يطيب للمؤرخين كتابة تاريخ المعارك وما بُذل فيها من دماء ، دونما خوض في أحوال القلوب التي بَذلت أرواحها وسالت دماؤها ، ولهم في ذلك عذر ؛ لأن التاريخ يبحث في الوقائع والأحداث ، وقلما يجد من دليل أو رواية صادقة عن أحوال المشاركين فيها ؛ ويرجع ذلك إلى أن الوقائع هي التي أشهرت أسماءهم ؛ لذا فلم يهتم أحد بأحوالهم قبلها ، ولكن القرآن علمنا أن أعمال القلوب هي الأصل في أعمال الجوارح ، وهذا هو معنى الإيمان ، ومن هنا ستكون مسيرتنا مع هذا البطل محاولة لإظهار جهاده القلبي ، في مواجهة الإغراء الدنيوي ، أو الانقياد وراء ضلالة شيخه الصوفي ، وأثر ذلك على جهاده القتالي ، حتى حاز بفضل من الله الشهادة في سبيله .
هو ... عمر بن المختار بن فرحات من عائلة غيث ، وفرحات قبيلة من بريدان أحد بطون قبيلة المنفة ، وأمه هي عائشة بنت محارب ، وقد ولد - حسب روايته - بعد وفاة السيد محمد بن علي السنوسي الذي توفي عام 1859م /1276هـ ، وعلى ذلك تكون ولادته في حدود عام 1861م وعام 1862م ، وقد كان والده - رغم قلة المعلومات عنه - مشهورا بشجاعته في القتال وإقدامه ، بالإضافة إلى مكانته بين قومه ، وقد عهد الوالد بولده إلى السيد حسن الغرياني شيخ زاوية جنزور ( التابعة للطريقة السنوسية ) لتربيته وتحفيظه القرآن ، وعند وفاة الوالد عام 1878 في رحلة الحج أوصى من حوله بأن يرعى هذا الشيخ أولاده من بعده ، فقام الشيخ بما عهد إليه خير قيام ، فقام بإرسال عمر وهو ابن 16 عاما إلى معهد زاوية الجغبوب مع أولاده ؛ ليتعلم في هذا المعهد السنوسي كافة العلوم الشرعية ، فتلقى القرآن وعلومه على يد الشيخ الزروالي المغربي ، ودرس على سائر مشايخ المعهد مجموعة من العلوم الشرعية وغيرها ، وقد كان نهج التعليم في المعهد أن يقوم الدارس بأداء بعض المهن اليدوية مثل : النجارة والحدادة ، وقد تميز عمر المختار في هذه الحرف وفي ركوب الخيل على سائر إخوانه بالمعهد ، وتميز أيضًا بشخصيته القيادية واتزان كلامه وجاذبيته ، مع تواضع وبساطته ، وقد ساعدت صفاته على توسيع دائرة اتصالاته واكتساب حب وتقدير كل من تعامل معه من خلال المهام الكثيرة التي قام بها ، وقد انقطع عمر المختار عن مواصلة تعليمه حوالي سنة 1886 ، وذلك بسبب إحساسه بأن وطنه وقومه في حاجة إلى عمله وجهاده .
صفاته ومكانته
صقلت الأيام صفات عمر المختار السالفة الذكر من تواضع وبساطة مع شخصية قيادية متزنة ، وسوف تدفع به خصاله لتقدم الصفوف في طريقته السنوسية ، وكان من إعجاب السيد المهدي السنوسي - شيخ السنوسية في هذا الوقت- أن قال : " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم " .
وليتضح للقارئ الواقع العملي لصفات الرجل سنورد قصتين عنه :
الأولى ( وهي رواية شاهد عيان ) : وتتلخص في أنه في عام 1311هـ /1894م تقرر سفر السيد عمر المختار مع آخرين إلى السودان في مهمة كلفه بها شيخه ، وقد كان عمر هو رأس الوفد ، وقد وجدوا قافلة تجارية تتأهب للخروج من الكفرة إلى السودان ، فقرر الوفد مرافقة القافلة لعلم التجار بطرق الصحراء وخبرتهم بها ، وعند وصولهم مع القافلة لمكان في الطريق توقفت وأشار أحد التجار على أفراد القافلة أن المنفذ الوحيد في هذه المنطقة الوعرة عادة يقف على مشارفه أسد مفترس ، وقد استقر عرف القوافل على أن يشترك أهل القافلة في ثمن بعير هزيل يتركونه للأسد حال خروجه ، فرفض عمر المختار الاقتراح بشدة ، وقال : " إن الإتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف بدون حق أُبطلت ، فكيف يصح أن نعيدها لحيوان ؟!
