حين أشرق الإسلام في الأرض وعمت أنواره الكون وعمرت به نفوس العرب وأمدهم بطاقة روحية كبيرة اندفعوا فاتحين في أقطار الأرض ومحررين واستهانوا بالصعاب موقنين أن الحياة تفنى والآخرة تدوم وما عند الله خير وأبقى ، فأثمرت تعاليم الإسلام وتأثر بها المؤمنون فانطلقوا يحملون في صدورهم تلك التعاليم الربانية يحدوهم الهدف السامي الذي خرجوا من أجله ألا وهو إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة .
ومن أشد ما كان يؤلم المسلمين أن يقع أبناؤهم أو ذووهم في الأسر بأيدي الأعداء وطالما فزع ذوو الأسرى إلى الشعر يعبرون به عن حزنهم ومصابهم لما كانوا يخشون من غدر الأعداء وحقدهم فحين وصل خبر أسر ضرار بن الأزور ومن معه من المسلمين في فتوحات الشام ، شق ذلك على أسرهم وعلى قائدهم أبي عبيدة وخالد بن الوليد فقالا ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، و بلغ الخبر إلى أخت ضرار ( خولة ) فقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يا ابن أمي ليت شعري في السلاسل أوثقوك ، أم بالحديد قيدوك ، أم في البيداء طرحوك ، أم بدمائك خضبوك ؟
وأنشدت تقول :
ألامخبر بعد التفرق يخبرنا
فمن ذا الذي يا قوم أشغلكم عنا
فلو كنت أدري أنه آخر اللقا
لكنا وقفنا للوداع وودعنا
ألا ياغراب البين هل أنت مخبري
فهل بقدوم الغائبين تبشرنا
لقد كانت الأيام تزهو لقربهم
وكنا بهم نزهو وكانوا كما كنا
ألا قاتل الله النوى ما أمره
وأقبحه ماذا يريد النوى منا
ذكرت الليالي الجمع كنا سوية
فغَرقنا ريب الزمان وشتتنا
لئن رجعوا يوما إلى دار عزهم
للمنا خفافاً للمطايا وقبلنا
ولم انس إذ قالوا ضرار مقيد
تركناه في دار العدو ويممنا
فما هذه الأيام إلا معارة
وما نحن إلا مثل لفظ بلا معنى
سلام على الأحباب في كل ساعة
وإن بعدوا عنا أو منعوا منا
وقالت هذه الأبيات وهي في جمع من النسوة العربيات ممن أسر لهم عزيز مع ضرار في بيت خولة أخته ، وكانت من ضمن الحاضرات مزروعة الحميرية وكانت من فصحاء عصرها وكان ولدها صابر بن أوس أسيرا مع ضرار فجعلت تندب وترثي لولدها وتعرض حالها بأبيات تفيض رقة وأسى قالت :
أيا ولدي قد زاد قلبي تلهبا
وقد أحرقت مني الخدود المدامع
وقد أضرمت نار المصيبة شطة
وقد حميت مني الحشا والاضالع
أسائل عنك الركب كي يخبروني
بحالك كيما تستكن المدامع
فلم يك فيهم مخبر عنك صادق
ولا منهم من قال إنك راجع
فيا ولدي مذ غبت كدرت عيشتي
فقلبي مصدوع وطرفي دامع
وفكري مقسوم وعقلي موله
ودمعي مسفوح وداري بلاقع
فإن تك حيا صمت لله حجة
وإن تكن الأخرى فما العبد صانع ؟
مجلة الحرس الوطني