مناقشة موضوع أب مع ابنه في السجن بسبب المخدرات في حوارات ثقافية عامة; العين - منى البدوي: (م) رجل في العقد الرابع من عمره، ولكن ملامحه تشير الى شخصية تجاوزت الستين، فالخطوط الممتدة تحت عينيه وعلى جانبيها أثقلت جفنيه، والهالات السوداء تفترش مساحة واسعة حول عينيه الضيقتين ...
(م) رجل في العقد الرابع من عمره، ولكن ملامحه تشير الى شخصية تجاوزت الستين، فالخطوط الممتدة تحت عينيه وعلى جانبيها أثقلت جفنيه، والهالات السوداء تفترش مساحة واسعة حول عينيه الضيقتين الخاليتين من أي تغيير سوى الندم وكثير من الخوف. غزا الشيب رأسه وعلى ما يبدو من نبراته أنه غزا قلبه أيضا، يتكلم وكأن الحروف تموت على شفتيه.
وكان (م) يعيش حياة طبيعية، يجلس في البيت مع والديه واخوته بعد أن يعود من العمل ولا يخرج إلا للصلاة أو للتسامر مع الأصدقاء والأقارب، وعندما أراد أن يكمل نصف دينه، قرر أن يتقدم لخطبة ابنة عمه التي أحبها، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، قوبل طلبه بالرفض وبدأت حياته تأخذ منعطفا آخر معاكساً لحياته التي اعتادها. شرب البيرة وبعد مرور فترة قصيرة اتجه لشرب الخمر إلى أن وصل به الأمر لتعاطي المخدرات، وها هو الآن في المنشأة الإصلاحية والعقابية بمدينة العين يقضي فترة العقوبة من تهمة تعاطي المخدرات التي كانت في البداية اتجاراً وتعاطياً ولكن وبعد أن استأنف الحكم بقيت تهمة تعاطي المخدرات.
قابلنا النزيل (م) (42 سنة) وهو متزوج من ثلاث نساء جميعهن من الجنسيات العربية ولديه ستة من الأبناء أكبرهم يبلغ 23 عاماً، أما أصغرهم فعمره 11 سنة وكان هذا الحوار:
متى بدأ يتغير مجرى حياتك وتتجه نحو الانحراف؟
كان عمري 18 عاماً عندما تقدمت لخطبة ابنة عمي وقوبل طلبي بالرفض بالرغم من محاولاتي المتكررة، وكانت ظروفي المادية السبب الوحيد للرفض بالرغم من أنني لم أكن معدوم الحال ولكن كان عمي يريد لابنته زوجاً ثرياً. وبعد أن أيقنت بأنها لن تكون من نصيبي قررت أن أغادر بلا عودة إلى إحدى الدول العربية.
هل كان القرار هروباً من مواجهة الواقع أم عقاباً لمن حولك؟
في حقيقة الأمر كان هروباً من المواجهة لأنني في ذلك الوقت لم أستطع أن أفكر مجرد التفكير بأنها ستكون زوجة لغيري، وفي الوقت ذاته أردت أن يشعر أهلي بنوع من الألم كما أشعر أنا.
وبعد أن صمت برهة رفع رأسه وكأنه يواجه الحقيقة لأول مرة وقال: للأسف اكتشفت مؤخرا أنني لم أعاقب إلا نفسي ولم أهرب إلا من نفسي.
كيف كانت حياتك خارج الدولة؟
بقيت خارج الدولة خمس سنوات لم أفكر خلالها بالعمل فقد كان والدي يرسل لي كل ما أطلبه من مال ولم أشعر بالخجل من ذلك فقد كنت أشعر بأن إرسال المال لي من أحد واجباتهم.
وذات يوم دخلت إحدى الحانات وتناولت البيرة وبعد فترة بسيطة بدأت أشرب الخمر وطبعا كنت أجد لنفسي المبررات لكل ما أفعل في البداية كنت أشرب الكحول في الحانات إلى أن أدمنت تماما على شربها وبدأت اصطحبها معي إلى الشقة. ومن شدة إدماني كنت أحرص على عدم الخروج من المنزل حتى أبقى ثملا طوال الوقت.
وبالرغم من أنني كنت عالة على والدي إلا أنني تزوجت خلال السنوات الخمس من ثلاث نساء.
وكيف فكرت بالعودة إلى الدولة؟
لم أكن أنوي العودة نهائيا وكان والدي يتصل بي باستمرار وفي كل مرة يقول لي إن والدتي مريضة وتريد أن تراني وكنت أرفض العودة وأتجاهل كل توسلاتهم لي بالعودة. حتى إنه كان يرسل لي أشخاصاً ليجبرونني على العودة وكنت متمسكاً بالرد وهو (لن أعود).
إلى أن جاء والدي إلى البلاد التي كنت فيها وتوسل لي أن أذهب لرؤية أمي ثم أعود مرة أخرى. وتحت ضغطه وإصراره وافقت وبالفعل رجعت أنا وزوجاتي الثلاث وأطفالي إلى الدولة وما أن وصلت حتى أخذ والدي جواز السفر وكل ما يثبت شخصيتي لكي لا أغادر مرة أخرى واضطررت أن أبقى وتوظفت ولكن لم يدم ذلك طويلا فإدماني للخمر خلق مني إنساناً لا مبالياً وغير متحمل للمسؤولية.
متى كانت أول مرة تدخل فيها المنشأة الإصلاحية والعقابية؟
سجنت لأول مرة عام 1988 وذلك بسبب شرب الخمر إذ إنني كنت ثملا أثناء إلقاء القبض علي وتمت معاقبتي بالحبس والجلد وبعد أن انقضت فترة العقوبة وخرجت.