إنها علامة ذل وهوان ، والله لندفعنه بسلاحنا " ، وأصر على رأيه ، وتقدمت القافلة ، وخرج الأسد على مطلع الطريق ، فتقدم عمر المختار بفرسه وسلاحه إليه فأصابه في غير مقتل ، واستمر في تقدمه إليه - رغم خطورة التعرض لأسد مصاب - فقتله في طلقته الثانية ، وأصر عمر المختار على أن يسلخ جلده ويعلقه على مدخل هذا الطريق ليشاهده المارة من القوافل .
وقد منع عمر المختار في أحد المجالس أن تروى هذه القصة قائلاً : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " .
والثانية : ( وهي رواية شاهد عيان أيضًا ) يذكر محمود الجهمي - صاحب عمر المختار في جهاده - أنه ما كان ينام ليلة حتى الصباح ، ما كان ينام إلا ساعتين أو ثلاثا ثم يقوم فيتوضأ ويبدأ في تلاوة القرآن حتى الصباح ، وكان لا يزيد عن سبع يختم فيهم القرآن .
وقد استخدمه شيخه كثيرًا في مهام المصالحة بين القبائل وفض النزاعات ، ولم يحدث أن فشل في مهمة كلف بها ، مما ساعده على توطيد مركزه وسمعته بين القبائل ، وفي نفس الوقت جعله مدركًا بشؤون القبائل وأحوالها وأحداثها .
وقد ذكرنا من قبل أنه انقطع عن الدراسة في عام 1886م ؛ إذ إن البلاد المجاورة كلها قد وقعت تحت الاحتلال الأجنبي ، مصر والسودان تحت الاحتلال الإنجليزي ، وتونس والجزائر تحت الاحتلال الفرنسي ، مما يعني أن ليبيا هي البقعة الوحيدة التي بقت من الدولة العثمانية التي لم تخضع بعد لأجنبي ، وقد بدأت إرهاصات الزحف الإيطالي في هذه الفترة ، وقد تم تكليفه بالقيام بأعمال شيخ زاوية القصور السنوسية عام 1895م ، وهي تابعة لقبيلة العبيد بمنطقة الجبل الأخضر ( موطن المقاومة الليبية ، ومعقل السيد عمر المختار في مواجهة الإيطاليين بعد ذلك ) ، وقد اشترك عمر المختار مع قوة مكلفة من شيخ السنوسية في مقاومة الاستعمار الفرنسي في وسط إفريقيا ، وقد ساعدت هذه الأحداث عام 1899م على صعود نجم عمر المختار على المسرح السياسي والعسكري ، وكذلك داخل منظومة الطريقة السنوسية ، وساعد على ذلك أن الشيخ محمد المهدي شيخ السنوسية نقل مقره عن الكفرة إلى قرو بالمنطقة الوسطى من إفريقيا عام 1899م .
في هذه الأوقات كانت القوى الاستعمارية تقسم العالم فيما بينها فنرى إفريقيا التي كان 95% منها مستقلة عام 1885، يصبح 8% منها فقط خارج المناطق الاستعمارية في عام 1910 ، وفي هذا الزحف الاستعماري تعرض أتباع السنوسية ومراكزهم ( الزوايا البيضاء ) لهجوم القوات الغازية ، وذلك لحملهم لواء الجهاد ونشر الإسلام في آن واحد في مواجهة الغزو التنصيري الاستعماري على إفريقيا ، وقد تولى مشيخة الطريقة عام 1902 الشيخ أحمد الشريف السنوسي بعد وفاة محمد المهدي ، وقد قام الشيخ الجديد باستدعاء السيد عمر المختار لتولي زاوية القصور مرة ثانية عام 1906م بعد تفاقم النزاعات بمنطقة الجبل الأخضر ، وزيادة الضغوط الاستعمارية الإيطالية .
وفي 19 من أكتوبر 1911م وصل خبر بدأ الغزو الإيطالي لليبيا إلى مشايخ السنوسية ، وقد كان عمر المختار في جالو بطريق عودته من الكفرة ( بعد اجتماع مع شيخه السيد أحمد الشريف الذي استقر ثانية بالكفرة ) ، ويعلن شيخ الطريقة في نداء عام الجهاد من أجل صدّ العدوان ودفع الغاصب ، وتنظيم الصفوف ؛ وبالفعل تحققت الانتصارات على العدو الإيطالي ، وأراد الطليان أن ينتقموا من الليبيين العزل ، وتولدت فكرة شيطانية ؛ ألا وهي عقد صلح مع إيطالية والرضا باحتلالهم لجزء من الأرض ، وذلك بحجة قوة العدو ، وكذلك قدرته على تطوير الأوضاع الزراعية والصناعية في ليبيا ، ولكن استمرت المقاومة ، وحتى وصلت هذه الفكرة إلى رأس أحد مشايخ الطريقة السنوسية ، فعقد اتفاقاً تمهيدياً معهم ، وحدث خلاف بين أبناء العم السنوسيين ، وخطورة هذا الخلاف أن الدولة العثمانية قد تركت الأمر كله وانسحبت من ليبيا ، وأصبح الأمر بيد أبناء ليبيا ، ومن هنا كانت خطورة الخلاف ، وقد اختار شيخ الطريقة حسم الخلاف بأن ينسحب ويترك مشيخة الطريقة للسيد إدريس السنوسي ، وهو الذي بدأ مفاوضات الصلح مع إيطاليا ، وقد تسلم السيد إدريس المشيخة عام 1917م .
المـحـنـة
كانت محنة السيد عمر المختار هو انتقال المشيخة في الطريقة السنوسية إلى السيد إدريس السنوسي ، والسيد إدريس يرى أن تسليم جزء من الوطن للمحتل جائز ، بل يرى أن يتسلم هو وزعماء الطريقة مرتبات شهرية من إيطاليا ، بالإضافة إلى منازل معدة لهم ، وأراضٍ زراعية معفاة من أي ضرائب ، خلاصة الأمر هو قبول رشوة مقابل التنازل عن جزء من الوطن ، فماذا يكون موقف المريد عمر المختار وزملائه ؟
اجتمع زعماء القبائل ومشايخ الطريقة ، وقدموا وثيقة في غاية الخطورة إلى السيد إدريس ، يقومون فيها بمبايعته قائداً وشيخاً وأميرًا لهم ، ولكن في هذه الوثيقة يحددون هدف المبايعة ، ألا وهو قيادتهم في الجهاد ضد الغزاة ، ولم يجد إدريس السنوسي مفراً من القبول الشكلي للبيعة ، وتجتمع جموع المجاهدين في عام 1922م ، فماذا يفعل السيد إدريس وهو قد وقّع بالفعل على وثيقة صلح مع إيطاليا ، فما كان منه أن رحل إلى مصر في اليوم التالي لقبوله البيعة ؛ مدعياً المرض وحاجته للعلاج !
فتوجه إليه السيد عمر المختار وبعض صحبه ، فلم يجدوا في شيخهم علة جسدية ، وأرادوا منه أضعف الإيمان أن يمدهم بالمال والسلاح فلم يجدوا منه جواباً ، فأعلنوا موقفهم الإيماني والجهادي الصريح ، إن ضل الشيخ فهذا ليس لنا بحجة أمام الله ، وأن الجهاد فرض علينا ، وأننا سنمضي في جهادنا للأعداء ، غير متعرضين لمن خذلنا ، ومن ثم تقدم عمر المختار الصفوف ليقود حركة الجهاد من عام 1922 ، ويتكرر الموقف مرة ثانية ؛ إذ يأتي أحد أبناء السنوسية ، وهو رضا هلال السنوسي ليكرر هذه الفتنة بين المجاهدين ( بعد عام واحد من فتنة إدريس السنوسي ) إذ يعلن اتفاقه مع إيطاليا على أن يلقى السنوسيون السلاح ، بل يبالغ في إعلان هذا الاتفاق ويضع بيده الصليب على قبر جده مؤسس الطريقة السنوسية .
