البراغماتية الأميركية كانت دائماً السباقة للانتفاع من فاعلية العلوم الإنسانية والسيكولوجية خصوصاً، وكانت السياسة ميداناً من أهم ميادين الانتفاع من المعلومات السيكولوجية بما فيها من ملاحظات وتحليلات وتوقعات. ويهمنا في هذه العجالة التركيز على موضوع انتخابات الرئاسة الأميركية والمواقف الاختصاصية منها. حيث تتفق هذه المواقف على وجاهة القضية الأخلاقية. فالرئيس الأميركي هو حامي الدستور الذي يعتبره الأميركيون بمنزلة التوراة الجديدة. وعلى حاميه أن يكون أخلاقياً إلى أبعد الحدود. لكن مبادئ الحرية الشخصية توزع هذه المواقف المتطابقة إلى فروع ثلاثة هي:
أ- الاتجاه الذي يمثله كيث سيمنتون مؤلف كتاب "لماذا ينجح الرؤساء الأميركيون؟". وهو اتجاه يؤكد عدم وجود علاقة بين كفاية الرئيس وبين أدائه في السرير. وهو يدعم رأيه بسرد قائمة طويلة من الرؤساء السابقين المتورطين بعلاقات خارج إطار الزوجية.
ب- الاتجاه الذي يمثله جيمس دافيد باربر-مؤلف كتاب "الأخلاق الرئاسية-التنبؤ بالأداء في البيت الأبيض". وهو يصر على الربط بين أخلاق الرئيس وبين أدائه. بل إنه يرى أن الأخلاق أهم من الشخصية نفسها. لذلك يشدد هذا الاتجاه على دراسة سلوك الرئيس.
ج- الاتجاه الذي يمثله روبرت هورغان وهو عالم شخصيات ومن هنا إصراره على أن سمات الشخصية (الذكاء والمرونة ودرجة الحياء والكبت… إلخ) هي التي تحدد سلوك الرئيس وتتحكم في أدائه.
لكن السيكولوجيا السياسية لا تهدف أساساً إلى دراسة أخلاق أو سلوك المرشحين بقدر ما هي تسعى لمنع أشخاص مضطربين نفسياً من تولي مناصب حساسة. ومن هنا إخضاع المرشحين لهذه المناصب للاختبارات النفسية والمقابلات الفردية.
وإذا كانت فضيحة مونيكا قد طرحت الجانب الجنسي للقضية الأخلاقية فإن المعلومات عن إدمان الكحول والمخدرات، في أثناء الحملة الحالية من قبل المرشحين، قد طرح جانباً إضافياً هو جانب التوازن النفسي لدى الرؤساء والمرشحين. وهكذا بات بالإمكان الحديث عن فئتين منهم:
1- الرؤساء الخائنون و 2- الرؤساء المضطربون.
1- الرؤساء الخائنون
أُجريت مراجعات عديدة أدت لوضع قوائم بالرؤساء الأميركيين الخائنين لزوجاتهم. وتضم هذه القائمة الرؤساء: هاري غرانت (خصوصاً علاقته بالعارضة دونارايس) وبات روبرتسون (لمغامراته العبثية الشبابية) وجون كيندي (خصوصاً علاقته لمارلين مونرو) وليندون جونسون (المتصابي) وأخيراً بيل كلينتون وقائمة الحريم التابعة له.
2- الرؤساء المضطربون
نظراً للانفتاح الذي يبديه الأميركيون تجاه السيكولوجيا وفاعليتها فقد تأخر طرح موضوع "الرئيس الأميركي المضطرب" حتى فترة متأخرة، ولقد لاحت البوادر الأولى لهذا الموضوع مع ترشيح جون كينيدي للرئاسة. فقد كانت أخته ماري تعاني اضطراباً نفسياً لم يلبث أن تحول إلى إعاقة عقلية بعد خضوعها لمحاولة علاج عن طريق جراحة دماغية. مما أدى إلى بقائها نزيلة مصح عقلي حتى نهاية حياتها. ثم عاد الموضوع للظهور بعد الإفراج عن مراسلات خاصة بالرئيس أبراهام لنكولن تبيّن معاناته الكآبة واضطراب المزاج (تبدو واضحة على هيئة وجهه) وتوحي بممارسته للشذوذ الجنسي. وبما أن هذا الرئيس كان محرر العبيد، ويتمتع بمكانة مرموقة بين الرؤساء الأميركيين، فقد كان لأخبار اضطرابه أثر الصدمة على قطاع من الأميركيين. أما الرئيس ريغان فقد كانت إصابته بالخرف (الزهايمير) مناسبة لتذكر الأميركيين باعتماده وزوجته على توجيهات العرافين وآراءهم. ومع هذه الذكرى التساؤل عن بداية المرض، وعما إذا كانت متداخلة مع سنوات حكمه للبلاد؟
لكن الانفجار الحقيقي للموضوع والهلع من فوز رئيس مضطرب نفسياً حدث خلال الحملة الأخيرة، حيث كبار المتسابقين لدخول البيت الأبيض تحيط بهم شكوك الإصابة بالاضطراب النفسي. ونختصر هذه الشكوك، قبل التطرق لعرضها، على النحو الآتي:
1- جورج بوش الابن: تعرض لاكتئاب رد فعلي أيام الأزمة التي أصابت شركته النفطية أواخر الثمانينيات. وهي فترة بدا خلالها عليه إدمان الخمر وتعاطي الكوكايين.
