معالم في الشخصية القيادية عند أبي مصعب رحمه الله ( 2 )
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . . أما بعد
فبداية أبارك للإخوة دخول الشهر الفضيل ، وعودة الحسبة ، واغتيال الريشاوي . . وزاد الله الأفراح على بلاد الإسلام .
منذ أكثر من شهر لم أكتب شيئاً وربما كان إغلاق الحسبة السبب الأكبر ، فرغم دخولي في الكثير من المنتديات قارئاً إلا أنني لم أكن لأتمكن من الكتابة في أي منها وكان مانعاً ما يمنعني ، حتى عادت الحسبة وعدنا بإذن الله .
تضاربت في رأسي الآراء والأفكار . عن ماذا سأكتب ؟
عن خطاب الشيخ أسامة أم عن شهر الصيام أم عن مشاريع قديمة كنت أرغب في الكتابة عنها ، ولكن أحد الإخوة أعضاء الحسبة حسم التساؤل عندما قام برفع مقال قديم لي بعنوان (معالم في الشخصية القيادية عند أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله) وكنت قد وعدت بإكمال الحديث عنه لاحقاً فجاء طلب الأخ أمراً بترك كل شيء وتنفيذ الوعد الذي قطعته .
فالآن نكمل بإذن الله في البحث داخل شخصية القائد أبي مصعب والجوانب التي أهلته ليأخذ المكان الذي بلغه في علياء المجد .
أ جبّار في الجاهلية ، خوّار في الإسلام يا عُمر !
كلمات لا تزال تطرق ذهني كلما رأيت عجز شباب الأمة اليوم عن نصرة دينهم .
إنك لتجد الشاب المبدع في مجال ما يوجه إبداعه في مجالات لا ترضي الله أو على الأقل لا تنفع الأمة في شيء ، ثم بعد أن يلتزم تجده ترك الإبداع وعكف عنه .
فتجد الشاعر المبدع الذي لا يشق له غبار في الغزل والفخر الجاهلي فإن التزم كف عن الشعر وكأن الشعر حرامٌ في ذاته وليس للطريق الذي وجه فيه ، فهلًا بقي ذاك الشاعر على إبداعه ولكن فقط قام بتحويل الجهة من جهة الغزل والمغازي السطحية إلى شعر يخدم الإسلام والدعوة ولنا في حسان بن ثابت سلف .
وفي زمننا الحاضر لنا في سيد قطب رحمه الله أيضاً أسوة ، فقد كان كاتباً وناقداً أدبياً ذاع صيته في الصحف المصرية بل وحاول في الشعر ولكن معاصرته لعمالقة الشعر العربي في مصر حرمته الشهرة كشاعر وإن بقي له وزنه ككاتب وناقد أدبي ، حتى أنه كان يخطّ لنفسه منهجاً خاصاً في النقد الأدبي ، ولكن ذلك الإبداع و تلك القدرات الأدبية لم تكن تصب في خدمة الأمة ، بل كانت كلها تسير نحو صناعة مجدٍ شخصي إن صح التعبير ، فلما غيّر سيد مساره نحو الإسلام لم يترك مقدرته الأدبية والفكرية في المسار السابق بل حرف تلك المقدرة وذلك الإبداع معه أيضاً نحو خدمة الإسلام ، فكانت تلك الأعمال العظيمة التي خطّها خدمة للإسلام لعلّ ( الظلال ) يكون أبرزها أو أشهرها ، ومن قرأ الظلال وجد فضلاً عن جوانب العقيدة والفكر فيه ، وجد ذلك الأدب الرفيع و الكلمات المنتقاة التي تقيد القارئ فلا يستطيع عنها انفكاكاً ، يكررها مرّات ومرات حتى كأنه يحاول حفظها ، أو قد يكتبها في دفتر خاص ليعيد قراءتها .
هكذا كان سيد – رحمه الله – كان بإمكان بعد الالتزام أن يلزم مسجده أو يعتكف في بيته ويقول : إن الأدب هو فعلي أيام الجهل أما في الالتزام فصلاة وصيام فقط ولن أضيع وقتي في الكتابة ، ولكن الواعي فقط من يصنع من كل أداة في متناوله سلاحاً يدافع به عن نفسه ومعتقده ، فسكين المطبخ قد تكون أداة لتقطيع البصل أو أداة لإرهاب الكفار ، والقلم إما أن يسيل في معصية الله أو يسيل في طاعة الله وكذلك اللسان .
فالعبرة فيمن يملك تلك الأدوات وليس فيها هي ذاتها إذ هي أدوات جامدة يحركها الإنسان وفق حاجاته ورغباته .
