لا شك أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي باغتت الولايات المتحدة الأمريكية في عقر درها وأعلن تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن مسؤوليته عنها شكلت مفرقا هاما وفصلا جديدا في علاقة المسلمين مع الغرب, والولايات المتحدة على وجه الخصوص, وتركت بصمات واضحة على تلك العلاقة لا يمكن تجاهلها بحال.
وما من شك كذلك في أن واقعة الحادي عشر من سبتمبر كان لها وقع المفاجأة على كثير من المسلمين, لأنها المرة الأولى التي تُضرب فيها الولايات المتحدة في دارها وتقف موقف العجز والذل, لتنهار أمام أعين العالم أسطورة البلد الآمن الذي بطشت يده غالب الأمم بلا رحمة ولا هوادة.
ومن وقع المفاجأة ورحمها تولدت المشاعر والأفكار والروئ والنظريات, فما بين مصدق متهلل, ومنكر شاجب تراوحت ردود الأفعال يصاحبها بين الحين والآخر ترويج لنظرية المؤامرة التي تخندق المسلمين في خانة العجز والمفعول به, في محاولة لإثبات أن عملا بهذا الحجم لا يمكن أن تقوم به حفنه أفراد, وأن أصابع أخرى حتما تقف وراء الحادثة.
وفي الحقيقة لا يعنينا كثيرا الوقوف أمام الحادثة بعينها ودحض نظرية ودعم أخرى بقدر ما يهمنا تناول خطاب القاعدة ومنهجها خلال السنوات الماضية, والوقوف أمام معالم وسمات ذلك الخطاب, مقدمين رؤيتنا في مدى صوابيته في الأوقات الراهنة باعتباره الخطاب الأكثر انتشارا والأعلى صوتا من بين الخطابات والأطروحات الإسلامية الأخرى.
الملامح المنهجية لخطابات بن لادن والظواهري نقول أنه منذ الحادثة المذكورة وحتى حينه يطل علينا بين الحين والآخر زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وساعده الأيمن المصري د.أيمن الظواهري بخطابات متعددة نراها ترسم المعالم الرئيسة والمنهجية ورؤية القاعدة للإشكاليات والأزمات التي تمر بها الأمة وأطروحاتها في التعامل مع هذه الإشكاليات, ونظرتها لغيرها من التيارات إلى تشاركها البحث عن مخرج للأمة من كبوتها التي طال زمنها وتشعبت أثارها ولكنها سلكت فجا آخر وارتأت رؤيا مغايرة.
ولعلنا نجمل تلك السمات والملامح الخاصة بالخطابين الأخيرين لزعيم القاعدة أسامة بن لادن ومساعدة ايمن الظواهري في العناصر التالية: 1ـ أن ما تقوم به الفصائل الجهادية التابعة للتنظيم من أعمال تستهدف الغرب في عقر داره سواء في الولايات المتحدة أو مدريد أو لندن أو غيره من المدن الغربية هو نتيجة حتمية لغطرسة رؤسائها الذي أتوا بجيوشهم ديار الإسلام فاحتلوا أرضه ونهبوا ثرواته وهتكوا عرض أبنائه.
فقد أوضح ذلك بن لادن في رسالته الصوتية الأخيرة التي أذاعتها الجزيرة يوم الخميس 19/1/2006 , حيث وجه خطابه إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لتوجهاتها قائلا:
"...قد احتللتم أرضنا واعتديتم على أعراضنا وكرامتنا وسفكتم دماءنا ونهبتم أموالنا وهدمتم دورنا وشردتمونا وعثتم بأمننا وسنعاملكم بالمثل".
2ـ الإصرار على الفصل ما بين الشعوب والأنظمة, سواء في الوطن العربي والإسلامي أم في الغرب, ومحاولة تعرية تلك الأنظمة أمام شعوبها واستثارت حميتها تمهيدا لإسقاطها وتجاوزها.
فقال لظواهري في خطابه يوم الجمعة 6/1/2006"...وكلنا يعلم أن قيادة الجيش الباكستاني هي قيادة مرتشية، [...]، وكلنا يعلم أن حزب الحكومة في باكستان مجموعة من المنافقين جمعهم برويز بالرشوة".
وقال في فقرة أخرى:"يا شعوب التحالف الصليبي هل تعترفون ما سبب هزيمتكم في العراق، وخسائركم في أفغانستان، وفلسطين، السبب الأساسي بمنتهى البساطة هو أنكم ترفضون الاعتراف بالواقع، تسيرون خلف الأوهام، يخدعكم بها بوش وبلير".
