مناقشة موضوع اللعب ثم اللعب ثم اللعب في ثقافة المجتمع; هاني العبد القادر قصة السيف المكسور التي سبق ذكرها في مقال : " لماذا نفشل في الحوار مع أبنائنا " فيها جانب آخر ، وهو جانب اللعب ، وهذا هو موضوع العنصر الرابع ... لا أظن أبا يوسف عندما أثار هذ ...
قصة السيف المكسور التي سبق ذكرها في مقال : " لماذا نفشل في الحوار مع أبنائنا " فيها جانب آخر ، وهو جانب اللعب ، وهذا هو موضوع العنصر الرابع ...
لا أظن أبا يوسف عندما أثار هذه الزوبعة من أجل سيف انكسر أنه يدرك الهدف أصلاً من شراء اللعبة ، وهو أن ابنه يتسلى بها ويتعلم منها ، وهذا الذي حصل ، تعلم أنه إذا ضرب قطعة بلاستيكية في الأرض الصلبة بقوة أنها تنكسر وأشبع فضول ابنه ..
لماذا الأب غضبان ؟!
والهدف قد تحقق !
قد يكون ذلك لشعوره أنه مطالب بأن يشتري أخرى ، وهذا غير صحيح فليس من الضروري شراء أخرى ، أو استهانة بالجهد الذي بذله في شراء هذه اللعبة !!
أيضاً هذا غير صحيح فالابن لا يقصد إطلاقاً أن يستهين بجهد والده ، بل يظل يقدر هذا الأمر ، ربما يكون غضباناً لقيمة اللعبة وتكلفتها ..
نقول : أنت اشتريتها لهدف ، والهدف تحقق وإذا لاحظت أن ابنك قد ملَّ من اللعبة لا تجبره بالاحتفاظ بها ؛ لأن هذا مسؤولية وَهَمّ جديد عليه ، وتتحول من لعبة تسلية ويستمتع بها ويعمل معها صداقة إلى هَمٍّ على رأسه ، فمجرد ما تراه قد انتهى منها وملّ منها ، نمِّ فيه جانب الصدقة ، قل له : ما رأيك أن نتصدق بها إلى أطفال مساكين ما عندهم ألعاب ... إلى آخره ، وتأخذه بألعابه يسلمها بيده إلى الجماعة الخيرية تُفَرّح المساكين الذين يتصدق عليهم الناس بكل شيء إلا الألعاب لا يتصدقون بها ، فنتصدق بألعاب الولد القديمة ، وحتى الجديدة لماذا لا نتصدق بها ؟!!
ونذكره بقوله تعالى : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " ( آل عمران : من الآية92 )
ونزرع فيه بذرة هذا الخلق العظيم ، وهذه العبادة العظيمة .
لماذا نظن أن اللعبة الجيدة هي الغالية ؟!
هذا غير صحيح ، فضول الولد يتوجه لكل شيء ، لذلك أشياء بسيطة جداً قد تسليه وتثير خياله وتحرك جسمه أيضاً ، بل حتى مخلفات البيت يحولها إلى ألعاب ممتعة ( خذ يا ولدي فهذا قالب بيض فارغ ضع فيه بقايا الرز واربطه بخيوط وعلقه بشجرة حتى نتفرج على العصافير وهي تقف عليه وتأكل منه ) .
الأنشطة بالنسبة للطفل إما ممتعة تستحق القيام بها أو غير ممتعة لا تستحق القيام بها ، هذا تصنيف يمشيه على كل شيء ، سواء على المذاكرة أو الأعمال المنزلية ، لذلك لو ربطنا بين الأعمال المنزلية اليومية واللعب والتسلية واستطعنا تقديمها في قالب المتعة ، سيتعلم المسؤولية ويساعد ويشارك ، مثلاً : تحديد زمن محدد لكل ابن حتى يرتب غرفته ، ( يا عيال أمامكم خمس دقائق لكل واحد يرتب فيها غرفته ) في جو من الإثارة والقبول ، يمكن الاكتفاء بالفكرة إلى هذا الحد ويمكن وضع حافز بسيط معنوي أو مادي لكل المشاركين ، وحافز إضافي لصاحب أجمل غرفة ، فيُقْبِل الابن على هذه العملية بطريقة ممتعة له .
يجب أن نكسب كل ما نريده من الأبناء برداء اللعب والمتعة كقاعدة عامة ، وهذا ما يريده الأطفال ، يريدون اللعب في المدرسة ، ويريدونه عند الطعام ، ويريدونه عند النوم ، مستواه الدراسي يرتفع إذا قدمت له المادة العلمية على شكل ألعاب مسلية ، فَهْم هذه النقطة من أسباب تألق العديد من المدرسين .