نعود إلى مثالنا السباق وتلك الكلمة الخالدة التي قالها الصديق للفاروق ، وتخيلوا المشهد معي ، أبو بكر ذاك الشيخ الذي شابت مفارقه في الإسلام ولم يعرف عنه تلك القوة التي اشتهر بها عمر ذاك الذي كانت تهابه صناديد قريش ، الذي لم تأخذه في دين الله لائمة ، وفور إسلامه خطط لإخراج قريش من مكة رغم ضعف المسلمين ، تخيلوا أبا بكر يتهمه بالخَوَر ، وما كان الموقف ، كان عندما عزم الصديق رضي الله عنه على قتال المرتدين .
أ جبّار في الجاهلية ، خوار في الإسلام يا عمر ؟
لم يكن عمر رضي الله عنه خواراً يوماً لا في جاهليته ولا في إسلامه بل كان دائماً مهيباً مرهوب الجانب حتى من قبل أقرب الناس إليه وذاك لبطشه أيام الجاهلية ، فما أسلم لم يتحول إلى مخلوق ضعيف يرتدي ثوباً (كلابية ) بيضاء ربما تكون قصيرة ، ويضع على رأسه طاقية بيضاء وربما شماغاً ، ساكت مسكين أي باختصار ( درويش ) والدرويش ليست خاصة بمهابيل الصوفية بل هي تعبير اجتماعي عام عن حالة ( المسكنة ) التي يتلبسها البعض كدليل على الالتزام ، وما فهموا الدين ولو فهموه لعلموا أنه دين عزة وليس دين مسكنة ، فعمر والحمزة وخالد والمقداد وغيرهم من الأبطال في الجاهلية تحولوا إلى الإسلام و لكنهم لم يتحولوا إلى مجموعة من ( الدراويش ) ، بل تحولوا إلى أبطال من نوع آخر أبطال صقلتهم العقيدة وشذبت أنيابهم ولكنها لم تمحها فضلاً على أن تقتلعها ، وضعت حداً لاندفاعهم و لكن لم تقيدهم ، إن العقيدة التي حملها أولئك الأبطال لم تنكر عليهم شجاعتهم و جرأتهم ، ولكن فقط حرفت تلك القوة إلى مسارٍ جديد ، فكانت لهم كالسد الذي يحجز النهر العظيم ، يوقف اندفاع النهر الأهوج ويوقفه ليس لمجرد الإيقاف ولكن لتوجيه مسيره من جديد بحيث يتحقق منه النفع الأكبر في الري و خدمة البشر .
فعمر فور إسلامه خرج يقود المسلمين خلفه في صف و على الصف الآخر حمزة ، خرجوا إلى الكعبة ولم يجرأ أحد من صناديد قريش أن يتعرضهم ومن ذا الذي يجرأ على التعرض لحمزة وعمر.
ومنذ اليوم الأول لإسلامه بدأ يتوعد قريش ويهددهم ، فكان أن حوّل جبروته وبطشه السابق إلى قوة يحمي بها الدعوة .
وخالد القائد الذي هزم المسلمين في أحد لم ينقلب إلى ( بياع سبح وعطور) على باب المسجد بعد إسلامه ، بل بقي قائداً عسكرياً ورجل معارك ، ولم يقطع يده التي قتلت المسلمين يوماً ، بل غير فقط الوجهة التي تبطش بها يده ، فحوّل السيف ( الجامد ) في يده من أداة جريمة إلى أداة جهاد وفتح فكان سيف الله المسلول .
بعد هذه المقدمة مع الأحبة نعود إلى حبيبنا أبي مصعب ، فقد حاول الكثيرون أن يتهموه اتهامات كثيرة تطعن فيه كان آخرها كما أذكر ما ذكره أحد الأمريكيين في برنامج عرضته العبرية عن أبي مصعب قال في ذلك العلج أن أبا مصعب سجن في شبابه كثيراً لقضايا جنائية منها قضية اغتصاب . . عليه من الله ما يستحق .
أما أكثر التهم التي نسمعها من أعداءه فهي اتهامات تتعلق بأيام شبابه قبل الخروج إلى أفغانستان ، حول قوته وتصرفاته في مدينة الزرقاء ، وأنه كان فتوّة أو ( بلطجياً ) في الحي ، أي يعتدي على الضعفاء ويسلبهم أقواتهم او يفرض الأتاوات عليهم ليقيهم شره .
