مناقشة موضوع الأزمة المالية والحرب الأمريكية في العراق في حوارات ثقافية عامة; بسم الله الرحمن الرحيم تناولت العديد من التحليلات الأزمة المالية العالمية، التي بدأت في أمريكا وعصفت بأسواق المال العالمية، من منظور الأسباب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، بينما لم تعالج هذه ...
تناولت العديد من التحليلات الأزمة المالية العالمية، التي بدأت في أمريكا وعصفت بأسواق المال العالمية، من منظور الأسباب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، بينما لم تعالج هذه التحليلات انعكاسات هذه الأزمة على الحرب الأمريكية ضد ما يسمى "الإرهاب"، وتحديداً الحرب في العراق.
فقد اتفقت المعالجات التحليلية للأزمة على أن الحرب الأمريكية في العراق تحديداً، تمثل السبب الرئيسي وراء تراجع معدلات النمو للاقتصاد العالمي، وتأثيراته المختلفة التي انتهت بأزمة مالية عالمية، طالت كافة النظم الرأسمالية. لذا، يبدو من المنطقة تناول تأثيرات هذه الأزمة على مستقبل الاحتلال الأمريكي للعراق، بحيث يمكن أن تكون مدخلاً لإيجاد بعض التفسيرات لعدد من الأحداث والسياسات الكبرى لواشنطن في بغدد، ولاسيما في ذلك الدفع نحو توقيع الاتفاقية الأمنية، التي تؤمن تواجد عسكري طويل الأمد، بأقل تكلفة ممكنة.
وهنا، تبدو هناك ضرورة للإجابة على عدة تساؤلات، أهمها: لماذا يعتبر الاحتلال الأمريكي والحرب في العراق السبب الرئيسي وراء هذه الأزمة، وما هي تأثيراتها على الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وكيف يمكن أن تؤدى الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين واشنطن وحكومة المالكي، إلى تأمين الاحتلال وتقليص ميزانية الحرب لتوجيهها إلى المجال الاقتصادي الأمريكي لتفادى الأزمة؟
أولاً: الحرب في العراق .. السبب الرئيسي للأزمة!!
يرى المراقبون أن تكلفة الحرب الأمريكية في العراق، والتي بدأت منذ عام 2003، تعد سبباً رئيسياً في الأزمة المالية العالمية، حيث خرجت العديد من التقديرات التي تشير إلى تكلفة الاحتلال الأمريكي في بغداد ـ في المتوسط ـ تبلغ إلى 100 مليار دولار سنوياً، بما يعنى أن التكلفة الإجمالية بلغت نحو نصف تريليون دولار خلال خمس سنوات.
في المقابل، تشير تقديرات أخرى، أن هذه الحرب تتكلف 12 مليار دولار شهرياً، بمعنى أن التكلفة السنوية للحرب تبلغ نحو 144 مليار دولار. وهو ما أكده الاقتصادي الامريكي جوزيف ستيجليتز ـ الحائز على جائزة نوبل للسلام ـ والكاتبة ليندا بيلمز، وأشار الكاتبان (فى كتاب تناولته العديد من المواقع الإلكترونية والصحف الدولية)، أن الوجود العسكرى طويل الأمد فى كل من العراق وأفغانستان سوف يكلف الخزانة الأمريكية ما بين 1.7 تريليون دولار إلى 2.7 تريليون دولار أو أكثر بحلول عام 2017، فى حال تطبيق أكثر السيناريوهات اعتدالاً، والتى يقصد بها تخفيض حجم القوات، والنفقات، والاكتفاء بقاعدة عسكرية كبيرة فى كل دولة، وتوقعا أيضاً أن تضيف الفائدة على قروض تمويل الحرب على الإرهاب ما يقرب من 816 مليار دولار إلى إجمالي التكلفة المتوقعة لهذه الحروب.
