تستمع إلى تعاطفهم الشديد مع العجل الصغير خاصة وشعب الجاموس عامة، واستغاثتهم إلى الله أن ينقذه ولكنهم لم يفعلوا شيئًا سوى نقل المعركة إلى ضمير الإنسان؛ فـ"الرأي العام العالمي" صور ونقل وتعاطف وابتهل، أما "شعب الجاموس" فهو من ناضل وفعل.
منقول عن شبكة إسلام أون لاين