وقال بن لادن في خطابه"...استنهض همتي للحديث مغالطات رئيسكم بوش المتكررة في تعليقه على نتائج استطلاعات الرأي عندكم والتي أفادت أن الغالبية العظمي منكم يرغبون بسحب القوات الأمريكية من العراق..."
وجاء في فقرة أخرى "...إنما هي مسالة وقت ترتبط إلى حد ما بوعي الشعب الأمريكي بحجم هذه المأساة وان العقلاء يعلمون أن بوش لا يملك خطة لتحقيق نصره المزعوم في العراق".
3ـ أن المعركة ستنقل من أرض الإسلام إلى ديار الكفر, وأن الكأس التي يتجرعها المسلمون بكرة وعشية لابد وأن يذوق ساكني الغرب مرارتها على يد النخبة المجاهدة التي انضوت تحت لواء الجهاد والقاعدة وآثرت الآجلة على العاجلة.
حيث صرح بن لادن في رسالته الأخيرة "إننا قوم لا ننام على الضيم ونطلب الثأر مدى العمر ولن تذهب الأيام والليالي حتى نثار كيوم الحادي عشر من سبتمبر بأذن الله,[...], ويصير الأمر إلى ما تكرهون وأما نحن فليس عندنا ما نخسره...".
4ـ أن الحرب التي تشنها العناصر المجاهدة على الغرب لن يهدا أوارها ولن يخمد بركانها إلا بانسحاب جيوش الصليب من عقر دار المسلمين, ووقف الحرب الضروس على ديار المسلمين سواء في أفغانستان أو العراق أو فلسطين أو غيرها من ديار الإسلام.
وقد تجسد ذلك في أكثر من خطاب لزعيم القاعدة أسامة بن لادن, حيث طالب في خطابين منفصلين الولايات لمتحدة والدول الغربية المتحالفة معها بهدنة " طويلة الأمد بشروط عادلة نفي بها فنحن أمة حرم الله علينا الغدر والكذب لينعم في هذه الهدنة الطرفان بالأمن والاستقرار...".
وكما أشار الظواهري في خطابه موجها الحديث للولايات المتحدة والقوى الغربية" ...ولن تنتهي كوارثكم إلا إذا خرجتم من ديارنا وتوقفتم عن سرقة ثرواتنا، وكففتم عن دعم الحكام الفاسدين في بلادنا...".
5ـ أن حلم الأمة بالتحرر من جبروت الغرب وسطوته لن تكون إلا بالجهاد, وأن غيرها من الأدوات كالانخراط في العملية السياسية والانتخابات في الدول العربية والإسلامية لن تجدي نفعا ولن يجنى من يقفون ورائها إلا السراب, فضلا عن أنهم يُلبسون على الأمة منهجها ويغبشون طريق النصر.
فقد نص بيان الظواهري الأخير على إنها[ الانتخابات] "لعبة خداع الشعوب المسلمة لإلهائها عن حقوقها الأساسية في الحكم بالشريعة والتحرر من المحتل وصيانة حرماتها ومحاسبة حكامها".
ووجه خطابه للأمة قائلا:"..أمتي المسلمة، لن تتمتعي بانتخابات حرة، وحرمات مصانة، وحكومات محاسبة أمام شعوبها، وقضاء مهاب محترم، إلا إذا تحررت من الاحتلال الصليبي الصهيوني، ومن الحكومات الفاسدة المفسدة، ولن يتحقق ذلك إلا بالجهاد في سبيل الله...".
وأضاف في فقرة أخرى: "إن فتات الحريات الذي تسمح به أمريكا مضطرة، لم تتنازل عنه إلا تحت قرع ضربات المجاهدين في أفغانستان والعراق وفلسطين، ولولا الله ثم تضحيات المجاهدين في العراق وأفغانستان، لانطلقت الدبابات الأمريكية من بغداد لتدك منازلنا في الرياض وعمان والقاهرة".
6ـ أدان الظواهري في غير مرة من أسماهم "فقهاء السلطة", و"فقهاء التسول" الذين ارتضوا الركون إلى الدنيا وباتوا يثبطون عزم الأمة عن الجهاد ويحبطون حلم التحرر من غطرسة الغرب وجبروته, وتوعدهم في خطابه الأخير بقوله"... أما عملاء أميركا الذين باعوا لها دينهم وكرامة شعوبهم فقد دنا وقت حسابهم على أيدي الأمة المجاهدة[...] أما تجار الدين، وفقهاء التسول ومروجو الخرافات الذين منعوا المقاومة ضد المحتل، والذين عقدوا صفقات الخيانة مع الصليبيين، فسيتركهم الصليبيون وحدهم كما يترك الشيطان أولياءه في كل موقف عسير...".