فيما ذكر مكتب موازنة الكونجرس فى تقرير له مع بداية العام الجارى، أن موازنة الحرب لعام 2008 أعلى بواقع 155% عن عام 2004. وأرجع التقرير هذه الزيادة على زيادة إلى ارتفاع عدد القوات الأمريكية بنحو 30 ألف جندى، فى إطار تنفيذ "خطة فرض القانون"، أو خطة بغداد، فى فبراير 2007، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، والتى انعكست على ارتفاع أسعار قطع غيار المعدات العسكرية بشكل طردى، وذلك بعد أن خصص البنتاجون ما يرقب من 17 مليار دولار خلال عام 2008، لتزويد القوات الامريكية بمدرعات حديثة ذات تقنيات خاصة، تساعد على حماية الجنود من القنابل التى تزرع فى الطرق.
والسؤال الآن، لماذا يمكن أن تؤثر هذه الأزمة على الحرب الأمريكية فى العراق، والوجود الأجنبي عموماً هناك؟..
الإجابة على هذا التساؤل يمكن الوقوف عليها عبر مستويين رئيسيين: الأول: خريطة تواجد الاحتلال في العراق؛ حيث انهار التحالف العسكري الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية مع بدء الحرب، بعد أن سحبت العديد من دول هذا التحالف قواتها، وأصبح يقتصر على ثلاث دول فقط، هم: الولايات المتحدة الأمريكية (وتشارك بقوات تقترب من 140 ألف جندى)، وبريطانيا (بلغت قواتها نحو 7000 جندي وقررت تخفيض عدد قواتها لتصل إلى 5500 جندى)، ثم كوريا الجنوبية بعدد قوات 2300 جندي، وأخيراً استراليا بقوات تقدر 1400 جندى.
هذه الخريطة، تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية نفقاتها العسكرية أكبر بحجم الكم، وإذا أخذ فى الاعتبار أن القوات البريطانية والكورية والاستررالية لا تدخل فى عمليات عسكرية، ومهمتها تقتصر على حفظ الأمن، يتضح أن القوات الأمريكية تتحمل العبء الأكبر من العمليات العسكرية فى مناطق التوتر، والتى تزيد بالتبعية من تكلفة التواجد العسكرى.
أما المستوى الثانى، فيرتبط بتكلفة الجندى الأمريكى ذاته في العراق؛ حيث أشارت التقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الأمريكية فى عام 2005، أن تكلفة الجندى الأمريكى تبلغ نحو 35 ألف دولار شهرياً. وتابع أحد التقارير المترجمة عن وسائل الصحف فى أمريكا، تفاصيل هذه التكلفة فيما يلى: * تكلفة إرسال الجنود إلى المنطقة تبلغ نحو 2.5 مليار دولار. * تكلفة الوجبة الغذائية للجندي الواحد أكثر من ستة دولارات. * تكلفة إلقاء القنابل ما بين عشرة آلاف إلى 15 ألف دولار في الساعة. * تكلفة حاملة الطائرات الواحدة ثلاثة ملايين دولار يوميًّا. كما أن المواطنين الأمريكيين يتحملون نحو 5000 دولار من هذه التكلفة، شهرياً، وهو ما يزيد من أعبائها الاقتصادية.
هذه التكلفة ربما لا يستطيع الشعب الأمريكي ودافعى الضرائب تحملها خلال الفترة القادمة، فى ظل انخفاض القوة الشرائية للدولار، بعد تراجعه أمام معظم العملات الأجنبية، فضلاً عن اتجاه العديد من دول منظمة أوبك نحو تخفيض الإنتاج من النفط، بعد تراجع سعره إلى ما يقرب من 70 دولار للبرميل، الأمر الذى من شأنه أن يرتفع معه المعدل العام للأسعار، والذى يقود بالتبعية إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادى، وارتفاع معدلات التضخم.
وما بين هذا وذاك، تظل هناك معضلة استراتيجية لدى القيادة السياسية الأمريكية، تعبر عنها كيفية التوفيق بين ضرورات التواجد العسكرى فى العراق للحفاظ على مكتسباتها التى حققتها على مدار السنوات الخمس الماضية، وحتمية خفض عدد قواتها فى هذا البلد الذى يستنزف مواردها كما تحاول هى أن تستنزف موارده.!!