2- الـ غور: يعرف الجمهور الأميركي أنه تعاطى الماريجوانا مع زوجته لمدة عشر سنين متتالية. ويقال أنهما أقلعا عن هذه العادة.
3- جورج ماكين: تعرض لمعاناة الأسر في أحد أقسى السجون الفيتنامية لمدة خمس سنوات. ويشكك بعضهم في كونه قد تخطى هذه الأزمة.
4- بيل برادلي: وهو يعاني سلس الكلام (كثرة وتدفق الحديث) بما يجعل عارفيه يصفونه بالممل.
وبعد هذه التعريفات ننتقل إلىة التفصيلات ونبدأ بـ :
جورج بوش الابن
لقد أصيب هذا المرشح/ الرئيس لاحقا" بالاكتئاب بسبب ظروفه المادية- التجارية. وتصاحب اضطرابه المزاجي مع إقباله على معاقرة الخمر وتعاطي الكوكايين. ومن الوجهة الطب-نفسية تعتبر هذه الحالة أزمة عابرة بحيث يمكننا أن نصدق بأن بوش قد تخطاها. خصوصاً بعد الأرباح التي جناها من ارتفاع أسعار النفط بسبب توقف تدفق نفط الخليج مطلع التسعينيات وعقب تفجر حرب الخليج ثانية. في المقابل فإن نقطة الضعف الحقيقة في شخصية بوش تكمن في عجزه عن تخطي ظل أبيه وتأثيره وفشله في تخطي سطوة هذا الأب وبناء هوية مستقلة عن هذا الأب.
وهذه المعطيات تدفعنا لتصنيف بوش الابن في خانة النمط السلوكي المعروف بالفاعل-السلبي (الأب مصنف في خانة الفاعل-الإيجابي) وسمات هذا النمط هي الآتية: إنه يملك طاقة شخصية عالية. إلاّ أنها موجهة فيك فاح قهري لا متعة فيه. وليس له سوى مردود عاطفي محدود-كما يواجه صاحب هذا النمط صعوبة في كبت مشاعره وضبط عدوانيته. ومن أمثلة هذا النمط نذكر الرؤساء ويلسون وجونسون ونيكسون. – للتعمق انظر التحليل النفسي لبوش الابن وفريقه.
آل غور
ولهذا المرشح نقاط تساؤل عديدة تتعلق بلياقته النفسية. وهي تتعلق بالنواحي الآتية:
أ- الشك في قدرته على تأسيس شخصيته الخاصة وبقاؤه أسيراً لصورة أبيه السياسية وخصوصاً في ملامحها المؤيدة لإسرائيل.
ب- آثار الصدمة المترتبة عن تعرض ابنه لحادثة نجا خلالها من الموت بأعجوبة. مما أدى بزوجته إلى وضعية اكتئابية وخضوعها للعلاج. من دون أن تظهر علائم أكيدة مماثلة لدى آل غور نفسه.
ج- شخصيته التجنبية، بحيث يبدو قريباً ومحباً في دائرة ضيقة من الأشخاص المقربين في حين يبدو متصنعاً ومتعالياً في الأوضاع التي يحاول أن يظهر فيها ودوداً. أما في الدوائر الأوسع فهو يبدو تجنبياً وبعيداً عن كسب المودة، وكنا قد تعرضنا لشخصية آل غور في مقالة "الإسرائيليون يدعمون آل غورن-راجع "الكفاح العربي" بتاريخ 30/3/2000 ونشرنا فيها تحليل شخصيته وانتماءه إلى نمط "المنفعل السلبي" وسماته هي الآتية: إنه يدخل إلى السياسة انطلاقاً من حس الواجب (أو بدفع أشخاص مؤثرين فيه) وليس لتحقيق المتعة. وهو لا يجني من الرئاسة سوى القليل من القناعة والرضى. ما أنه يميل لتجنب الصراعات والانسحاب منها. وبعض أصحاب هذا النمط يلجأون للموقف غير الحاسمة ولإعلانات مبادئ غامضة على غرار ما فعله كوليدج وايزنهادر. والاثنان ينتميان إلى هذا النمط.