وهنا أترك المجال لصهره أبي قدامه ليتحدث عنه ، حيث قال في كتابه ( فرسان الفريضة الغائبة ) الذي نشرته الحسبة :
" لم تكن له فتوة من قبل ، كان يعيش كما يعيش الناس ، لكنه كان يحقق ذاته برجولته الأبية منذ صغره ، لم تكن له علامات فارقة عن بقية أقرانه ، التقيت أقرانه قبل الالتزام فأثنوا عليه خيراً ، وقالوا ظلم أبو مصعب ، وكذب عليه كثير وشوهت صورته. لم يطعن به أحد من معارفه الذين التقيتهم أو يعيب عليه خلق ، لم يكن كما صوره بعض أعدائه ، لكنه كان قوياً ، ولم يكن بلطجياً ، لقد كان حقانياً منذ البداية ، كان قوياً ويحقق ذاته بقوته ، ولا يسمح لأحد أن يتمرد أو يستعلي عليه...كان معروفاً ومشهوراً في حارته ، وكان أكبر إخوته من الشباب ، وأقواهم ، و معروفاً عنه أنه يجبل التراب لأهل الموتى حتى يوضع داخل القبر ، كذلك يأتي بشجر النخيل الصغير ويبيعه لأهل الموتى في أيام الأعياد وغيرها ، كان التسول لدى الشباب ظاهرة عند الفتية اليافعين وخاصة في أيام الأعياد . " انتهى كلامه.
إذن هذه بعض صفات القوة عنده قبل توجهه نحو العمل الإسلامي عموماً والجهادي خصوصاً ، فهو لم يكن جباراً معتدياً بل كان شاباً عادياً قوياً يتكسب من كد يمينه ، كان قوياً يفرض نفسه بقوته في مجتمعه ، ثم سلك طريق الدعوة والجهاد ، هل ترك تلك القوة في بنيته وشخصيته وتحول إلى الدروشة ؟
لا أبداً بل قام بتحويل تلك القوة والشجاعة إلى ميدانٍ آخر إنه الجهاد في سبيل الله سواء كان في جبهات القتال أم في السجن ، فقد بقي على تلك القوة التي تميز بها في شبابه واستخدمها في السجن أحسن استخدام ، وكان من نتائجها أن بايعه أصحابه أميراً لهم في السجن وما ذاك إلا لأنه كان الأقدر على التعامل مع السجانين حيث كانت شخصيته القوية وشجاعته درعاً أمام جبروتهم وعنجهيتهم ، وسجن في الانفرادي بسبب تلك الشخصية وتعامله الجلف مع السجانين .
وكذلك عند انتقاله للجهاد في أفغانستان ثم العراق ، فقد كانت الغلظة والشدة في تعامله مع الكفار والمرتدين وخطابه لهم سمة ظاهرة عند أبي مصعب .
إذن صفات القوة السابقة لديه قبل سلوكه سبيل الجهاد ، من شجاعة وإقدام وعدم مبالاة بالخصم مهما كانت قوته ، حافظ عليها بعد تحديد الوجهة الجديدة ، ولكن غير اتجاه الاستفادة من تلك الطاقات ، فبدلاً عن التصدي لبلطجية الحارات وفتواتها ، أولئك الشباب المفتولي العضلات المسلحين دائماً بسكين أو زرد أو ربما مسدسات ، و جد خصوماً أهم وأكبر ليتحداهم فكان أن شارك في التصدي للسوفييت الشيوعيين أصحاب أقوى جيش بري في الأرض ، ثم انتقل إلى تحدي الطواغيت الحاكمين في بلده وجهر بمعاداتهم وتكفيرهم والتحريض على الخروج عليهم ، ولقي من الأذى ما لقي ، وحتى وهو في قبضتهم وفي سجونهم لم يخفف من تحديهم فكان أن تحدى السجانين والقضاة ودعاهم إلى التوبة ، ثم انتقل بعد عدة مراحل ليتحدى هو وإخوانه أكبر قوة على وجه الأرض دون أن يهاباها أو يحسب لعنجهيتها وجبروتها حساباً .
وكذلك قوته البدنية وشدة بأسه ، لم يتخل عنهما أبداً بل حافظ عليهما ، ليس لإبراز عضلاته المفتولة وقوته أمام الناس كما يفعل معظم الشباب ولكن ليتقوى على أعداء الله .
إذن هذا هو المعلم الأول من معالم الشخصية القيادية عند أبي مصعب رحمه الله والتي أهلته ليبلغ ما بلغ وهي :
تحويل كل جوانب القوة فيه إلى خدمة هدفه ، والاستفادة من كل قدراته التي كانت عبثية لعدم توجيهها الوجهة الصحيحة ، استفاد منها ووجهها فأحسن استعمالها ، ونمى بها حتى بلغ مرتبة علية .
نسأل الله أن يرفع مقامه في عليين .
عبد العزيز الدليمي
2 رمضان 1428