الدكتور علي الغتيت: الرئاسة مدتان ولا داعي للمماطلة
الدستور المصري عكس الأمريكي تماماً
الدكتور علي الغتيت
الذين يتحججون بالدستور الأمريكي بأنه لا يحدد مدة للرئاسة، عليهم قراءة هذا الحوار، وبعدها ربما يراجعون مواقفهم من تعديل المادة 77 من الدستور المصري. 158 عاماً ظل الدستور الأمريكي مجرد عرف غير مكتوب، يلتزم به الجميع، دون أدني محاولة للالتفاف عليه أو المراوغة لتحقيق مصالح شخصية. 158عاماً لم يحاول رئيس أمريكي واحد مخالفة العرف ومد فترة رئاسته أكثر من فترتين متتاليتين، مثلما يحدث في مصر من أجل الاستمرار في الحكم إلي الأبد،
أو من أجل توريث الحكم لأحد أبنائه، كما في دول عربية.
هذا العرف ظل قائماً دون نص دستوري يعاقب من يخالفه، ولأنه كان عرفاً أخلاقياً، التزم به كل رئيس أمريكي منذ جورج واشنطن أول رئيس أمريكي وحتي الحرب العالمية الثانية ثم تحول العرف إلي نص دستوري قائم حتي اليوم.
فرق شاسع بين العرف الأمريكي الذي له قوة القانون وبين الدستور المصري الذي ينتهك علي أيدي الحكام.
في عام 1789 تم وضع الدستور الأمريكي الذي ينص علي أن تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ويشغل منصبه مدة 4 سنوات ويتم انتخابه مع نائب الرئيس الذي ينتخب لنفس المدة، وذلك دون تحديد عدد مرات التجديد، ولكن كان هناك عرف سائد، بألا تزيدمدة الرئاسة علي مدتين متتاليتين، وبالفعل التزم جميع الرؤساء الأمريكيين بهذا العرف، إلي أن جاءت ظروف الحرب العالمية الثانية وتجدد للرئيس روزفلت لمدة ثالثة، بعدها أصر علي الاستمرار في الحكم لدورة رابعة مخالفاً بذلك العرف السائد وفي المقابل لم يستسلم الشعب الأمريكي لهذا الوضع، بل ثار وطالب بألا تزيد مدة الرئاسة علي فترتين فقط، واستجابة لمطالب الشعب، اجتمع الكونجرس الأمريكي في بداية 1947 لمناقشة تعديل الدستوربما يضمن تحديد مدة الرئاسة بفترتين فقط، وحتي يتم إقرار هذا التعديل، كان لابد من موافقة جميع الولايات المتحدة »36 ولاية« في ذلك الوقت، وبالفعل صدقت جميع الولايات علي هذا التعديل، وبعد اكتمال الإجراءات الدستورية للتعديل تمت إضافة النص الجديد للدستور الأمريكي في عام ،1951 وهو التعديل رقم ،21 الفقرة الأولي وتنص علي »أنه لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس لأكثر من دورتين«.
حول الدستور الأمريكي وتعديلاته، كان هذا الحوار مع الدكتور علي الغتيت فقيه القانون الدولي والدستوري وخبير التحكيم الدولي.
* ما ردك علي من يتذرع بالدستور الأمريكي، لعدم تعديل المادة 77 من الدستور المصري؟
ـ لا يجب أن يكون الدستور الوطني من صناعة الفكر الأجنبي، ولا يجوز أن يكون قائماً علي ما يليق بالغرب، بل يجب أن يستجيب لما يطلبه الشعب، وفقاً لضوابط مجتمعية معينة، وذلك تفادياً للعيوب التي قد تظهر فيما بعد، وإذا كانت الحكومة لا تريد تعديل المادة 77 من الدستور فلا يصلح لها أن تتذرع بالدستور الأمريكي، لأن هذا سوف يكون مغالطة كبيرة.. ففي عام 1789 عندما أعد توماس جيفرسون الدستور الأمريكي، تحدث عن فكرة الـ term، وهي ما تعني مدة الرئاسة علي أن تكون المدة الواحدة 4 سنوات، ولكن الدستور لم يحدد عدد مرات التجديد، لذا أعلن جيفرسون تخوفه من صمت الدستور عن هذه النقطة، خشية من إساءة استعمال الدستور، وقال بالنص: إن هذا الأمر من شأنه أن تنحرف الجمهورية لتصبح جمهورية أبدية وراثية، وقال أيضاً: إن عدم تحديد مدة الرئاسة يعتبر مصدر خطر علي الجمهورية، ومنذ ذلك الوقت في القرن الثامن عشر، جري العرف ـ دون نص الدستور ـ علي أن تكون أقصي مدة للرئاسة مدتين فقط دون أن يخالف أي من رؤساء أمريكا هذا العرف، رلي أن جاء الرئيس روزفلت الذي حكم أمريكا أثناء الحرب العالمية الثانية.
