
صحيح أن أي لاعب كرة قدم في العالم يتمنى خوض نهائيات كأس العالم والتألق أمام الملايين من المشاهدين عبر العالم.
ولكن هذه الأمنية يلزمها الكثير من التعب والعمل وأحياناً الحظ لتتحقق, وفي حال تحققها وتواجد اللاعب في هذه النهائيات, لا بد له من التعرض للضغط النفسي الهائل لحمى كأس العالم.
ففي ظل هذا الحدث الرياضي تدور صناعة هائلة تدر أموالا طائلة, عبر النقل التليفزيوني والتغطية الإعلامية والإعلانية إضافة إلى تواجد الرعاة الرسميين والمبالغ المالية التي تنفقها الاتحادات والدول من أجل المعسكرات التحضيرية.
من هنا لا يمكن لأي لاعب أن يتجاهل ما يدور من حوله, فهو متواجد وسط هذا العالم ومعرض لضغط نفسي كبير, فهو مطالب بالأفضل لوطنه ومن جماهيره ومن مدربه ومن الصحافة التي تتابع خطواته إضافة إلى إرضاء ذاته, هذا مع وجوده في أواسط حرب نفسية وإعلامية أبطالها المدربون والنقاد.
وتشكل جميع هذه العوامل مجتمعة ضغط وعبء نفسي كبير يصعب تحمله والمحافظة في ظل وجوده على التركيز اللازم عند أي لاعب, وتتبلور هذه الضغوط في تفاصيل الحياة اليومية إذ يعاني الكثير من اللاعبين مما يعرف بالأرق لشدة التأثر ببيئتهم, بالإضافة إلى تأثر سلوكهم داخل الملعب من ناحية اللعب العنيف والغير النظيف وأحياناً اللجوء إلى المنشطات لاعتقادهم بأنها العلاج الحقيقي للظهور بأفضل مستوى الأمر الذي يساهم في إراحتهم نفسياً لبعض الوقت.
لكن الكثير والكثير من اللاعبين والمدربين والاعلاميين يعتقدون بأن الضغط النفسي أو ما يعرف بال(stress) هو عامل سلبي, فالحقيقة أن هناك نوعين من الضغط النفسي, الضغط النفسي السلبي أو ال(distress) والضغط النفسي الإيجابي أو ال (eustress).
من هنا فإن الضغط النفسي هو حاجة لتحقيق الأفضل, فهو محرك كبير يبعث في الرياضي الرغبة لتحقيق الأفضل, فبدونه لا يملك أي لاعب الحافز الحقيقي على الصعيد النفسي وبالتالي على الصعيد الجسدي, إذ أن العوامل المثيرة أو المنبهة التي تضعه تحت الضغط تعمل على تهيج وإثارة الغدد التي تقوم بفرز الأدرنالين والستروتونين والدوبامين والتي تعمل بدورها على رفع نبضات القلب وبالتالي زيادة سرعة الدورة الدموية الأمر الذي يجعله يشعر بالاندفاع والحماس وبالتالي الرغبة في تحقيق الأفضل وهذا ما يسمى بالضغط النفسي الإيجابي أو ال(eustress).
أما في حالة الضغط النفسي السلبي(distress) فإن السلوك والحالة النفسية تختلف إذ يسيطر الخوف والقلق بدلاً من الحماس كما يمكن للضغط النفسي أن يأخذ شكلاً آخر ويتمثل باللامبالاة وفقدان الحوافز الداخلية كما يمكنه أن يأخذ شكل الحماس المفرط الجامح والذي يؤدي بدوره إلى الجنوح, ففي هذه الحالات السلبية إما أن ينعدم التفاعل على الصعيد الجسدي وإما أن يتفاعل الجسد بشكل مفرط إذ تدخل الغدد في حالة هيجنا مفرطة تستمر حتى في ساعات النوم ما يؤدي إلى الإرهاق والانهيار وتسمى هاتان الحالتان من الضغط النفسي السلبي (hypostress ) و (hyperstress) أي الضغط النفسي المنخفض و الضغط النفسي العالي.
ويكمن الحل عند اللاعبين في القدرة على التعامل مع الضغط النفسي والتأقلم معه(coping) وتوظيفه إيجابياً في الوقت والشكل المناسبين.
وقد كان الباحث الكندي هانس سيليه أول من تحدث عن هذا الأمر في دراسة حول سلوك الأفراد في مواجهة المثيرات والضغوط الخارجية, اعتبرت الأهم حتى يومنا هذا. وقسم سيليه سلوك الفرد إزاء الضغوط الخارجية إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى
مرحلة الإنذار, وتنطلق من الحواس لتصل إلى الجهاز المركزي أو الدماغ الذي يقوم بإرسال رسائل كهربائية وكيمائية إلى الغدد التي بدورها تقوم بفرز الأدرنالين والهرمونات الأخرى لترفع فيما بعد وتيرة عمل القلب وبالتالي الجسم بشكل عام.
المرحلة الثانية
مرحلة المقاومة النفسية والجسدية لعوامل الضغط, تتميز في بداياتها ببعض الإضرابات إلى حين التأقلم (coping), وهي أطول مرحلة يصارع فيها الجسد والنفس، للتأقلم بشكل ايجابي مع الضغط الخارجي, وفي حال التأقلم لا ينتقل الفرد إلى المرحلة الثالثة والأخيرة.
المرحلة الثالثة
مرحلة التعب والإرهاق أو المرحلة المرضية, وتأتي بعد سقوط جميع الدفاعات لدى الفرد إذ ينهار تحت الضغط وتظهر فيها الإضطرابات النفسية والسلوكية والجسدية بشكل واضح (اضطرابات في المعدة والقلب إضافة إلى الانهيارات العصبية), لكن الوصول لهذه المرحلة قليل الحدوث إذ أنه باستطاعة معظم اللاعبين التأقلم.
لكن ما يساعد اللاعبين على التأقلم مع هذه الضغوطات هي أولا القدرات الذاتية (النفسية والعقلية والجسدية) لكل لاعب ومن الطبيعي أن النفسي تختلف فيه القدرة والسرعة على التأقلم بين لاعب وآخر, هذا بالإضافة إلى وجود المدرب والكادرات المتخصصة التي تعمل على تخفيف الضغط وتبسيط الأمور.
كما تلعب الخبرة عاملاً أساسيا إذ أن التغذية الراجعة ال(feed-back ) تساعد اللاعبين كثيراً على تخطي الضغوط النفسية والتعامل مع الأمور ببساطة, إذ أنهم قد مروا بمثل هذه الحالات سابقاً وبالتالي هم مهيأون ومدربون نفسياً للتأقلم وبالتالي تخطي هذه الظروف.
وفي النهاية لا يسع أي رياضي أو لاعب سيشارك في مونديال ألمانيا أن يغير الظروف والبيئة التي يتواجد فيها حسبما يشاء بل عليه التأقلم والتأقلم وإلا سنرى الكثير من ضربات الجزاء المهدرة تحت ضغط الجماهير مثلما حصل في نهائي مونديال 1994 مع روبيرتو باجيو عندما أطاح بالكرة فوق العارضة مهدياً الفوز للبرازيل ومثلما حصل أيضاً مع زيكو في مونديال 1986في المكسيك عندما سدد ركلة الجزاء خارج المرمى في ربع النهائي أمام فرنسا.