7ـ أن المعنى بقيادة الأمة وريادتها, وفقا لما سبق, هو الفصيل لذي حمل لواء الجهاد, ومن ثم ترى في خطابات الرجل الثاني في التنظيم تكريسا لهذا الفهم, من خلال ندائه المتكرر للأمة و توجيه النصح لها, بل وكذلك توجيه الخطاب إلى الخصوم باسمها.
فبدا خطابه الأخير بقوله "أبدأ حديثي بما ذكرته مرتين سابقا من دعوة الأمة الإسلامية عامة والهيئات الخيرية والإسلامية خاصة لإغاثة وإعانة إخوانهم المتضررين من الزلزال في باكستان...".
وقال في فقرة أخرى "....وإذا كنت أواسي أمتي المسلمة في مصابها بزلزال باكستان، فإني اليوم أهنئها وأبارك لها بانتصار الإسلام في العراق".
كما جاء في خطابه"...الأمة المسلمة لن ترضى أن تعاملوها معاملة العبيد والحيوانات، وطالما لم تتعاملوا مع الأمة المسلمة على أساس من التفاهم والاحترام فستظلون تنتقلون من كارثة لأخرى...".
8ـ الخطابان يتعاملان مع الغرب من منطلق القوي والمنتصر الذي يفرض شروط لوقف الحرب, ولا ينتظر من الخصم إلا القبول أو الرفض.
فقد حسم الظواهري الحرب في خطابه وزف للأمة بشائر النصر "...ولكن كل هذا لا ينطوي على أمتنا المسلمة وطليعتها المجاهدة التي أكرر لها التهنئة بانتصار الإسلام وهزيمة الصليبية في العراق".
وقال مخاطب بوش" ...وعليك يا بوش أن تعترف أنك انهزمت في العراق، وأنك تنهزم في أفغانستان، وستهزم قريبا في فلسطين، بعون الله وقوته".
وقد تكفل بن لادن بعرض الهدنة وشروطها"...ولكن القول الذي تهرب منه ، وهو جوهر نتائج استطلاعات الرأي بسحب الجنود هو انه من الأفضل أن لا نقاتل المسلمين على أرضهم ولا يقاتلونا على أرضنا ولا مانع لدينا من إجابتكم إلى هدنة طويلة الأمد بشروط عادلة ...".
9ـ التبشير بفتح مجالات جديدة للجهاد, وقد حمل ذلك خطاب الظواهري, حيث نادى في الأمة "ويا أمتنا المسلمة تقدمي واقرعي أبواب بيت المقدس، أقيمي خلافتك الراشدة وانشري لواء التوحيد والجهاد وانتزعي حقوقك من بين أنياب الذئاب".
وقال في موضع آخر:"..لولا خيانات الحكومات الباكستانية التي منعت أخوانهم المجاهدين من كل أنحاء العالم من الوصول إلى كشمير، لولا كل هذا لكان آلاف المجاهدين من كافة أنحاء العالم الإسلامي اليوم يتدفقون على كشمير للجهاد وللإغاثة، ولكن صبرا فعسى الله أن يأتي بفتح أو أمر من عنده...".
10ـ الإشارة إلى طول أمد المعركة, وقد وضح ذلك من تذكير زعيم القاعدة بالحرب مع الاتحاد السوفيتي وخروجه مندحرا من أفغانستان.
فجاء في نص خطابه" ...ولا تغرنكم قوتكم وأسلحتكم الحديثة فهي تكسب بعض المعارك ولكنها تخسر الحرب والصبر والثبات خير منها والعبرة بالخواتيم, ولقد صبرنا في قتال الاتحاد السوفييتي بأسلحة بسيطة عشر سنين فاستنزفنا اقتصادهم فصاروا بفضل الله أثرا بعد عين لكم في ذلك عبرة ولنصبرن في قتالكم [...] ولن نفر من الكفاح حتى يفر السلاح". ثوابت وضوابط الفهم وقبل أن نعرض وجه نظرنا ورؤيتنا التي تتمثل في حاجة الأمة إلى خطاب مغاير ومنهجية مختلفة كان لابد من التذكير والتعرض لمجموعة من الثوابت كي ننئ بأنفسنا عن خطابات التخوين والعمالة إلى خطابات الاجتهادات المختلفة والرؤى التصويبية فنقول:
1ـ أن فرضية الجهاد بصورته الشاملة ووجوبه على الأمة سواء لنشر الدين أو لدفع ما نزل بها من ضر ليست محل جدال أو نقاش, فنصوص القران والسنة في هذا المجال واضحة وحوادث السيرة مؤكدة معضدة, فلا مجال هنا للتشكيك في هذا الفرضية وثبوتها, وإنما اختيار آلة الجهاد المناسبة ترتبط بالضرورة بالمصالح والمفاسد المترتبة عليها وهي تختلف باختلاف الأزمان والأحوال, وهذا كله مبسوط في مظانه من الكتب والبحوث.
