مناقشة موضوع إكرام الضيف في حوارات ثقافية عامة; إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق ، وجميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، وحثَّ عليها المرسلون ، واتصف بها الأجواد كرام النفوس ، فمَنْ عُرِفَ بالضيافة عُرِف بشرف المنزلة ، وعُلُوِّ المكانة ، وانقاد له ...
إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق ، وجميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء ، وحثَّ عليها المرسلون ، واتصف بها الأجواد كرام النفوس ، فمَنْ عُرِفَ بالضيافة عُرِف بشرف المنزلة ، وعُلُوِّ المكانة ، وانقاد له قومُه ، فما ساد أحد في الجاهلية ولا في الإسلام ، إلا كان من كمال سُؤدده إطعام الطعام ، وإكرام الضيَّف ، كما قال ابن حِبَّان يرحمه الله :
" والعرب لم تكن تعدُّ الجودَ إلا قِرَى الضَّيف ، وإطعام الطعام ، ولا تعدُّ السَّخيَّ من لم يكن فيه ذلك " .
وقد حثَّنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على إكرام الضيف ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفَه " [ رواه البخاري ومسلم ] .
وعن أبي شُرَيحٍ خُويْلد بن عمرو رضي الله عنه قال : أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعتْهُ أذناي حين تكلم به ، قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَهُ جائزتَهُ " ، قالوا : وما جائزتُه ؟ قال : " يومٌ وليلةٌ ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدَقةٌ عليه" [ رواه البخاري ومسلم ] .
وفي رواية أخرى عنه أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الضيافةُ ثلاثة أيام ، وجائزتُه يوم وليلة ، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثمه" قالوا : يا رسول الله وكيف يؤثمُهُ ؟ قال : " يقيم عنده ولا شيء له يقْرِيه به " [ رواه مسلم ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : " إن لزَوْرِك عليك حقًّا " [ رواه البخاري ومسلم ] .
ويقر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي على قوله لأبي الدرداء : " إن لضيفك عليك حقًّا " [ رواه الترمذي ] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك فقال : " ما من الناس مثل رجل آخذ بعنان فرسه ، فيجاهد في سبيل الله ، ويجتنب شرور الناس ، ومثل رجل في غنمه يقري ضيفَهُ ويؤدِّي حقَّهُ " [رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهودٌ ( المجهود من أصابه الجهد والمشقة والحاجة والجوع ) .
فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءٌ .
ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهنَّ مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق .
فقال : " من يُضيف هذا الليلة رَحمه الله " فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله .
فانطلق به إلى رحْلِهِ فقال لامرأته : هل عندك شيءٌ ؟ قالت : لا إلا قُوتُ صِبياني .
قال : فعلليهم بشيء ، فإذا دخل ضيفنا فاطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السِّراج حتى تُطفئيه .
قال : فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة " [ رواه البخاري ومسلم ] .
فانظر إلى هذا الكرم كيف رفع منزلة أهل هذا البيت حتى أخبر الله نبيه خبرهم وعجب من صنيعهم !! .
قال الشاعر :
أولئك قومٌ إن بنـوا أحسنـوا البِنَا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدُّوا
وإن كانت النعماءُ فيهم جزَوا بها وإن أنعموا لا كـدَّروها ولا كـدُّوا
وعلى المضيف عدم احتقار القليل ، بل يجود بالموجود ولو بشق تمرة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن احتقار القليل .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا نساء المسلمات ، لا تحقرنّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسنَ شاةٍ " .
وعنه أيضًا قال : " خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ينقلب ، فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليخرج العُكَّة ( وعاء من جلد يوضع فيه السمن والعسل ) ، ليس فيها شيءٌ فنشُقُّها ، فنلعق ما فيها " .
قال ابن حبان يرحمه الله : " يجب على العاقل ابتغاء الأضياف ، وبذل الكِسَر ؛ لأنَّ نعمة الله إذا لم تُصَن بالقيام في حقوقها ، ترجع من حيثُ بدأتْ ، ثم لا ينفع من زالت عنه التَّلهُّف عليها ، ولا الإفكار في الظَّفر بها ، وإذا رأى حقَّ الله فيها ، استجلب النماء والزيادة ، واستأخر الأجر في القيامة ، واستصغر إطعام الطعام .
وعنصر قِرَى الضيف هو تركُ استحقار القليل ، وتقديم ما حضر للأضياف ؛ لأن من حقر منع من إكرام الضيف بما قدر عليه ، وترك الادخار عنه ، وقد سئل الأوزاعيُّ – رحمه الله – ما إكرامُ الضيف ؟ قال : طلاقةُ الوَجْهِ ، وطيبُ الكلام " .
