منذ حادثة فرار نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام إلى الخارج، وشن حملة على أركان النظام والدعوة إلى إسقاطه، وبدا بعض رموز هذا النظام الداخلي يتساقطون واحدًا تلو الآخر بصورة تكسوها الريبة وتحوم حولها الشبهات، وتثير العديد من علامات الاستفهام.
وجاء مصرع الرجل الغامض العميد السوري، محمد سليمان، يوم السبت2/8، ليؤكد أن هذه الحوادث ليست طلقة طائشة في جوف ليل بهيم، بل تشير إلى أنها حفلة إعدام بدأت ولا يعرف أحد متى تنتهي، ولا على من يدور الكأس في المرة القادمة، ولكن الجميع على يقين بأن هناك "مرة قادمة".
خيط واحد وسيناريوهان اثنان..
حوادث الاغتيالات هذه التي تشهدها سوريا، والتي تزامنت مع توقف حوادث الاغتيال في لبنان، تثير الانتباه لعدة نقاط هامة، منها:
1ـ أنها تنال من أركان المؤسسة الأمنية والعسكرية قريبة الصلة بالرئيس بشار الأسد، فقد نحر (أو انتحر حسب الرواية الرسمية) اللواء غازي كنعان وزير الداخلية، ثم من بعده العميد محمد سليمان المستشار الأمني للرئيس السوري والذي مهامه الأمنية والعسكرية قد تعدت مجال الحصر والاستقصاء، وإن كان محل إجماع بأنه الذراع اليمنى للرئيس، ومحل ثقته في عدد ضخم من الملفات الحساسة والشائكة خاصة الأمنية والعسكرية ومن بينها ملف لبنان.
2ـ وثاني هذه الملاحظات الجديرة بالتأمل أن حوادث الاغتيالات نالت شخصيات على صلة وثيقة بالأوضاع في لبنان، خاصة بقضية مصرع رئيس الوزراء رفيق الحريري، فاللواء كنعان كان من بين عدة مسئولين سوريين استجوبهم محققون من الأمم المتحدة في إطار التحقيق الدولي في مقتل الحريري، والمعلومات تشير كذلك لعلاقة العميد محمد سليمان بحادثة الاغتيال ذاتها.
3ـ أن سوريا تعاملت مع الحادثين بنوع من "الدم البارد"، فاكتفت بإعلان انتحار كنعان دون الإشارة إلى أية تفاصيل أخرى متعلقة، ومع حادثة اغتيال العميد محمد سليمان جاء الإعلان من خارج المؤسسة الرسمية أولاً، ثم اضطرت سوريا إلى الإعلان عن الواقعة دون الخوض في تفاصيلها، واستمر الرئيس بشار في مهمته الخارجية في إيران دون أي تصريح بملابسات الحادث وتفاصيله، وكأن القتيل لا علاقة له بمؤسسة السلطة، ولا يعنيها.
4ـ ثالث الملاحظات: الطريقة الاحترافية التي قتل بها العميد سليمان، فليس من السهل الوصول إلى شخصية بهذا الحجم في ظل نظام معروف بالإحكام الأمني، واغتياله برصاصات باردة ويفر الجناة هكذا دون ملاحقة أو متابعة من أي جهاز أمني يفترض أن يقوم على خدمة هذا الشخص شديد الأهمية والحفاظ على حياته.
وهذه الملاحظات تقودنا إلى ارتباط حوادث الاغتيال التي تشهدها سوريا ببعضها، وأنها عزف على وتر واحد، ونخرج منها بسيناريوهين اثنين:
السيناريو الأول:
أن النظام السوري بدا في التخلص من بعض الرموز السابقة المتورطة في اغتيال الحريري أو جرائم أخرى في لبنان يمكن ملاحقتهم عليها من قبل المحكمة التي تنظر في هذه القضايا، فاضطر إلى التخلص منهم واحدًا تلو الآخر، لهدفين اثنين:
الأول: تقليل حجم الضغوط الدولية التي قد تمارس ضده باتهام هذه الشخصيات بالتورط في مقتل الحريري، وما تبعه من جرائم ما زالت مجهولة في لبنان، خاصة وأن أصابع الاتهام حتى الآن تشير إلى مسئولية الجهاز الأمني السوري، وتورطه فيها.
الثاني: التخلص من حجم الأسرار الضخمة التي تحملها هذه الشخصيات، استباقًا لأية محاولة تتمكن فيها من مساومة النظام وإعادة إنتاج تجربة عبد الحليم خدام مرة أخرى، ولكن هذه المرة بأسرار قد تنال رأس النظام وتورطه دوليًا.