* وماذا فعل »روزفلت«؟
ـ حدث ما تخوف منه توماس جيفرسون حيث أساء استخدام الدستور وأصر علي الاستمرار في الحكم 4 مدد متتالية علي عكس ما جري عليه العرف الأمريكي منذ بدايته وحتي ذلك الحين، وهي المخالف الوحيدة للدستور الأمريكي، فيما يتعلق بمدة الرئاسة، مما دعا الكونجرس في 24 مارس ،1947 للمطالبة بإضافة نص صريح إلي الدستور، يقضي بعدم جواز انتخاب الرئيس أكثر من فترتين متعاقبتين يستطيع أن يعود للحكم مرة أخري بشرط أن يتولي رئيس آخر الحكم بعد انتهاء الفترتين، وبالفعل تمت إضافة هذه المادة للدستور في 27 فبراير ،1951 وهكذا تحول تحديد مدة الرئاسة من عرف إلي نص دستوري، بسبب مخالفة واحدة.
* يتضح مما سبق أن تحديد مدة الرئاسة بفترتين ظل عرفاً دون نص قانوني لما يقرب من 158 سنة، دون حدوث انتهاك لهذا العرف سوي علي يد »روزفلت«.. فهل العرف الأمريكي له قوة القانون؟
ـ في أمريكا وبريطانيا العرف أهم من القانون، فعلي سبيل المثال بريطانيا لا يوجد فيها دستور مكتوب، بل أعراف يلتزم بها الجميع، بداية من الملك حتي أصغر موظف، ولم تطبق القوانين في المملكة البريطانية إلا منذ سنوات قريبة، عندما تغيرت الظروف الاقتصادية للعالم.
* وهل يجوز المقارنة بين الدستور المصري والأمريكي؟
ـ لا يجوز المقارنة بين الدستور المصري وأي دستور آخر، إلا رذا كانت الدولتان تخضعا لنفس الظف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالنسبة للدستور الأمريكي فالدستور المصري معاكس له تماماً لأن الدستور المصري الصادر عام 1971 كان ينص علي تحديد مدة الرئاسة بفترتين فقط، ثم تم تعديله عام ،1980 ليكون مدداً المادة 77 أي يجوز انتخاب الرئيس مدد أخري، أي أن الدستور المصري بدأ بتحديد مدة الرئاسة ثم قام بإلغائها، علي عكس الدستور الأمريكي، الذي لم ينص علي تحديد مدة الرئاسة في البداية ثم عاد وحددها، ومن ناحية أخري لا يجوز فرض الدستور علي أي مجتمع إلا للمدة التي يقبلها المحكومون، كما أن تعديل الدستور من وقت لآخر، يدل علي أن الحكم غير دستوري، فهناك قواعد أصولية دستورية تعلو علي الدستور تستطيع من خلالها الحكم علي الدستور، من هذه القواعد مثلاً أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وعلي الرغم من أن هذا النص لا يوجد في جميع الدساتير إلا أنه مطبق في جميع البلدان.
* من واقع خبرتك في القانون الدولي والدستوري هل يمكن الاستعانة بأحد عناصر الأنظمة السياسية مجرداً من بقية العناصر؟
ـ لا.. وعلي سبيل المثال من يريد الاستعانة بالنظام الأمريكي فعليه أن يستعين به كاملاً، فهو قائم علي مبدأ المسئولية والمحاسبة، بداية من الرئيس وحتي رئيس الوزراء وجميع المسئولين وقد منح الدستور الأمريكي للمجلس التشريعي حق إسقاط الحكومة ومساءلتها، كما حدث مع الرئيسين نيكسون وكلينتون، بينما في مصر عندما يطالب أحد النواب بإسقاط الحكومة يطلب رئيس البرلمان العودة إلي جدول الأعمال، لذا فإذا أرادت الحكومة المصرية الاستناد إلي الدستور الأمريكي ـ قبل 1951 عليها تطبيقه كاملاً.. وهناك نقطة مهمة للغاية، وهي أن الفقه الدستوري وفقه القوانين يقضي بألا نبحث عن السوابق الخارجية، إلا في حالة استحالة الوصول إلي حل داخلي، فالتجربة المصرية قادرة علي إيجاد حلول للأوضاع الداخلية السياسية، فلا يجوز الاستعانة بتشريعات أمريكية لإصلاح البيت المصري.