ثانياً: تأثير الأزمة على الحرب فى العراق .. معضلة استراتيجية:
تقود الصورة السابقة، إلا أن واشنطن سوف تتجه ـ بفعل الأزمة المالية الحالية ـ إلى إعادة التفكير فى كيفية تدعيم نفوذها لدى القيادة السياسية والأمنية بالعراق، فى مقابل تخفيض عدد قواتها إلى أقصى حد.
بيد أن هذه المعادلة يصعب تحقيقها خلال المرحلة الراهنة أو فى المستقبل القريب، وهو ما يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب منها:
1 ـ تصاعد وتيرة العنف على خلفية استمرار هجمات تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة فى العراق. فالملف الأمنى لم يحسم بعد، خاصة مع توالى فشل الخطط الأمريكية فى فرض النظام والأمن، بالرغم انخفاض معدلات الهجمات المسلحة من منظور كمى، بعد تطبيق "خطة فرض القانون" التى استمرت ما يقرب من 9 أشهر منذ بدايتها فى فبراير العام الماضى.
فالمتابع للملف الأمنى فى العراق يرى أن هجمات التنظيمات المسلحة باتت أكثر تركيزاً على القوات الأمريكية، بعد أن هدأت وتيرة العنف الداخلى بين الطوائف العراقية، وهو ما يعنى أن أى انسحاب فى الوقت الحالى، من شأنه أن يجعل العراق أفغانستان أخرى، فى ظل عدم وجود قيادة سياسية أو عسكرية موحدة تجمع الشعب العراقى، وهو ما من شأنه أن يهدد مصالح واشنطن في المنطقة، ولاسيما فى ذلك النفط.
2 ـ طبيعة المنطقة الاستراتيجية؛ حيث تسعى أمريكا إلى تدعيم تواجدها فى العراق، باعتباره امتداد طبيعي لمنطقة الخليج العربى، التى تتحكم في أهم الممرات المائية التجارية والاستراتيجية (الاقتصادية والعسكرية).
هذا فضلاً عن رغبتها فى تأمين حصة دائمة من نفط المنطقة، فى ظل ارتفاع مخزونها الاستراتيجى مقارنة بالاحتياطي العالمي، حيث تشير دراسة للباحث منشورة فى مجلة شؤون خليجية، وصادرة عن مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة عام 2007، "أن نسبة احتياطي المنطقة يصل تقريبًا إلى 43.3% بما يعادل 471.3 مليار برميل من الاحتياطي العالمي، وذلك وفقًا لآخر تقديرات عام 2005، وذلك بواقع 24.8% للمملكة العربية السعودية، و9.3% لدولة الإمارات المتحدة، و9.2% لدولة الكويت. في حين بلغت القدرة الإنتاجية لهذه الدول 14 مليون برميل يوميًا، وذلك من إجمالي 54.35 مليون برميل يوميًا تقوم على إنتاجها 13 دولة، من بينها ثلاث دول من أكبر المستوردين للنفط في العالم وهي: الولايات المتحدة الأمريكية؛ الصين؛ بريطانيا".
"كما أن التقديرات المتوقعة لاعتماد الاقتصاد العالمي على نفط الشرق الأوسط، حسب وكالة معلومات الطاقة، سيتزايد خاصة بعد عام 2010 بسبب النضوب المتوقع لعدد من حقول النفط في بعض المناطق (وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، والتي تنضب حقولها بمعدل يتراوح ما بين 4.2% و9.6% في السنة)، وهو ما قد يترافق معه ارتفاع الإنتاج العالمي من 54.35 مليون برميل يوميًا في عام 2005، إلى 121.3 مليون برميل يوميًا في عام 2030، أي بزيادة إجمالية تبلغ 66.95 مليون برميل يوميًا وأن الشرق الأوسط سيستحوذ وحده على ما يعادل 67% من إجمالي هذه الزيادة النفطية".