ويعلن عمر المختار وصحبه أنهم لن يضعوا سلاحهم ، ولكنهم لن يتعرضوا لمن أراد ذلك ، وينتهي أمر هذا الهلال إلى أن تقبض عليه إيطاليا بعد فشله في وقف الجهاد ونفيه إلى إيطاليا ، وتتكرر المأساة على يد الحسن بن رضا السنوسي وذلك أثناء مفاوضات عمر المختار مع إيطاليا ، إذ يذهب الحسن بشروط المجاهدين إلى الطليان ، ويعود بشروط ما هي إلا استسلام المجاهدين للطليان مقابل بعض المال للحسن ، وبعض المال لقادة المجاهدين ، فيقول له عمر المختار : " لقد غروك يا بني بمتاع الدنيا الفاني ، وقد انتهى الحسن نهاية أبيه " .
أما محنة الإغراء فهي كانت عروضا عديدة بأموال وبيوت مريحة وأراضٍ زراعية معفاة من الضرائب للسيد عمر المختار ، وكان رده على هذه العروض كلها : " لم أكن يوماً لقمة سائغة يسهل بلعها على من يريد ، ولن يغير أحد من عقيدتي ورأيي واتجاهي ، والله سيخيب من يحاول ذلك " .
عمر المختار قائد المجاهدين
إن هذا الجانب من شخصية السيد عمر المختار قد تناولته الأقلام وترجمته شاشة السينما في عرضها لجهاد الرجل ، ولكن سنبرز هنا تنظيمه للمجاهدين .
بدأ السيد عمر المختار في الاتصال بالقبائل ، وقام بحصر عدد القادرين على الجهاد ، وبدأ يجمع هذه الأعداد معه في عملياته العسكرية ، وذلك بشكل متتابع ، وجعل لهم معسكرات يجتمعون فيها ويتدربون ، وقد عرف النظام والمعسكرات باسم الأدوار ، وقد اختلف المؤرخون في عددها بين ثلاثة أو أربعة أو أكثر ، وذلك النظام أعطى فرصة للمقاتلين في متابعة أمور حياتهم ، كما نظم أمور الفصل في الخصومات - وهو الخبير في هذا الأمر - والأمور المالية والإمداد والتموين للمجاهدين ، وكذلك عملية الاتصال بالجهات الخارجية سواء في تونس أو مصر ؛ لإمداده بالسلاح والمال اللازمين لمواصلة الجهاد ، وجعل من الجبل الأخضر معقله ، ولكن ضرباته كانت تطارد الإيطاليين في كل أرض ليبيا ، وعاش المجاهدون حياتهم مع السيد عمر بين كر وفر ، بين نصر وهزيمة ، ولكنهم لم يعرفوا معه معنى الضعف أو الاستسلام لهزيمة أو حصار من أعدائهم ، وظل كذلك حتى في أحرج اللحظات ، سواء في أثناء الفتنة الداخلية التي حرص عليها مشايخ السنوسية الطامعون في الدنيا ، وكادت تشتعل الحرب الأهلية ، فما كان منه أن أخرج مصحفه وأقسم ألا يتوقف عن قتال الإيطاليين حتى لو قاتلهم وحده ، فلا يلبث المختلفون معه أن يتوحدوا مع صف المجاهدين .
وكذلك أثناء الحصار ، ثم المحاكمة قبل إعدامه ، عندما سئل : لماذا قاتلت الدولة الإيطالية ؟
فيجيب : دفاعاً عن ديني ووطني .
ويقوم الإيطاليون بجمع القبائل لمشاهدة إعدامه ، ويسقط جسد الرجل ، وترتفع روحه إلى السماء ، وترتفع مبادئه ، وما يلبث أعداء الله إلا قليلاً حتى يسلط الله عليهم من يسقط رايتهم ، ويزيل عدوانهم عن أرض ليبيا جميعاً .
" فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما من ينفع الناس فيمكث في الأرض" .
إسلام أون لاين