2ـ أن ثمة بلاء نزل بالأمة كلها فقد احتلت أراضيها ونهبت ثرواتها وانتهكت حرمات أبنائها, وأن الحال يقتضي تفاعلا وتناغما وتكاتفا من الجميع لدفع ما نزل بالأمة من نوازل, وأن موقف المشاهدة والامتعاض فقط لهو موقف منكر شرعا قبل أن يكون مخزيا لصاحبة حضاريا وسياسيا وتاريخيا قبل يوم الحساب.
3ـ أن الغرب في عدوانه على بلاد المسلمين لا يحدوه فقط نهب ثرواتها واحتلال أراضيها, بل هو مدفوع بعقيدة حاقدة على المسلمين ودينهم, ومن ثم فالصراع ليس اقتصادي بطبعة ـ وإن مثل ذلك أحد جوانبه في بعض الأحيان ـ فهو صراع عقدي بالأساس, وقد ظهر ذلك جليا واضحا بصورة لا تحتاج إلى شواهد ودلائل, وقراءة سريعة للواقع تخبر من يحتاج إلى براهين وأدلة.
4ـ لا يمكن بحال أن يدعى فصيل من فصائل العمل الإسلامي أيا كان حجمه ووضعه ومرجعيته العصمة في خطابه, أو أن يدعى أن منهجه ورؤيته للواقع الذي تمر به الأمة وآلية تغييره بعيده عن التمحيص والاختبار, فكل المناهج لابد من وضعها على ميزان النقد والمراجعة المضبوط والمسيج بسياج الشرع وحدوده وآدابه.
5ـ الرغبة التي تدعونا للمراجعة والتصويب هي نفع الأمة والإخلاص لها, وترشيد العمل وصلاحه وليس مجرد التجريح والتعرض للشخصيات والأفكار, فما يعنينا في النهاية "سلامة المنهج", لا "منهج السلامة".منهجية القاعدة في ميزان المراجعة والتقييم
وإذا ما تعرضنا لمنهجية القاعدة وأسلوب عملها الذي لا يشك احد في أنها تبغي به نصره الإسلام والمسلمين والدفاع عن قضاياهم العادلة فإننا نرصد تجاوز لبعض الخطوط وتجاهل للبعض الآخر,
ويمكن إبراز وجهة نظرنا في النقاط الآتية:
1ـ أنها اختزلت المشروع الإسلامي في خانه الجهاد, ومنازلة العدو الغربي, وباعتبار أن صوتها الأعلى في الساحة من غيرها من فصائل وتيارات العمل الإسلامي الأخرى فان الغرب بات يرى الإسلام من منظور أعمال القاعدة ولا يراه بصورته الشمولية الواضحة.
ولاشك أن لهذه الرؤية مردودها على عموم الشعب الغربي الذين من المفترض أن يكونوا محل دعوة وتبيين, كما أنها تترك أثرا سلبيا على بعض المنصفين هناك, هذا فضلا عن الأزمة الحقيقة الذي يجدها المسلم الغربي ـ الذي ليس بالضرورة مهاجر من ديار الإسلام إلى هناك ـ في الدعوة بل وفي التمسك بدينه.
2ـ استهدافها للمدنيين الغربيين شوه إلى حد كبير من صورة الجهاد الإسلامي الذي علمناه من الرعيل الأول, جيل الصحابة, ـ الذي لم يخرج عن الحدود والضوابط الشرعية في جهاده وحربه ـ وهو ما أعطى مبررا لدمغ الجميع بالإرهاب وأحبط الآلة الإعلامية التي جاهدت ونافحت من أجل نصرة قضاياهم, والبعد الإعلامي له أثر لا يغفل ولا يقل أهمية عن الجهاد ذاته في الوقت الراهن.
3ـ الأعمال التي قامت بها القاعدة ونقلها للحرب إلى الدول الغربية المناوئة استهدفت بالدرجة الأولى التأثير على الشعوب لتقوم بدورها بالتأثير على ساستها لحثهم على التراجع عن عدوانهم على بلاد المسلمين, ونحن نرى في ذلك تجاهلا لآلية صنع القرار السياسي والتوجهات الاستراتيجية في هذه الدول التي تخضع لبحوث ودراسات مؤسساتية قد تراعى في بعض جوانبها المزاج الشعبي ولكن في النهاية تدفعها رؤيتها المستقبلية وفهمها لطبيعة الصراع لصنع القرار الذي تريد.
