الحركات الجهادية المعاصرة
وغياب مقومات النجاح!
كثيرة هي
الحركات ذات الأصول الدينية التي شهدها المجتمع الإسلامي والتي كانت تسعى نحو
التغيير، وكثيرة هي
الأخفاقات التي مُنيت بها تلك الحركات
على طول الطريق.
والذي يبحث عن الأسباب التي أدت إلى تلك
الأخفاقات، يجدها دائماً ترجع إلى
أفتقادها إلى مقومات النجاح الذي يشترط وجوده لنجاح أي حركة،
كالمقوم الأقتصادي، والأجتماعي، والسياسي، ونحو ذلك مما عُرف في السنة بـ "
المنعة" وما اصطلح عليها علماء الإجتماع
كإبن خلدون بـ
"العصبية" " المقدمة1/56، وفي المحصلَة تكون النتيجة:
عبثاً بمقادير الأمة، وهدراً لدماء أبنائها، وتضييعاً لمكاسبها.
وكل ذلك سببه
الجهل بمتطلبات الجهاد ومقوماته اللازمة.
وقد جاء في الحديث عن
النبي(صلَى الله عليه وسلَم) أنه قال:
(ما بُعث نبيٌ إلا في منعة من قومه ).
وقد صح
عنه (صلَى الله عليه وسلَم) أنه كان في أول بعثته يطوف في المواسم على القبائل ويسألهم المنعة حتى يُبلَغ عن الله تعالى رسالته.
وكذلك كان حال
الأنبياء عليهم (الصلاة والسلام) من قبله (صلَى الله عليه وسلَم) في
دعوتهم إلى الله عز وجل "بالعشائر والعصائب" وهم المؤيدون من الله تعالى بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة ليدرك الناس الحكمة من ذلك ويأخذوا بأسبابها، والله حكيم عليم. "المقدمة1/56."
ولو رحنا نستعرض التاريخ سنجد
نماذج عديدة من أمثال هذه الحركات في كثير من محطاته، فمن ذلك ما ذكره
ابن خلدون من خروج
"ابن قسي" شيخ الصوفية وصاحب كتاب
"خلع النعلين" في التصوف فقد ذكر عنه أنه: "
ثار بالأندلس داعيا إلى الحق وسمي أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي فاستتب له الأمر قليلا لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر الموحدين ولم تكن هناك عصائب ولا قبائل يدفعونه عن شأنه فلم يلبث حين استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم". "
المقدمة1/57"
ثم عرض
ابن خلدون لبعض من تلك الحركات فقال:
"ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم والمتلثلثون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه وقد قال رسول الله (صلَى الله عليه وسلَم): " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه".
وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه" " المقدمة1/57"
ثم ختم كلامه بالقول: "
وأمثال ذلك كثير والغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها" "
المقدمة1/57"
وأذا نحن ودعنَا
ابن خلدون، وغادرنا التاريخ القديم، وجئنا إلى العصور المتأخرة من تاريخ هذه الأمة سنجد أن الأمر لم يختلف كثيراً، بل استمر على ما هو عليه من غير اختلاف كبير ولواجهتنا المشكلة ذاتها فنجد
كثيراً من الحركات التي انتشرت على مساحة جسد هذه الأمة
وقد سلكت ذات الأسلوب الذي سلكه المتقدمون عليهم في التاريخ
فمن تجربة الأسلاميين في مصر، إلى تجربة حماة، إلى تجربة الجزائر، إلى آخر هذه التجارب المريرة.
والواجب اليوم يدعونا أن: نتحدث
بصراحة حول هذه التجارب، وأن نعمل على
إعادة تقويمها على ضوء
النتائج التي اسفرت عنها، ومن أمثلة ذلك:
ما حدث في الجزائر، فقد تأخر الكلام عليه إلى أن تفاقم الوضع هناك، ثم أنتبه الناس إلى خطورة الأمر، وأصدروا بياناتهم بعد فوات الوقت.
وكتجربة حماة التي عبت دماء المسلمين، وأثخنت فيهم، ثم لم يكن من وراءها طائل، وهو ما أقر به كثير من قياداتها قبل سواهم.