بعد خروجك من السجن كيف بدأت حياتك؟
طبعا فقدت عملي ليس بسبب وجودي بالسجن فقط وإنما بسبب إهمالي وتسيبي فقد كنت إنساناً لا مبالياً غير مكترث بزوجات وأطفال المهم أن أشرب الخمر، فوالدي يعيلني ويعيل أسرتي أيضا فلماذا أعمل؟! بالإضافة إلى أنني تعودت على الكسل والجلوس في البيت خاصة أنني كنت ثملا طوال الوقت.
وبعد ذلك تعرفت إلى شباب من نفس النوعية وقاموا باستئجار شقة (طبعا أنا لا أشترك معهم بدفع قيمة إيجار الشقة لأنني لا أملك المال الكافي) وذلك لم يكن يعنيهم بشيء فكل ما يعنيهم هو وجود (شلة) لنشرب معا ونقترف كل ما حرم الله.
كنت أقيم بالشقة طوال الأسبوع ولا أذهب للمنزل إلا مرة واحدة بالأسبوع وحتى في هذه المرة أبقى لدقائق ثم آخذ المال من والدي وأخرج لأنني كنت لا أطيق المكوث في البيت. وأحيانا أذهب لأفتعل المشاكل مع زوجاتي لأجد ذريعة لخروجي من البيت. وكانت حياتي على هذا المنوال إلى أن طلقت زوجاتي الثلاث واحدة تلو الأخرى بعد أن أدمنت المخدرات وبقي أبنائي عند والدي يرعاهم ويصرف عليهم.
والمخدرات كيف ومتى بدأت تتعاطاها؟
بدأت بتعاطي المخدرات عام 1990 عندما دعاني أحد أفراد (الشلة) لتجربتها وأقنعني بقوله إنها ستغنيك عن شرب الخمر وستشعر بأنك تعيش في عالم آخر وستنسى همومك ومشاكلك!
وبالفعل أقتنعت بكلامه وجربتها وفي حقيقة الأمر ليست تجربة بل بداية إدمان.
هل فكرت بزيارة طبيب ليعالجك من الإدمان؟
كلما كانت تراودني الفكرة كنت أشعر بالخوف من أن يكون مصيري الحبس وأحيانا عندما أخبر الشلة بذلك يسخرون مني ويزيدوني خوفا خاصة عندما يقولون إن الطبيب سيخبر رجال الأمن وبالتالي أستبعد الفكرة.
وكيف كنت تحصل على المال لشرائها وأنت بلا عمل؟
كنت أحصل عليها بلا مقابل فقط لأنني أجالس الشلة.
وكيف تم إلقاء القبض عليك؟
ذات يوم طلبت من أحد أفراد (الشلة) أن يحضر لي مخدرات وبعد أن اتفقنا على مكان وزمان التسليم ذهبت وفوجئت برجال الأمن يلقون القبض علي وأنا بحوزتي كمية من المخدرات وبعد إلقاء القبض علي قاموا بإجراء بعض الفحوصات وظهر في نتيجة الفحص أنني متعاط للمخدرات وألحقت بي تهمتي الاتجار بالمخدرات وتعاطيها، وحُكم علي 25 سنة. وبعد الاستئناف وتقديم الأدلة ثبت أنني لا أتاجر بالمخدرات وأنني فقط أتعاطاها. وصدر الحكم بأربع سنوات ونصف السنة.
وماذا عن أسرتك؟
طبعا زوجاتي غادرن الدولة بعد أن طلقتهن ورجعن إلى بلادهن ووالدي الآن طاعن بالسن لا يقوى على متابعة أبنائي كالسابق لذلك تبرعت أختي بمراعاة اثنتين من بناتي وتطوع أخي لتربية اثنين من أبنائي والباقي عند والدي.
هل يزورك أحد من الأسرة؟
لا ولكن اتصل بأولادي شهريا من المنشأة الإصلاحية والعقابية وكلما سمعت ابنتي صوتي تجهش بالبكاء وكل ما تقوله لي “كم باق لك يا أبي لتخرج وتأتي لتأخذنا”؟
ما الذي تغير في حياتك وشخصيتك بعد دخولك للمنشأة الإصلاحية العقابية؟
لم أكن أتوقع يوماً أن أقلع عن شرب الخمر وتعاطي المخدرات، وأنا الآن إنسان آخر يعرف ربه ودينه وأحافظ على الصلاة بوقتها وبالإضافة إلى ذلك تعلمت حرفة النجارة.
قد يعتقد البعض أن هنا نهاية حكاية (م) ولكن في حقيقة الأمر هنا بدأ الفصل المأساوي، فبعد أن دخل المنشأة الإصلاحية والعقابية بشهرين تم إلقاء القبض على ابنه الأكبر، كانت تهمة ابنه (تعاطي المخدرات) وكان الخبر كالصاعقة التي حلت عليه، ولم لا وهو لا يعرف عن أولاده إلا أسماءهم، ولا يراهم إلا دقائق معدودة.
واستمر حوارنا معه حول ابنه (س) وسرد لنا تفاصيل دخوله السجن قائلا:
ابني عمره 21 سنة طلقت والدته عام 1991 ومن بعدها ترك الدراسة حتى يساعد والدي في مراعاة اخوته، فوالدته غادرت إلى موطنها ولا تعلم عنه أي شيء. أما أصدقاؤه فلا أعلم عنهم أي شيء.