مناقشة موضوع المتنبي في شخصية و تاريخ; ولادته في ذلك العصر الذي انقسمت فيه الدولة العربية على نفسها فطمع بها الأعداء ، وراحوا ينالون منها، وفسدت الحياة الاجتماعية ،فظهر المتنبئون الكاذبون ، وانهارت القيم الخلقية ، فلم يعد قول للصدق ،ولا مكا ...
في ذلك العصر الذي انقسمت فيه الدولة العربية على نفسها فطمع بها الأعداء ، وراحوا ينالون منها، وفسدت الحياة الاجتماعية ،فظهر المتنبئون الكاذبون ، وانهارت القيم الخلقية ، فلم يعد قول للصدق ،ولا مكان للأمانة ، ولا تسامح، وباتت المرأة والفتى يباعان مثل الغلال ، في ذلك العصر الذي نشطت فيه الحياة الأدبية ، وفي مدينة الكوفة ، تلك التي تتعرض لغزوات القرامطة والحزازات بين أهلها، ولد شاعرنا مقبلا ليبصر هذه الدنيا في سنة 303 هـ 915 م واسمه "أحمد بن الحسين بن عبد الله الصمد الجعفي ، وفتح عينية على الدنيا في "كنده وهو حي في الكوفة نزع اليها المهاجرون العرب من أصل يماني من كندة وحمل من ذلك الحي في شبابه ذكريات لم تفارقه:
أمنسي السكون وحضرموت *** ووالدتي وكندة والسبيعا
ويقول في هذا الحي :
فلا عجب إذا الشعرا تغنّوا *** بها وبمثلها الكنديّ قالا
بدت قمرا ومالت خَوطَ بان *** وفاحت عنبرا ورنت غزالا
نسبه
لقد أوقع المتنبي الباحثين في حيرة فلم يكد أحد يعرف نسبه الحقيقي كأنما حياته هي سر من الأسرار التي يجب ألا يعرفها غيره ،فلم يصرح بها في شعره ، فيقول طه حسين "أن سرا من الأسرار يكتنف حياته ويحيط بأسرته .... وإنّ مولده كان شاذاً ، وقد أدرك هذا الشذوذ فتأثر به في سيرته كلها " ... وقد علل بعضهم هذا الكتمان إلى ضعة نسبه ، وعلله بعضهم الآخر إلى كون المتنبي واحدا من أولئك الذين كانوا يجوبون البلاد والأمصار وحدهم فهو معرض للأذى إن انتسب إلى قبيلة ، قد يكون بينها وبين القبيلة التي يمر بها عداء ،فيأخذونه بطائلة قبيلته ،وما دام لم ينتسب لأية قبيلة فهو يأمن الجميع ، بل أن الجميع يخافونه .ويقال أن والده كان ينقل الماء إلى الناس لقاء أجر ضعيف فعرف باسم "عبدان السقا "، وقد راح خصوم المتنبي يسخرون منه لصنعة والده هذه .. ونحن نرى المتنبي في بعض قصائده يرد على من كان يهزأ منه كون والده فقيرا ، ليس له ذلك الحسب والنسب الذي يفاخر به بين الناس فيقول أنه فوق أبي كل من يحاول البحث عن نسبه - أي نسب المتنبي - ويقول مفاخرا بنفسه أنه بعض من والده :
أنا من بعضه يفوق أبا البا *** حث والنجل بعض من نجله
ويعتبر أنّ له الحق في أن يفاخر بقومه فيقول :
وإني لمن قوم كأن نفوسهم *** بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
وإن كان المؤرخون قد أجمعوا على اسمه ولقبه ونسبه ، إلا أنهم اختلفوا في اسم أمه وأبيه وأجداده ، وفي عقائده السياسية والدينية فعلى الرغم من أن أكثر الباحثين يقولون بأن اسم والده عبدان السقا نرى بعضهم يقول أن اسمه محمد ، والآخر حسين ،كما أوردنا في اسمه ، كما ويشك في أصل والدته ولا يعرف إن كانت عربية أمْ عجمية ،وهذا الصمت من قبل المتنبي نفسه عن أسماء والديه وأجداده ، وإن كان قد خلصه من مآزق كان معرضا للوقوع فيها ،وعواقب كانت تنتظره من قبل قبائل أخرى ، فهو لم يخلصه من التقولات التي كانت تنفق عليه دون حساب ،فراحوا يعتبرونه تارة قرمطيا جاء ينشر دعوة القرامطة في الكوفة وبغداد ، ومن زاعم أنه قحطاني الخ.. ولم يرث المتنبي والده حين وفاته ،وهذا يؤيد الرأي القائل بضع نسبه ،ولم يكن له في رثاء والدته شيئا،والراجح أن سبب ذلك هو وفاتها عندما كان لا يزال طفلا .
مقتله
لما كان في بلاد فارس دعاه أبو العباس الصاحب بن عباد لزيارته في أصفهان ليمدحه كما مدح غيره من الملوك ،وضمن له نصف ما يملك من مال ، ولكن المتنبي لم يقم وزنا لذلك وأهمل طلبه ،بل ربما سخر منه مما جعل الصاحب " يتسقط مثالبه في شعره "ولما خرج من شيراز لم يصطحب معه حراسا له اعتداداً منه بنفسه ،وفي الطريق قرب النعمانية خرجت عليه سرية على رأسها فاتك بن جبل الأسدي وكان بينه وبين المتنبي عداوة شديدة بسبب هجاء هذا الأخير لخال فاتك هجاء مقذعا بالبائية التي ابتدأها بقوله :
ما أنصف القوم ضبة *** وأمه الطرطبَّة
ودارت بينهما معركة أبلى فيها المتنبي بلاء حسنا .لكن الكثرة تغلب الشجاعة . وأسقط في يد المتنبي وأيقن بالهلاك إذا استمر في القتال ،لذلك قرر إنقاذ نفسه وأركن إلى الفرار . وعز ذلك على غلامه وراوية شعره فصرخ فيه قائلا ويح نفسي ! ألست القائل :
وشعر المتنبي بالخجل لقول غلامه هذا . وفضل الموت على التنصل من شعره وعاد إلى القوم وبقي يقاتلهم حتى سقط قتيلا ...
وهكذا سقط هذا الشاعر مع ابنه محشد وغلامه مفلح قتلى ، وسلبت أموالهم وما كانوا يحملونه من هدايا ،ولم يبق سوى ليلتين لانتهاء شهر رمضان المبارك سنة 354 هـ ـ