دراسة أنثروبولوجية ميدانية تحوي أدق تفاصيل حياة الغجر
ظل ينفق من عمره ما يقارب العقدين من السنين في ترصد ودراسة حياة النور في بلاد الشام، ليخرج -علي الجباوي أستاذ الانتربولوجيا في جامعة دمشق -بدراسة أنتروبولوجية ميدانية صدرت في كتاب عن دار التكوين بدمشق مؤخرا، بعنوان (عشائر النور في بلاد الشام) , ولتعد هي الكتاب الثالث الذي تصدره الدار عن حياة الغجر في الفترة الأخيرة، بعد (سيرة الغجر وأغاني الغجر) .
هؤلاء - وفقا لعلي الراعي بتشرين -هم من يعيشون ليومهم فقط.. ولا همَّ في «خرابيشهم» ولا كدر، يفرحون دائما.. ويحزنون بصدق عند وفاة أحد منهم، فالموت هو الوحيد الذي يرعبهم ويجعلهم يرتحلون.. بل ويغيرون اسماءهم خوفا من أن تتعرف عليهم روح الميت.. فكل بقاع العالم اوطانهم .
في بلدان العالم كلها، هم في قطيعة تامة، وطلاق لا رجعة فيه لأرضهم التاريخية، التي عاش فيها اجدادهم ضمن مجتمع فئوي تراتبي قاس، تعددت اسماؤهم وفي في بلاد الشام فقط: النور، القرباط، القرج، الطبالة، الرياس، الحجيات، البهلوان، الشعار، الصياغ، المبيضون، و.. تجار الحمير والخيول..!!
ورغم هذا التعدد فالحياة في تفاصيلها هي واحدة لديهم في كل مكان يعيشون فيه، بعد ان غادروا بلادهم التاريخية «الهند» منذ زمن سحيق الى غير رجعة، دون ان يعرفوا متى كان ذلك، ولا كيف تم... أو لماذا؟!!
اعتقد البعض انهم وفدوا من بلاد ما بين النهرين وادعى البعض الآخر أنهم جاءوا من مصر، من النوبة، أو اثيوبيا، وتعددت اساطير منشئهم، وحتى أميط اللثام عن هذا اللغز الاثنوغرافي ـ التاريخي: الموطن الأصلي للغجر هو الهند...!!
فيما بينهم فهم يتحدثون بلغتهم ـ لسان العصفورة ـ بأصوات عالية، وكأنهم في شجار، و ترجع هذه التسمية الى طائر صغير الحجم في شكله، غريب في سلوكه، والذي يعرف بطائر السينغل، وهو يعيش دون مأوى «عش» وقد اتخذ منه النّور شعارا لكثير من تصرفاتهم.
ويطلق أهل الشام على جماعات النور تسميات متعددة، بغض النظر عن المهن التي يزاولونها، لأن الأخيرة تعطيهم اسماء مغايرة ايضا، وهم في حلب لهم تسمية محلية هي القرباط، ومهنتهم صناعة الغرابيل، وفي الساحل يسمون المطاربة، وتعود لمهنة الغناء، وفي الحسكة القرج، وفي غوطة دمشق الرّياس لمهنتهم التي يزاولها الرجال بالضرب على الطبل والزمر، وفي منطقة الفرات والتجارة وحي تشرين وبرزة في دمشق فيلقبون بالحجيات، وتأتي من رقص النساء، والنور في جنوب سورية والأردن ولبنان والقرج في العراق.
وفي عرفهم انه إذا سرق فقير من غني فهو حلال، وإذا سرق نوري من شخص أفقر منه فهذه جريمة، لا يتزوج افراد كل فئة إلا من عشائر فئتهم نفسها بالمهنة، ويدينون في الشام بالإسلام ولا يلتزمون به، إلا بعادتي ختان الذكور واجتناب المحرمات من النساء ويسود عندهم زواج البدل أو «الداقيش» , ويفرحون جميعهم لولادة البنت.
المصدر: محيط الأخباري