عبد الرحمن بن صالح السديس
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم .
أما بعد :
فهذه مسائل متعلقة بأحكام صلاة السفر ذكرتها مجردة عن الدليل والتعليل غالبا ، واقتصرت على ما ظهر لي أنه الراجح من أقوال العلماء ، وأعرضت عمّا عداه .
وراعيت سهولة العبارة قدر الإمكان ليسهل فهم المراد ؛ لأنها موجهة للمسلم العادي لا لطلبة العلم .
يستحب قصر الصلاة لكل مسافر حتى ولو كان سفره مباحا أو محرما .
لا يشترط للقصر مسافة معينة ؛ بل يجوز القصر في كل ما سماه الناس سفرا ، ولا يلزم أن تكون المسافة أكثر من 80 كيلو .
تبدأ أحكام السفر إذا فارق آخر بيوت بلده ، ويستمر حكم سفره حتى يدخل بلده عائدا .
فيجوز لمن كان مسافر من أهل الرياض ـ مثلا ـ أن يقصر الصلاة وهو عائد إلى بلده ما لم يدخل حدود البلد .
ولا يجوز أن يقصر الصلاة في البيت ثم يسافر بعدها ؛ لأنه لا بد من الخروج عن البلد .
إذا دخل وقت الصلاة [ أي : أذّن ] وأنت في البلد ثم سافرت فلا يلزمك إتمام الصلاة بل يستحب لك القصر ، ولك أن تجمعها مع ما بعدها كالظهر مع العصر .
مثاله :
أذن الظهر وأنت في الرياض ونويت السفر الساعة الواحدة ظهرا فلك أن تأخر الظهر ثم تسافر الساعة الواحدة ثم تصلي الظهر مع العصر جمعا وقصرا .
المعتبر نية السفر مع مفارقة البلد ، فلو خرجت من البلد وقصرت الصلاة ثم بدا لك أن ترجع وتترك السفر = كان ما صليته صحيحا .
إذا أراد السفر فإنه يجوز له قصر الصلاة في المطار إذا كان المطار خارج البلد كمطار الملك خالد بالرياض ـ مثلا ـ .
وكذلك إن كان عائدا إلى بلده من سفر وصلى في المطار فله أن يقصر ويجمع إن كان المطار خارج البلد .
إذا ركب الطائرة وشرع في الصلاة ثم مرت به فوق بلده فلا يلزمه الإتمام ، ولا ينقطع حكم سفره .
إذا صلى المسافر خلف المقيم وجب عليه الإتمام إذا أدرك مع الإمام ركعة فأكثر ، أما إذا لم يدرك معه إلا أقل من ركعة فلا يلزمه الإتمام .
و إذا كان المقيم يصلي المغرب والمسافر يصلي معه العشاء فيجوز له القصر ، فإذا قام الإمام للثالثة نوى الإنفراد وأتم تشهده وسلم ، أو يبقى جالسا وينتظر الإمام ثم يسلم معه .
الأفضل لجماعة المسافرين ألا يصلوا مع المقيمين في الصلوات التي تقصر ( الظهر والعصر والعشاء ) ليتمكنوا من القصر .
أما إن كان المسافر وحده فيجب عليه أن يصلي مع الجماعة ، ولا يجوز له التخلف عن الجماعة من أجل القصر.
لو جمع الصلاتين في وقت الأولى وقصر ، ثم وصل بلده قبل دخول وقت الثانية = فصلاته صحيحة ولا يلزمه أن يعيد الثانية .
مثاله :
أذّن الظهر قبل أن يصل إلى بلده بـ 30 كيلو فنزل وصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا ثم وصل إلى بلده الساعة الواحدة فصلاته صحيحة ولا شيء عليه .
لو نوى الجمع وهو مسافر ثم وصل بلده وهو لم يصل فإنه لا يقصر .
مثاله :
رجل مسافر من الرياض إلى مكة ، ورجع إلى الرياض وقبل أن يصل الرياض بـ 400 كيلو أذن الظهر فقال : سأجمع وأصلي في الرياض إذا وصلت ثم وصل الرياض الساعة 4 عصرا فإنه يصلي جمعا الظهر والعصر لكن لا يقصر ؛ لأن سفره انتهى بدخوله البلد .
إذا نسي صلاة من صلاة الحضر وذكرها وهو مسافر ، أو نسي صلاة في سفره وذكرها في الحضر وجب عليه الإتمام في الحالتين .
يجوز أن يجمع ويقصر حتى ولو لم ينو الجمع أو القصر عند ابتداء الأولى .
( غلط شائع ) :
يظن بعض الناس أن المسافر إذا أراد الجمع فإنه لا بد أن يصلي في أول وقت الأولى ، فإن لم يصل فيه فلا يحل أن يصلي حتى يدخل وقت الثانية ، وهذا غلط ، وليس له أصل فالظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا نوى جمعهما = فإن وقتهما يتحد ؛ لأنه لا فاصل بين وقت الظهر والعصر ، ولا بين المغرب والعشاء ، ويجوز له أن يصلي كيف شاء في الوقت .
ولنضرب مثلا :
( فلو كان أذان المغرب الساعة 6 و العشاء 7.30 ويخرج وقت العشاء الساعة 11 ) فهو مخير من 6 إلى 11 يصلي في الوقت الأسهل عليه .
فله أن يصلي الساعة : 7 أو 7.30 أو7.45 أو 8 أو 8.30 أو8.45 أو 9 أو 9.30 أو 10 أو 10.30 ، المهم أن تقع الصلاتين قبل خروج الوقت الساعة 11 .
يجب على المسافر أن يعتني بالقبلة فإن كان في بلد للمسلمين فإنه يستدل على القبلة إما بسؤالهم ، أو بالنظر إلى المساجد .
وليس له أن يجتهد فإن صلى في بلد إلى غير القبلة لم تصح صلاته .
وإن كان في البر أو الطريق ولا يوجد من يخبره عن القبلة فإنه يجتهد في معرفة القبلة ويصلي .
وإن تبين له بعد الصلاة أنه لم يكن إلى اتجاه القبلة فلا شيء عليه وصلاته صحيحة .
يستحب للمسافر أن يؤذن للصلاة ، وإن جمع الصلاتين أذّن أذانا واحدا ثم أقام لكل فريضة .
إذا صلى المسافر الجمعة مع أهل البلد فإنه لا يصح أن يجمع معها العصر ، بل يصلي العصر في وقتها قصرا.
إذا لم تتيسر للرجل جماعة فليصل بامرأته ، وتصف خلفه ، ويكون له حكم الجماعة .
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
*****************
أخي طالب العلم وفقك الله :
هذه الأيام تكثر الأسفار فاحتسب أن تطرح وتشرح لجماعة مسجدك ، ومَن حولك ما تراه مناسبا من هذه المسائل أو غيرها ؛ فإنك ـ في غالب ظني ـ ستجد عند بعضهم أخطاء يرتكبها من زمن قد لا تصح معها صلاته .
هذه المسائل مأخوذة من كتب أهل العلم ـ خصوصا ـ كتب ابن قدامة وابن تيمية وابن باز وابن عثيمين ، رحم الله الجميع ، وليست هذه المسائل مما اتفق عليه هؤلاء الأعلام ، بل ربما خالف بعضهم في بعض المسائل .
صيد الفوائد