فانظر – أخي الحبيب – إلى فقه هذا الإمام الذي جعل إكرام الضيف في طلاقة الوجه ، وطيب الكلام ، وقارن ذلك بحال أهل زمانك ، فالضيافة عند أكثرهم هي بتكثير الطعام ، حتى إنك تجد كثيرًا من الناس من يمتنع عن القِرَى لعدم وجود اللحم في حال وجود الضيف ، والقاصد لوجه الله يجود بالموجود ، ولا يتكلف التكلف الذي هو فوق الطاقة ، وأما ما دون ذلك فلا بأس به ، بل هو محمودٌ لقول الله سبحانه وتعالى – في شأن إبراهيم خليله لما أتاه الأضياف – { فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } [ الذرايات : 26 ] .
وقال تعالى : { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [ هود : 69 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلةٍ فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ " قالا : الجوع يا رسول الله .
قال : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا " ، فقاموا معه ، فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأتهُ المرأة قالت : مرحبًا وأهلاً وسهلاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين فلان ؟ " قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء .
إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، ثم قال : الحمدُ لله ، ما أحدٌ اليوم أكرَمَ أضيافًا مني .
قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بُسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المُدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياك والحَلُوب " ، فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا .
ومن تمام الضيافة أن تفرح بمقدم ضيفك ، وتظهر له البشر ، وأن تلاطفَهُ بحسن الحديث ، وتشكرَه على تفضله ومجيئه ، وتقوم بخدمته ، وتظهر له الغِنى وبشاشةَ الوجه ؛ فقد قيل : البشاشة في الوجه خير من القرى ، وقد نظم بعضهم هذا الكلام بأبيات فقال :
إذا المرءُ وافـى مـنزلاً منك قاصـدًا قراكَ وأرمَـتْهُ لديــك المسـالكُ
يا ضيفنـا لو زرتنـا لوجـدتنا نحـن الضيـوف وأنت رب المنـزل
وقال سيف الدولة ابن حمدان :
مـنـزلنـا حـب لمــن زاره نحـن ســواء فيـه و الطـارق
وكل مـا فيـه حـلال لــه إلا الذي حــرمــه الخـالـق
قال ابن حبان يرحمه الله : " ومن إكرام الضيف طيبُ الكلام ، وطلاقة الوجه ، والخدمةُ بالنفس فإنه لا يَذِلُّ من خدَم أضيافه ، كما لا يعِزُّ من استخدمهم ، أو طلب لِقرَاه أجرًا " .
وكرام الناس وسادتهم يقضون هذا الحق ، فيقبلون على ضيوفهم ، ويرفعون من قدرهم ، ويُعلون من منزلتهم ، والتقربُ تجمُّلُ الحديث ، والبسطُ ، والتأنيسُ ، والتلقّي بالبشر من حقوق القِرَى ، ومن تمام الإكرام .
وقالوا : "من تمام الضيافة الطلاقة عند أوَّلِ وهْلَةٍ ، وإطالةُ الحديث عند المأكلة " .
وقال حاتم الطائي :
سَلِي الجـائـعَ الغَرْشـان يا أُمَّ مُنـذرِ إذا ما أتـاني بَين ناري ومجْـزري
هل أبسطُ لـه وجُهي إنـه أولُ القِرَى وأبـذل معـروفـي له دُونَ مُنْكَري
وقال آخر :
وإني لطلق الــوجـــه للمـبـتــغـي القِــرَى وإن فـنـائـي للقِـــرى لَرَحـيـــبُ
وما الخَصْبُ للأضياف أن يكثر القِـرَى ولكنَّمـا وجُــهُ الكـريــم خصيـبُ
وإذا كان معك أكثر من ضيف ، فأقبل على كُلِّ واحدٍ منهم بوجهك ، ولا تخصَّ أحدًا دون الآخر بحديثك ، أو شيء من ضيافتك ، وحاول أن تلتمس رضى كل واحد منهم ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس لضيوفه ، فقد كان يعطي كل واحدٍ من ضيوفه نصيبَهُ ، ولا يحسبُ ضيفُهُ أن أحدًا أكرمُ عليه منه .
فأقبل يسـعى في البساط فما دَرَى إلى البحر يسعى أم إلى الشمس يَرتقي
واعلم – أخي في الله – أن العبوس وإبداء الضيق ، وكثرةَ الدخول والخروج لغير حاجة ، ونهر الأطفال أو الخادم بحضرة الضيوف – دليل الشُّحِّ ، وأمارةُ البخل ، والموتُ خيرٌ من إجابة دعوة بخيل، كما قيل :
وللمـوتُ خيرٌ من زيارة باخلٍ يلاحظُ أطرافَ الأكيـلِ على عَمـدِ
رزقنا الله وإياكم نفوسا كريمة سخية ، ووجوها باسمة ندية ، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأجواد سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
بارك الله فيك حقا انها مواضيع مفيدة (اللهم انت ربي لا اله اللا انت خلقتني و انا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت ابوء لك بنعمتك علي وابوء بذنبي فاغفر لي فانه لايغفر الذنوب اللا انت