3 ـ تصاعد النفوذ الإقليمي الإيرانى عامة وفى العراق على وجه الخصوص؛ حيث كان احتلال فى عام 2003، برز الصعود السياسي للقوى الشيعية وحدود تأثيرها على التفاعلات الداخلية بأبعادها المختلفة، لتمثل بدورها أبرز مظاهر هذا النفوذ، والمرشح للتزايد مستقبلاً، خاصة إذا أخذ في الاعتبار سلوكها المسلح الذي يمثل عامل ضغط على قوات التحالف عمومًا، والولايات المتحدة على وجه الخصوص. الأمر الذى يمثل معضلة استراتيجية يصعب التغلب عليها، فى ظل انهيار قوى العراق، الذى كان ـ حتى فى ظل الحصار ـ موازن استراتيجي للقوة الإيرانية فى المنطقة.
هذه الصورة، ربما تقود إلى تصور طبيعة تأثير أن الأزمة المالية العالمية على الحرب فى العراق، وذلك عبر ثلاث مستويات رئيسية؛ الأول: سياسى.. ويتعلق بمستقبل الملية السياسية فى العراق، حيث تستمد الحكومات العراقية المختلفة ـ ولاسيما حكومة المالكى ـ قوتها من القيادة السياسية الأمريكية، التى تعانى فى الوقت الراهن من حالة ضعف واضحة جعلتها غير قادرة على اتخاذ إجراءات وقائية وعلاجية لتردى الأوضاع الاقتصادية لديها. كما أن الرئيس الأمريكيى القادم ـ أى كان ـ عليه أن يسرع فى عملية سحب قواته من العراق حتى يضمن تأييد الشعب الأمريكي بمختلف طوائفه.
المستوى الثانى: اقتصادى.. ويتعلق بمسألة إعمار العراق، فبعد أن كان الملف الأمنى العائق الرئيسى أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية لاستكمال مشاريع الإعمار، أصبحت حالة الركود الاقتصادى في العائق الأساسى لاستكمال خطط إعادة بناء هذا البلد. فضلاً عن أن البنية التحتية للصناعات النفطية العراقية لم تستكمل بعد، وبالتالى فإن عائدات النفط لن تساعد على تحريك مشروعات الإعمار، خاصة فى ظل تراجع أسعار النفط عالمياً.
المستوى الثالث: عسكرياً.. ففي ظل خطة الإنقاذ المالى التى أقرها الكونجرس الأمريكي خلال الشهر الحالى، والتى تتكلف 700 مليار دولار، فإنه من المتوقع تراجع ميزانية الحرب على الإرهاب عامة، والحرب فى العراق تحديداً، الأمر الذى يتوقع معه انعكاسات استراتيجية على مسرح العمليات، أهمها: الحد من تدفق المعدات العسكرية للقوات الأمريكية، وقطع الغيار المختلفة، مما سيؤثر حتماً على قدرتها الميدانية، وبالتالى زيادة خسائرها البشرية. ويتوقع أن تدفع هذه الحالة إلى مزيد من الضغوط الشعبية على القيادة الأمريكية، التى يمكن أن تتخذ قرار الانسحاب المفاجئ كما اتخدته فى فيتنام، ولكن سوف يؤدى بالعراق إلى أفغانستان، وربما صومال أخرى.
ملامح الصورة السابقة، ربما تكون مدخلاً لفهم أسباب الضغط الأمريكي على القيادة السياسية العراقية والقوى المختلفة لقبول الاتفاقية الأمنية، حيث تعد المخرج الرئيسي للولايات المتحدة من الأزمة المالية الراهنة. بكل ما تنطوى عليه من بنود تساعد على تكريس الاحتلال الأمريكى للعراق، بل والتواجد أيضاً فى مراكز صنع القرار السياسة والاقتصادى والأمنى.
ولكن التأثير الأكبر، أن الحرب فى العراق سوف تشتعل من جديد، ولكن بموازيين قوى مختلفة، وستكون لصالح الجماعات المسلحة..
منقول د/رائد العزاوى
* مدير مركز دراسات العراق في اليوم السابع.
__________________
يقول الامام مالك رحمه الله: إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين.
وقال أبو الوفا بن عقيل رحمه الله: انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت، واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق.