جيل ليبوفتسكي يدرس المجتمعات الإستهلاكية بكتابة الجديد
المجتمعات تختلف طباعها من مكان لآخر، فهناك مجتمعات إستهلاكية، وأخري منتجة، فطبيعة المكان والشعوب هي التي تفرض تلك السمات على قاطني تلك المجتمعات.
وفي كتابة الجديد "السعادة المتناقضة" يخص جيل ليبوفتسكي بالدراسة دائما المجتمعات ذات النزعة الاستهلاكية المتطرفة وذات الإيديولوجية الليبرالية الجديدة، وهو يؤكد أن هذه المجتمعات قد "دخلت في مرحلة جديدة من الرأسمالية" ويسميها "مرحلة الاستهلاك العالي" أو "مجتمعات الإفراط في الاستهلاك".
ووفقاً لجريدة البيان يقوم المؤلف في القسم الأول من هذا الكتاب الصادر عن دار جاليمار ـ باريس في 390 صفحة من القطع المتوسط بعملية توصيف دقيقة للمجتمع الفرنسي القائم عبر رسم "لوحة عيانية" لواقعة؛ وعلى أساس هذا التوصيف، بل ربما على خلفية الانطلاق من هذه القاعدة، يعطيه تسمية "مجتمع الإفراط في الاستهلاك"، وذلك على اعتبار أن الرأسمالية الحالية، رأسمالية مطلع القرن الحادي والعشرين، قد شكّلت نوعا من القطيعة الحقيقية مع "الرأسمالية" السابقة التي كانت في حالة نزاع "بقاء واستمرارية" مع الاشتراكية في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي الذي استمر قرابة سبعة عقود من الزمن.
ويرى المؤلف -وفقاً للبيان- أن رأسمالية مطلع القرن الحادي والعشرين تستطيع أن تقوم بإنتاج سلاسل منتوجات شديدة التنوع، بفضل استخدام التقنيات الجديدة التي جاءت ثمرة للثورة الرقمية، وضمن هذا السياق تراجع تدريجيا الإنتاج بكميات كبيرة ـ الإنتاج الجماهيري ـ لنوع من "التجزئة الكبيرة" للأسواق، أو ما يسميه المؤلف: "الإنتاج حسب القياس لجمهور معيّن" و"انتشار التنوع".
وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية في هذا الكتاب بالقول إن "حداثة جديدة قد وُلدت"، وهي تتزامن مع ما يسميه المؤلف ب"حضارة الرغبة" التي كانت قد بدأت بتعزيز أركانها الأولى منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وقد مثّلت نوعا من "الثورة" التي لا تنفصل عن التوجهات الجديدة للرأسمالية الرامية إلى التنشيط المستمر للطلب وصبغ مفهوم السلعة على كل شيء، إنها رأسمالية "الاستهلاك" التي طغت على "رأسمالية الإنتاج".
ويركّز المؤلف على استخدام تعبير "التضخّم المخيّب للآمال" كي يواجهه فيما كانت تعرفه المجتمعات المسماة ب"التقليدية". تلك المجتمعات كانت تقوم بعملية "تأطير صارمة للرغبات وللتطلعات الفردية" مما ترتب عليه نجاحه في "الحد من ضخامة خيبات الأمل". لكن المجتمع "الجديد" وعندما "وعد بالسعادة" وبعيش جميع أنواع المتع في "زاوية الشارع"، إنما وضع الحياة اليومية للبشر "أمام امتحان صعب".
ويبيّن المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب كيف أن التقاليد نفسها أصبحت وسيلة لـ "تأكيد الذات" الفردية أكثر مما هي رغبة "المحافظة على عادات الجدود"، المثال الذي يقدمه على مثل هذه المقولة هو "الكيوبيك" في كندا حيث لا يزال "الكيوبيكيون" يقولون بانتمائهم إلى ثقافة خاصة ويطالبون بموقع خاص للغة الفرنسية ـ كان الجنرال شارل ديغول قد أطلق صيحته الشهيرة "عاشت كيوبيك الحرّة"، وإذا كان هذا ينمّ عن رغبة ما بالمحافظة على التقاليد فإنما هي "رغبة مشوبة بالنزعة الفردية".
المصدر: محيط الأخباري