والآن بعد أن حصرت المنافسة بين بوش وآل غور فقد يبدو من غير المفيد متابعة تحليل منافسيهما جورج ماكين وبيل برادلي، لكننا نتابع هذا التحليل محاولين تبين علاقة شائعات اضطرابهما النفسي بفشلهما في متابعة المعركة الرئاسية حتى النهاية. لذلك نتابع:
بيل برادلي
هو لاعب كرة سلة سابق ولديه العديد من تصرفات النجم الرياضي الذي يفترض حيازته إعجاب الذين يتصلون به. ومن هنا إصابته بسلسل الكلام ( Logorhea) والثرثرة التي تجلب الملل لسامعيه لدرجة التأفف العلني الذي تمت إذاعته خلال الحملة الانتخابية. وهذا يعكس انخفاضاً في قدرة برادلي على الاستبصار الذاتي. وهذا، بلغة الاختصاص، عيب في التصرف يحتاج للإرشاد النفسي. وهو ظاهرة نفسية تعوق قدرة الشخص على الاتصال بالآخرين.
جون ماكين
وهو الأكثر إثارة للجدل بسبب معاناته لعصاب الأسر في فيتنام على مدى خمسة أعوام في سجن أسوأ السجون الفيتنامية المعروفة بقسوتها وهو سجن "هيلتون-هانوي". وهو الذي أثار بل فجر مسألة ضرورة قياس مستوى اللياقة النفسية للمرشحين الرئاسيين. فقد تم نشر تقرير عن حالته النفسية يقع في 1500 صفحة. ويلخص التقرير أن جون ماكين الذي يحتل موقع نائب رئيس ولاية أريزونا حالياً والبالغ من العمر 63 عاماً تعرض للأسر لمدة خمس سنوات ونصف السنة وأطلق سراحه في العام 1973. وكان من الطبيعي أن تتباين المواقف من هذا التقرير. إذ مال بعضهم إلى تفسير مشكلاته الحياتية الاعتيادية على ضوء كونه سجيناً سابقاً في حين رأى الطرف المعارض أن قدرة ماكين على الانتظام في الحياة العامة وتحقيقه النجاح فيها دليلاً- على تخطيه لعصاب الأسر، ودارت بين الطرفين مساجلات اختصاصية عديدة من أهمها:
أ- تقرير من معهد نافال للطب النفسي يقول:000المريض حاد الذكاء، شديد الطموح، منافس عنيد ويمكن الاعتماد عليه وهو غير متورط في مغامرات عاطفية. وهو قد تجاوز عقدة الخوف (تكونت في أثناء أسره) عن طريق انغماسه بالسياسة ونجاحه فيها. وذلك رغم العلاجات الخاطئة وسوء المعاملة المعنوية التي تعرض لهما في سجنه الفيتنامي000".
ب- الدكتور أوكونيل يخلص إلى القول بأن قدرة ماكين الجسدية على المرونة لافتة للنظر. وهو قد استفاد من تجاربه وتغير بشكل إيجابي وتعلم الكثير عن نفسه وعن الآخرين. لذلك فهو قادر على ضبط أعصابه ولا تستثيره الأمور الصغيرة. كما يقرر هذا الطبيب النفسي أن ماكين فخور بأبيه القائد العسكري الشهير لكنه تمكن من بناء هويته الخاصة.
ج- الجهات المعارضة النافية لتوازن ماكين تأخذ عليه العلائم الآتية:
1- نغمية هستيرية في صوته إبان حملته الانتخابية الأخيرة في ولاية أريزونا والتي تمكن ملاحظتها في أشرطة فيديو مسجلة تلك الحملة. وهذه النغمية مع الحركات الهستيرية المرافقة لها (والتي عادت وتبدت في أثناء الحملة الرئاسية) ممكنة الربط بمعاناة الأسر لدى ماكين.
2- يصرون على بقائه أسيراً تابعاً لصورة والده وعدم قدرته على بناء هوية مستقلة لذاته. وبعضهم يصل إلى الكلام عن عقدة أوديبية يستدل علها من فشل زواجه الأول.
3- تفصيلات فشل زواجه الأول.
أمام هذه الآراء المتناقضة كان لا بد للجمهور الأميركي أن يتساءل عن مدى التوازن النفسي والعقلي الذي يتمتع به هذا المرشح وعن مدى لياقته النفسية ومستواها. وعندما أجبر ماكين على كشف ملفاته الطبية فإنه أجبر على الانسحاب من المنافسة. لأن هذا الكشف حوله من بطل في حرب فيتنام إلى رجل مشكوك بقواه العقلية.
