لا شك في أن هناك محطات عدة يفترض التوقف عندها في تاريخ كأس العالم لكرة القدم، إلا أنه في قراءة سريعة لتاريخ بعض المنتخبات المشاركة في مونديال 2006 تبرز قواسم مشتركة بين منتخبات حالية وأخرى سبقتها إلى الساحة العالمية منذ زمن بعيد.
من هنا، لم يكن هناك صعوبة في استخراج أوجه التشابه بين منتخب البرتغال عام 1966 والمنتخب الحالي في 2006، إذ بحسب المصادر تسلح الأول بخليط من الشبان وأصحاب الخبرة في آن معا، وهذا الأمر الذي ميز الثاني في بطولة أمم أوروبا التي استضافها عام 2004 وبلغ مباراتها النهائية قبل أن يخسر أمام اليونان (صفر-1)، وفي الدور الأول للمونديال حيث ظهرت "كيميائية" فعالة بين أبناء الجيلين القديم والجديد.
وفي قراءة أخرى لطريقة لعب المنتخب البرتغالي في ستينات القرن الماضي، تبدو الصورة مطابقة للأسلوب التكتيكي والاستراتيجي الذي يعتمده منتخب الألفية الجديدة أثناء المباريات.
ويمكن القول أن أوجه التشابه هذه ناتجة عن أبرز النقاط المشتركة بين المنتخبين، ألا وهي العقلية الكروية التي سادت قبل 40 عاما بوجود مدرب برازيلي على غرار ما هو عليه الأمر حاليا.
وعرفت البرتغال المجد الكروي في التصفيات المؤهلة إلى مونديال 1966 في إنكلترا ونهائيات المونديال عينه مع المدرب البرازيلي أوتو غلوريا الذي صنع اسمه لاعبا ومدربا في البرتغال نفسها على الرغم من أنه أبصر النور في ولاية ريو دي جانيرو البرازيلية.
واكتسب غلوريا شهرته الواسعة كمدرب مبدع في البلاد الأيبيرية بعد إحرازه لقب الدوري خمس مرات والكأس ست مرات مع نوادي بنفيكا وبيليننسس وسبورتينغ لشبونة على التوالي.
ويقال إن غلوريا الذي توفي عام 1986 عن عمر ناهز الـ69 عاما بعد ستة أعوام على قيادته نيجيريا إلى الفوز بكأس الأمم الأفريقية، عرف بنظامه الانضباطي الذي فرضه على لاعبيه أثناء التمارين والمباريات، إضافة إلى نزعته الهجومية حيث منح دائما حرية التحرك للمهاجمين.
ومما لا شك فيه انه مرة أخرى يسهل إيجاد نقاط مشتركة بين الماضي والحاضر البرتغالي، إذ معلوم عن مدرب المنتخب الحالي البرازيلي لويس فيليبي سكولاري صرامته التامة تجاه لاعبيه وأسلوبه الهجومي على غرار الذي اتبعه مواطنه في الأيام الغابرة.
كما يتميز سكولاري بروح الفوز والحماسة التي تترافق مع عصبيته الطريفة حتى أصبح محط النكات في البرتغال، إذ قال عنه البعض إنه يحب الوقوع في المشاكل لتكون لديه الفرصة للرد على منتقديه!.
واللافت ان "فيليباو" عايش الصراعات مع الصحافة منذ دخوله عالم التدريب، إذ لاقى انتقادات واسعة حول الأسلوب الذي اعتمده حيث اتهمه البعض بتشويه صورة الكرة البرازيلية، وهذا الأمر مرده أن سكولاري معروف بإدخاله الطابع الأوروبي إلى الفرق التي يدربها، إلا أن رده على منتقديه جاء عبر قيادة غريميو إلى لقب كأس ليبرتادوريس عام 1995.
وتواصلت نجاحاته حتى عرض عليه تدريب منتخب البرازيل حيث أكمل مسلسل مفاجآته على طريقته الخاصة في ظل وابل من الانتقادات اللاذعة التي انهالت عليه.
وكانت أشهر خطوة قام بها سكولاري على أبواب مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، استبعاده المهاجم روماريو من التشكيلة المونديالية على الرغم من المطالبة الشعبية الواسعة بالنجم المخضرم للذهاب مع "السيليساو" إلى آسيا.
إلا أن عناد سكولاري الذي هدده البعض بالقتل في حال فشلت البرازيل في الفوز باللقب، لاقى ثماره بخطف الكأس الذهبية للمرة الخامسة بقيادة "ثلاثي الراء" الشهير رونالدو وريفالدو ورونالدينيو، قبل أن يترك وطنه متجها إلى أوروبا لتدريب البرتغال.
وفي البرتغال، لم يخف سكولاري من اتخاذ قرارات مثيرة للجدل، وخصوصا عقب إقناعه مواطنه ديكو باللعب مع المنتخب البرتغالي على حساب نظيره البرازيلي، قبل أن يبرهن الأخير صحة قرار المدرب الفذ بتسجيله هدف الفوز في مرمى بلاده الأصلية في مباراة ودية جمعت المنتخبين.
ويتطلع البرتغاليون اليوم بحنين لاستعادة أيام المجد التي سطرها "الفهد الأسود" أوزيبيو الذي كان وراء تحقيق البرتغال أفضل نتيجة لها في المونديال بإحرازها المركز الثالث في 1966، في موازاة اختياره أفضل لاعب في البطولة التي أنهاها متربعا على عرش الهدافين برصيد 9 أهداف.
وتبدو المفارقة أن البرتغال تملك اليوم هدافا لا يقل شأنا عن أوزيبيو، وهو مهاجم باريس سان جيرمان الفرنسي بدرو باوليتا الذي تخطى سلفه متوجا نفسه أفضل هداف في تاريخ "برازيل أوروبا".
ولا تتوقف أوجه التشابه عند هذا الحد، إذ في المرة الوحيدة التي تخطت فيها البرتغال الدور الأول (1966) في مشاركاتها الثلاث السابقة، فازت على إحدى مستعمراتها القديمة البرازيل (3-1)، وكانت المرة الثانية التي تخطو فيها إلى الدور عينه في المونديال الحالي بعدما استهلت مشوارها بفوزها على أنغولا (1-صفر) البلد الذي استعمرته طويلا.
وعلى الرغم من أن سكولاري اعتبر دائما أن بلوغ الدور نصف النهائي على غرار ما فعل منتخب 1966 سيكون انجازا يفتخر به، اختلفت طموحات اللاعبين الذين ظهروا عبر أدائهم في الملعب أنهم مصرين على إعادة كتابة التاريخ بطريقتهم الخاصة وحجب هالة أسلافهم اوزيبيو وجوزيه توريس وماريو كولونا، ليصبح جيل باوليتا وديكو ولويس فيغو وكريستيانو رونالدو وسيماو واجهة الكرة البرتغالية ورأسمالها في المستقبل القريب.