كما أن فرضية التأثير على الشعوب لتقوم بدورها في إسقاط الرؤساء غير مسلمة ولا يصح بناء الاستراتيجية عليها, فالرئيس الأمريكي جورج بوش أعيد انتخابه للمرة الثانية رغم كونه الركن الأبرز وقاعدة الأساس في الحرب على المسلمين, وهو الذي دشن حربا ضد المسلمين تحت مسمى الحرب على الإرهاب.
وما حدث مع بوش تكرر مع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني, والبريطاني توني بلير رغم إصرارهما على بقاء قواتهما في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد العراق.
وقد يكون صحيحا أن رئيس الوزراء الأسباني خوسيه أزنار قد ساهمت ضربات القاعدة التي تزامنت والانتخابات في إسقاطه, ولكن تبقى حادثة واحدة لا تجد ما يؤيدها ويدعمها كي تبنى عليه استراتيجية بعيدة الأمد خطيرة الأثر.
4ـ الاستراتيجية التي تتبناها القاعدة لم تراع حالة الضعف التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية, فليس من المصلحة الاستمرار في الصدام مع الغرب وبوتقته وصهره جميعا في بوتقة واحدة وتجييشه ضد المسلمين.
فعقب تفجيرات لندن صرح "فرانكو فراتيني" مفوض العدل والأمن في الاتحاد الأوروبي أن المفوضية الأوروبية ستسرع جهودها لتكوين شبكة مخابرات واسعة تضم دول الاتحاد, وأنه سيطلب من الحكومات العمل بسرعة و معا لإقامة شبكة استخبارية أوروبية تعمل من خلال الكمبيوتر.
وأوضح أن التقدم الذي أحرز بشأن إقامة شبكة معلومات للمخابرات لإقرار الأمن كان بطيئاً نظراً لرفض وكالات المخابرات الوطنية تبادل المعلومات عن المصادر وأساليب التجسس لكن التحدي الإرهابي يجبرنا على اقتسام كل ما هو ممكن.
5ـ لهذه الأعمال تأثيرها الواسع على عموم العمل الإسلامي داخل البلاد العربية والإسلامية والغربية كذلك, فقد وجدت بعض الأنظمة الفرصة سانحة ومواتية لإجهاض الحركات الإسلامية ووأدها بدعوى مكافحة الإرهاب والتطرف.
وقد يكون صحيحا أن المواجهة مستمرة من قبل, ولكن تلك الحوادث أعطت المبرر, وجعلت إجهاض هذه الحركات متسارع الخطى, ولعلنا نلحظ ـ على سبيل المثال ـ كيف كان الأثر من تفجيرات لندن على مجمل العمل الإسلامي في باكستان التي سارعت لإغلاق المدارس الشرعية في البلاد وترحيل طلاب العلم إلى بلادهم.
كما امتد الأثر كذلك إلى الدول الغربية نفسها التي قيدت حركة المسلمين فيها وجمدت أموال الحركات الخيرية.
6ـ هذه المواقف والاجتهادات ـ برغم ما ذكرنا من تأثيرها بعيد المدى ـ تتم بمعزل عن قطاع عريض من علماء الأمة ومفكريها, ويأخذ تنظيم واحد على عاتقه القيام بها رغم أنها تترك أثرًا على عموم الأمة. وهنا نرى خللاً حادثًا وبقوة, فلماذا تُحمّل الأمة كلها والصحوة الإسلامية برمتها باجتهادات طائفة أو فصيل.
فالأحداث المؤثرة على الأمة برمتها لابد وأن يكون للأمة فيها من خلال علمائها الربانيين كلمتها التي من المفترض أن تكون مسموعة من قِبل كل الفصائل, وليس من المصلحة تجاهل توجهات وفتاوى العلماء الذين تتلقى الأمة نصائحهم بالقبول والعناية ليس إلا لأنهم يعبرون عن نبضها ورغباتها.
وبقي أن نقول أن مصاب الأمة عظيم وخطرها محدق والعدو متربص من كل صوب, والرغبة جامحة في جمع الكلمة على مشروع سواء يكون "مشروع الأمة" يجمع شتات أبنائها ويلبى حاجاتها ويوفى بشروط شرعها الحكيم.. وعسى المأمول أن يكون قريبا
للكاتب : عصام زيدان