ولا يسعنا أن نشك للحظة واحدة بأن قوى الضغط الأميركية هي المسؤولة عن إثارة هذه القضية واستبعاد ماكين من هذه الحملة. وبهذه المناسبة نجد من الضروري التذكير بما هو معروف ومنشور من علائم الاضطراب النفسي.
3- الرؤساء الأميركيون السابقون.
نذكر في ما يأتي بعضاً من المعلومات المنشورة حول بعض الرؤساء الأميركيين السابقين ونبدأ بـ :
1- أبراهام لنكولن: كان يعاني الاكتئاب والسواداوية وكان يحاول علاجهما بطرق مختلفة. وهنالك روايات حول ممارسته للشذوذ الجنسي.
2- جون كوينسي آدامز: كان يعاني حالة اكتئاب مزمن- دوري وكان يعالجها بتناول جذور الشاي والكينين (منشطات كانت تستخدم في حينه قبل ظهور الأدوية مضادة الاكتئاب).
3- تيودر روزفلت: لديه ملف طب- نفسي غير معلن. لكن بوادر وأسباب اضطرابه معروفة من قبل المهتمين- نشرت النيويورك تايمز ملفاً خاصاً بهذا الموضوع- فقد كان روزفلت يعاني مشكلات زوجية معقدة ومعروفة كما كان يسلك سبلاً غير أخلاقية لتحقيق أغراضه ومنها تجديد فترته الرئاسية، وبعضهم يشبه كلينتون بروزفلت مع فارق أن الأول وجد تعويضاً في مغامراته النسائية.
4- ريتشارد نيكسون: باختصار فإن حاجة نيكسون العصابية لسلوك مسالك الخطر وتحدي الفشل هي التي ولدت له فضيحة "ووترغيت" حيث تفجر اكتئابه وتبدى بتناوله الكحوليات بصورة مبالغة. هذا ويمكننا التشديد على وجود ملف نفسي لنيكسون من خلال مقاطع في كتابه "الأزمات الست" حيث يروي أسلوب مواجهته للأزمات بلهجة لا يمكنها إلاّ أن تكون مستعارة من أحد المعالجين النفسيين. ولقد ثبت في العام 1968 أن نيكسون قام بزيارة الطبيب النفسي "أرنولد هتشنيكير" لكنه أكد أنها للاطمئنان. لكن بصمات هتشنيكير تبدو واضحة في مذكرات نيكسون. للمزيد أنظر شخصية نيكسون.
5- جيرالد فورد: الذي خلف نيكسون لغاية انتخاب خلفه جونسون تعالج بدوره لدى هتشينيكر الذي أعلن بنفسه عن ذلك فاضحاً بذلك سر المهنة (بدوافع سياسية طابعاً). في حين دافع فورد عن نفسه مؤكداً بأن الزيارة كانت لبحث موضوعات ومشكلات اجتماعية وليست نفسية.
ومن الجدير بالذكر بأن أحد المنافسين الأقوياء للرئيس جورج ماكجفرن ويدعى "توماس ايجلتون" قد أجبر على الانسحاب من المنافسة والاستقالة عندما أعلن أنه خضع للعلاج بالصدمات الكهربائية. مع العلم بأن استخدام هذه الصدمات كان شائعاً وواسع الانتشار في حينه بسبب عدم وجود الأدوية النفسية وبسبب انعدام القيود على المعالجات التي تحدث تغييرات في الدماغ ومنها الجراحة التي حرمت في ما بعد.
بعد هذا الاستعراض السريع لقائمة من الملفات المرضية-النفسية، والذي لا ندعي بإحاطتها لكل الحالات، بقي لنا أن نتساءل عن مقدار تأثير زمن العولمة الذي يجعل الرئيس الأميركي في وضعية الرجل الذي ينظر إلى أكواريوم (حوض أسماك) تسبح فيه أسماك ملونة (هم كل الرؤساء الآخرين). وذلك على حد قول معلق محطة سي.بي.أس الأميركية!.
وما هو موقف الأميركيين من هذه المعلومات بعد أن شجعوا فكرة إصدار كتب وأفلام متمحورة حول فكرة "مجانين حكموا العالم" مع تصدير هتلر في مقدمة هؤلاء المجانين؟ وفي رأينا الشخصي أن ديموقراطية الولايات المتحدة في الخارج هي غيرها في الداخل وديموقراطية الداخل يمكنها أن تنتج قريباً كتاباً بعنوان "مجانين حكموا أميركا والعالم"! فهل يصح التوقع؟
للاسف لامصدر له وتم نقله من الاميل