السيناريو الثاني:
أن عمليات الاغتيال من ورائها صراع خفي داخل أركان النظام وبين الشخصيات القوية المتنفذة فيه، خاصة وأن المعلومات تشير إلى أن العميد لم يكن على علاقة جيدة مع اللواء آصف شوكت، رئيس المخابرات العامة وصهر الرئيس بشار الأسد، إلا أنه كان صديقًا لمركز قوى آخر في النظام، وهو ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، وقائد الحرس الجمهوري.
فالحادث بهذا الاعتبار يدل على عمق التدهور في علاقات رجالات السلطة بعضهم ببعض، وأن حل كافة القضايا والخلافات والصراعات لم يعد يعرف غير طريق الدم والتصفية الجسدية.
العميد ومغنية... هل من علاقة؟!
ثمة من يفصل بين حادثتي الاغتيال، ويربط مقتل اللواء كنعان بعلاقته بحادثة اغتيال الحريري، ويرى أن اغتيال العميد محمد سليمان له سيناريو آخر لا يتعلق بهذه الحادثة، ولكن ارتباطه الأكبر بحادثة اغتيال القائد في حزب الله عماد مغنية، الذي هو الآخر قضى نحبه في ظروف غامضة في العاصمة دمشق في فبراير الماضي.
ووفق هذا الربط فإن حادثة الاغتيال هذه هي مجرد تصفية لحسابات مكتومة بين حزب الله ـ طهران من ناحية ودمشق من ناحية أخرى.
ويعتمد هذا السيناريو على أن مغنية ما كان ليلقى مصرعه بهذه السهولة وفي قلب العاصمة دمشق إلا بعد رفع الغطاء عنه من قبل الأمن السوري، وأنه تم استهداف العميد محمد سليمان على وجه التحديد باعتبارين اثنين:
الأول:الأخذ بالثأر من النظام نفسه، إذ إن حادثة الاغتيال هذه تشكل ضربة قوية للأمن السوري باعتبار أن جميع الخيوط الأمنية والعسكرية في يد هذا الشخص، وذلك في انتقام ورد مناسب على اغتيال الخبير الأمني والعسكري لحزب الله.
الثاني: أن العميد سليمان، وعلى وجه الخصوص، كان ضابط الاتصال مع حزب الله ومنسق العمليات المشتركة مع الحزب في لبنان، ومن ثم فإن اغتيال مغنية لم يكن ليمر من تحت أنفه إلا بتوقيعه وموافقته، وهو ما يعني أن عملية الاغتيال استهدفت المسئول الأمني الأول عن اغتيال مغنية.
الموساد... هل له من دور في الاغتيالات؟!
بعض التقارير الصحفية تشير إلى تورط إسرائيل، وأجهزتها الاستخباراتية في حوادث الاغتيالات السورية، مستندة في ذلك إلى خبرة هذا الجهاز في عمليات التصفية الغامضة، في أكثر من عاصمة عربية، ويدعم هذا التوجه رأيه بأن حادثة اغتيال مغنية والعميد سليمان تأتي في إطار حرص الاستخبارات الإسرائيلية على تحطيم القاعدة العسكرية لحزب الله وأذرعها في سوريا.
ويعزو الصمت السوري في اتهام إسرائيل بهذه الاغتيالات إلى أمرين اثنين:
الأول: رغبة الرئيس السوري في استكمال طريق المفاوضات مع إسرائيل؛ أملاً في فك عزلتها الدولية والحفاظ على التحسن النسبي للعلاقات مع الغرب وخاصة فرنسا.
الثاني:عدم قدرة النظام السوري على الرد على هذه العمليات، ومن ثم فقد حفظ ماء وجهه وآثر الصمت، بدلاً من أن يورط نفسه في اتهام إسرائيل ثم يقف عاجزًا أمام شعبه عن الرد.
وفي كل الحالات والسيناريوهات السابقة فإننا نجد أن القوى الداخلية الأمنية والعسكرية في النظام السوري دخلت في عملية جراحية ضخمة، تدفع فيه الرءوس الكبيرة فاتورة دموية إما لحسابات وصراعات داخلية أو إقليمية، والعملية دخلت في إطار الحسابات المفتوحة ونزيف الدم الغامض على ما يبدو لن يتوقف بين عشية وضحاها.
بقلم:عصام زيدان