كل ما على الآباء أن ينتهزوا اهتمام الطفل بشيء ، فهو دائماً يهتم بشيء ، نعطيه الحرية لإشباع فضوله ونطلق خياله ونشاركه ، كل هذا يعكس مفهومه لحاجته في التخيل واللعب والمشاركة .
يقول الدكتور مأمون مبيض في كتابه ( أولادنا من الطفولة إلى الشباب ) : حاول ألا تكون سلبياً أمام خياله ، فإذا قال لك مثلاً عن علبة اللبن الفارغة : إنها سيارة فلا تسارع إلى تحطيم خياله ، فتقول : هذه ليست سيارة ، بالنسبة إليه هي سيارة تمشي ولها محرك ، وعلى العكس حاول أن تشجع خياله على التصور والإبداع ، ويضيف قائلاً : لا تحاول أن تتسرع بإبداء اقتراحاتك وهذه مشكلتنا ، إذا أردنا أن نلعب مع أولادنا لا بد أن نقترح ونوجه اعمل كذا .
يقول الدكتور مأمون : " اعرض مساعدتك عندما يطلب ذلك ، ولتكن مساعدتك عن طريق أسئلة تثير خياله " انتهى كلامه .
قاعدة الكبار : هي أن نضع جهودنا لنصل إلى نتيجة معينة ، أما الطفل فلا يستمتع باللعب ولا تهمه المحصلة النهائية أو النتيجة فلا يجب أن نلوم وكأنه أخطأ عندما لم يكمل اللعبة .
فأقول : الخطأ عموماً في اللعب والحياة حق من حقوقه يجب أن نَقْبل بأخطائه ونعطيه الفرصة أن يُعَدِّلَها ويصححها ، ولا يمكن أن يتعلم إلا إذا أخطأ ، فأنتِ على سبيل المثال ، هل يمكن أن تتعلمي الخياطة بقراءة كتاب أو أحد يقول لك: اشتغلي؟
مستحيل !
وإذا كان الكبار يتعلمون بعض الأشياء بالقراءة فقط ، فالأطفال يتعلمون كل شيء بالعمل والممارسة ، لذلك إذا كنا دائماً نعاتبه على أخطائه فكأننا نعاتبه على التعلم ، هكذا يجب أن ننظر إلى اللعب على أنه حصة تعليمية كحصص المدرسة ، بل أهم فهو في اللعب يعلم نفسه بنفسه ولا ينسى ما تعلمه ، كما هو الحال في المدرسة هناك شخص آخر يعلمه ، وأيضاً ينسى ما تعلمه في نهاية السنة ويقضي حصصها بملل ، بعكس اللعب ، بل ربما تكون أجمل وأحلى لحظات حياته كلها هي لحظات اللعب ، لذلك يجب علينا عدم مقاطعة لعبه إلا لضرورة ونتذكر جميعاً كم يكدر صفو الزوجين مقاطعة الأطفال في لحظاتهم الخاصة ، وكذلك الأطفال لا يحبون من يقاطع لحظاتهم الخاصة ، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ، إحدى المرات أطال السجود حتى ظن الصحابة أنه يوحى إليه أو حدث أمر فسئل عن ذلك ، فقال : كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ، فلا الصلاة ولا الناس جعل الرسول يقطع لعب الصغير أبداً ، ثم لاحظوا كيف سمى اللعب حاجة - صلوات الله وسلامه عليه - حتى النوم إذا أردت أن توقفيه عن اللعب لينام فلا تقاطعيه ، بل خذيه مع لعبته إلى الفراش واتركيه قليلاً لينام، أو تحدّثي معه بقصة جميلة أو استمعي لبعض أحاديثه حتى ينام .
يجب النظر إلى أن الأسرة ، وهذا البيت كله ما أقيم إلا لهذا الطفل ، فكذلك أثاث منازلنا يجب أن نراعي عند اختيارنا طبيعة الأطفال وما نتوقعه ، لاحظوا كيف صممنا منازلنا ، مجلس الرجال (ممنوع اللعب فيه) ، مجلس النساء ( ممنوع اللعب فيه ) ، مقلط الرجال والنساء أيضاً غير صالحين للعب بحرية ، ولا حتى حديقة البيت ، انتبه لا تخرب الزرع لا تدس الورد ، إذا لعب في هذه الأماكن وخرب عوقب ، لا يوجد مساحة يمتلكها بالكامل يعمل فيها ما يشاء إلا سريره حتى السرير ( لا تقفز على السرير يا ولد ) ، وللأسف اكتفينا بألعاب ( السوني ) ؛ لأنها لا تأخذ مكاناً ، والأبناء يحبونها جداً ويصبحون هادئين تماماً لكن هذا لا يكفي لا بد من النظر في آثارها ، ينقل الشيخ عبد الحميد البلالي في كتابه ( فنون في تربية الأبناء ) حديثاً عن دكتور أمريكي في علم النفس وهو غير مسلم ، يقول : ألعاب التلفزيون تسهم إلى حد كبير في غرس آثار نفسية عميقة سيئة ، وتعوق الخبرة الواقعية وتزيد من أوهام الطفل بالإضافة إلى غرس مفاهيم مغلوطة مما ينتج عنه أطفال ذوو شخصيات مهزوزة اتكالية عنيفة ، غير مقنعة ، غير متذوقة للجمال ، غير منسجمة مع الواقع ، وكلما كانت اللعبة تحتاج إلى مجهود عضلي وذهني من الطفل كانت مفيدة له في غرس هذه الخبرات الواقعية ، انتهى كلامه .
هناك أحد الجيران تفهم حاجة أطفاله للعب والاستقلال ، استغل سطح البيت وعمل فيه غرفة كبيرة وجعلها للعب ، كل ألعاب الأولاد وحركتهم فيها ، بل ويشاركهم اللعب أيضاً كلما وجد فراغاً في الوقت ، وهذا يسعدهم طبعاً ؛ لأنهم يحبون أن يكون لهم مكان في حياته .
أحد الأقارب بيته مليء بالتحف ولمسات ديكور في كل مكان لا تحتمل اللعب خمس أطفال كانوا يسكنون هذا البيت ، رغم ذلك لا تعاني صاحبة البيت من أية متاعب ، صاحب البيت كان يبني أيام أزمة الخليج ، ولذلك جهز قبواً واسعاً احتياطياً ، وصار القبو من حظ العيال ، مساحة واسعة للعب ، ويستفاد منها في المناسبات الكبيرة عند الحاجة ، حتى الذي ليس عنده قبو سيجد مساحات ميتة يمكن إحياؤها بضحكة أطفاله وفرحتهم بدون قيود ، وهذا أهم شيء ( بدون قيود ) ..
أذكر عندما انتقلنا إلى بيت جديد في الدمام ما فيه إلا السجاد ، تعال حتى تشاهد فرحة العيال وهم يركضون في المساحات الواسعة ويلعبون فرحين بدون قيود من الوالدين ؛ لأن ليس فيه شيء أصلاً يخاف عليه ، لذلك أقل ما في الأمر أن نخفف قدر الإمكان مما نخشى عليه من الأطفال ، نجعل بيوتنا أكثر بساطة ونوسع صدورنا أكثر بلعب الأطفال وفوضاهم ، والله فوضى أبنائنا وضحكتهم وهم يلعبون بحرية لها حلاوة لا نعرف قيمتها إلا إذا راحوا عنا مثل ما راحوا عن عمر بهاء الدين الأميري ، وبقي يتأمل آثارهم وذكرياتهم وصورها أبدع تصوير في الأبيات التالية بقوله :
أين الضجيج العذب والشغب *** أين التدارس شابه اللعِبُ
أين الطفولة في توقُدِيها *** أين الدمى في الأرض والكتبُ
أين التشاكس دونما غرض *** أين التشاكي ما له سببُ
أين التباكي والتضاحك في *** وقت معاً والحزن والطرب
أين التسابق في مجاورتي *** شغفاً إذا أكلوا وإن شَرِبوا
يتزاحمون على مجالستي *** والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسَوق فطرتهم نحوي *** إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم ( بابا ) إذا فرحوا *** ووعيدهم ( بابا ) إذا غضبوا
وهتافهم ( بابا ) إذا ابتعدوا *** ونجيبهم ( بابا ) إذا اقتربوا
بالأمس كانوا ملء منزلنا *** واليومَ وَيح اليومِ قد ذهبوا
ذهبوا أجل ذهبوا ومسكنهم *** في القلب ما شقوا وما قربوا
إني أراهم أينما التفتت نفسي *** وقد سكنوا وقد وثبوا
وأحس في خلدي تلاعبهم في الدار *** ليس ينالهم نصبوا
وبريق أعينهم إذا ظفروا *** ودموع حُرقتهم إذا غلبوا
في كل ركن منهم أثرٌ *** وبكل زاوية لهم صخبوا
في النافذات زجاجها حطموا *** في الحائط المدهون قد ثقبوا
في الباب قد كسروا مزالجه *** وعليه قد رسموا وقد كتبوا
في الصحن فيه بعض ما أكلوا *** في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطر من تفاحة قضموا *** في فضلة الماء التي سكبوا
إني أراهم حيثما اتجهت عيني *** كأسراب القطا سربوا
بالأمس في قرنايلٍ نزلوا *** واليوم قد ضمتهم حلبُ
دمعي الذين كتمته جلداً *** لما تباكَوْا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا *** من أضلعي قلباً بهم يجبوا
ألفيتني كالطفل عاطفة *** فإذا به كالغيث ينسكبوا
قد يعجب العُذّال من رجل يبكي *** ولو لم أبكِ فالعجبو
هيهات ما كل البكاء خَوَرٌ *** إني وبي عزم الرجال أبو