الخنساء الشاعرة المخضرمة ملأت الدنيا صراخاً وعويلاً لمجرد أن قتل أخوها صخر في حرب الأربعين عاماً ، ولكن عندما أسلمت سما بروحها وأمدها بطاقة نورانية هائلة .
وفي هذا الموقف تحض أولادها الأربع على الجهاد في سبيل الله وتحفزهم وتحببه إليهم فتقول :
" يابَنِي ، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ، ووالله الذي لا إله إلا هو ، إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الفانية ويقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون صدق الله العظيم .
فإن أصبحتم - غداً إن شاء الله - سالمين فأغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه مستنصرين .
فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها ، واضطرمت لظى على سياقها ، وحللت ناراً على أوراقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها ، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة " .
ويخرج أولادها قابلين لنصحها عازمين على قولها فلما أشرقت الشمس باكروا مراكزهم وأنشأ أولهم يقول :
يا أخوتي إن العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحة
فباكروا الحرب الضروس الكالحة
وإنما تلقون عند الصائحة
من آل ساسان الكلاب النابحة
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة
وأنتم بين حياة صالحة
أو ميتة تورث غنماً صالحة
وتقدم وقاتل بعزم لا يلين حتى رزقه الله الشهادة .
ثم حمل الثاني وقال :
إن العجوز ذات حزم وجلد
والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد
نصيحة منها وبراً بالولد
فباكروا الحرب حماة من العدد
إما لفوز باردٍ على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
فقاتل وأبلى بلاء حسناً واستشهد .
وتقدم الثالث وقال :
والله لا نعصي العجوز حرفاً
قد أمرتنا حرباً وعطفاً
ونصحاً وبراً صادقاً ولطفاً
فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلقوا آل كسرى لفا
أو يكشفوكم عن حماكم كشفا
إنا نرى التقصير عنكم ضعفا
والقتل فيكم نجدة وزلفى
فقاتل حتى استشهد .
ثم حمل الرابع وهو يقول :
لست لخنساء ولا للأخرم
ولا لعمرو ذي السنام الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم
ماضٍ على الهول خضم خضرم
إما لفوز عاجل ومغنم
أو لوفاء في السبيل الأكرم
فقاتل حتى استشهد .
فلما بلغ الخبر إلى الأم العظيمة قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته .
مجلة الحرس الوطني