وفي نهاية جميع تلك التجارب تكون
النتيجة واحدة وهي ما قدمناه:
عبثاً بمقادير الأمة، وهدراً لدماء أبنائها، وتضييعاً لمكاسبها!!؟
وقد تكلم كثيرٌ من
اهل العلم على هذه
المسألة، ومن ذلك ما أجاب
به الشيخ ابن عثيمين على الأسئلة التي توجه بها إليه
مقاتلوا الجزائر في السنوات القليلة الماضية، والقضية مشهورة، معروفة وما قيل عن هذه الحركة يمكن قوله عن سائر الحركات المشابهة لها.
وأرجوا أن
لا يتوهم متوهم أن في هذا الكلام
دعوة لترك الجهاد وانما المقصود
أن الجهاد لأجل أن يستكمل عدته لابد من استكمال مقوماته التي لابد منها لقيامه.
ومتى تخلفت أو نقصت تلك المقومات كان الأحرى بالناس التوقف عنه، لأن ذلك
أفضل من معانة نتائجه المريرة.
وهذا القول يشهد عليه
واقع الأمة، الغني بهذه التجارب، كما تشهد عليه
أقوال أهل العلم من أهل التجربة والخبرة في هذا المضمار،
ولاسيما الذين خاضوا هذه التجارب، وعايشوا أوارها، وأصطلوا بنارها، ثم تراجعوا عنها بعد أن تجرعوا مرارة نتائجها.
وقد أصدرت بعض هذه
الجماعات اثني عشر كتابا سموها
سلسلة المراجعات تصحح فيها مفاهيمها ومن ذلك كتاب:
"تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء" وقد ذكروا فيه
عشرة أدلة شرعية على الأخطاء التي وقعت، وتراجعوا فيه عن آرائهم السابقة، وهذا شيء يحمدون عليه،
وإن كان بعد فوات الآوان.
وقد بدأت
"جماعة الجهاد" في مصر تسير في نفس الخط وألفوا في ذلك كتابا تعرضوا فيه إلى
التجربة والأخطاء.
والمشكلة في
فكر تلك الجماعات أنً كل جماعة تريد أن تجرب بنفسها الأمر من جديد ولا تعتبر في ذلك بتاريخ الجماعات الماضية وتستفيد منه، بل لابد لها أنً تجرب
وتقع في نفس الأخطاء وفي نفس الحفرة ثم تعود بعد ذلك، وقد كانوا قبل ذلك يظنون أنهم سيبدأون من حيث أنتهى الآخرون.
والسبب من وراء ذلك هو للأسف " كما قال
ابن خلدون "
الغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها ...ثم قال:..
فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب وكان فيه محقا قصر به الانفراد عن العصبية فطاح في هوة الهلاك، وأما إن كان من المتلبسين بذلك في طلب الرئاسة فاجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك، لأنَ أمر الله لا يتم إلا برضاه وإعانته والإخلاص له والنصيحة للمسلمين، ولا يشك في ذلك مسلم ولا يرتاب فيه ذو بصيرة" المقدمة1/56
وإذا أردنا أن نشرح قوله بعبارة معاصرة:
" هو الجهل بمتطلبات الجهاد ومقوماته اللازمة" والتي منها:
وجود المنعة التي تتحقق بها القدرة على التغيير.
ومن يدقق النظر فيما تقدم يلمس بوضوح:
أن "هناك خللا في فقه تلك الجماعات.. وهذا الخلل ليس
منشؤه سوء النيات عند هؤلاء...وإنما الخلل في المنهج ...في إدراك ما يستلزم توافره لقيام الجهاد، فنحن لا نشك في أن أكثر ه
ؤلاء مخلصون لكنهم أخطئوا الطريق، ولا بد من استقامة الطريق مع استقامة النية".
ونحن اليوم ننظر إلى تجربة جديدة في
العراق إُريد لها أن
تكون نواةً لإمارة إسلامية... وأنساق وراء ذلك
كثيرٌ من المخلصين، فخاضوا غمارها، واصطلوا بنارها، ودفعوا ضريبتها غاليةً من دماءهم، وأموالهم، وأمنهم ...!!
ثم كان من أمرها ما صرنا نشاهده اليوم:
من أنقلاب العشائر عليهم، وملاحقتهم بالقتل، والتطريد، والأسر والتشريد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
كتبه الاخ وحي القلم