رابعة العدويةتعريف بها: - هي الابنة الرابعة لوالدها بعد ثلاث بنات لذلك سميت (رابعة) وهي تنحدر من آلـ عتيك من بني عدوة لذلك أطلق عليها (العدوية). اسم والدها هو إسماعيل (شخص غير معروف).
- ولدت في مدينة البصرة عام 105 هجرية وعاشت حتى 185 هجرية.
- في بداية حياتها كانت منغمسة في الخمر واللهو وقضت فترة من حياتها كعبدة أثيرة لدي سيد تحبه وتعشقه. وبعد موته حدثت لها صدمة جعلتها تفكر في حقيقة الحياة والموت وبدأت تفكر في الخالق وتتطلع إلي أفضاله علي خليقته وبدأت تدريجياً تذوب عشقاً في ذلك الخالق لذلك تحررت من حياتها السابقة بما فيها من ذنوب إلي حياة جديدة تتغني بالعشق لله وتحدث الآخرين عن ذلك المعشوق.
- ويحكي أن أحد أغنياء البصرة وأسمه محمد بن سليمان الهاشمي، وقد كان من غناه يربح يومياً 80 ألف درهم بحث يوماً عن زوجة فأشار إليه العارفون برابعة العدوية. فأرسل لها شارحاً غناه وأنه سيضع تحت قدميها كل ذلك المال، فكان ردها:
" أما أنا فلو أن الله تعالي خولني أمثال الذي خولك وأضعافه
ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين".· أهميتها وتأثيراتها: - رابعة العدوية هي من الشخصيات التي تختلط بشأنها الحقيقة والأسطورة ، ولكن الكل يجمع علي كونها من المتصوفين العظام، وأثرت في الفكر الإسلامي الصوفي وهي مؤسسة أحد المذاهب الصوفية وهو: "العشق الإلهي".
- هي من أبرز من أسسوا فكرة الحب الإلهي الذي بنته علي الشوق والوجد والأنس في العلاقة بين الإنسان وربه.
- لذلك تعتبر مؤسسة ورائدة لمذهب من المذاهب الصوفية الإسلامية. وبرزت في التاريخ بحبها لله الذي كان (وللأسف مازال) من الصعب علي الكثيرين أن يستوعبوه.
- لشدة حبها لله نسجت حولها الكثير من القصص الوهمية ولكنها تصب جميعها حول فكرة العشق والهيام بين النفس الإنسانية وخالقها.
- نهج علي نهجها الكثيرون عبر التاريخ وإن كانت هي القائدة والمرشد لهم، فمثلاً:
ذو النون
المصري (المتوفى عام 245هجرية) وهو أستاذ لكل من تحدث عن الحب والمعرفة في التصوف قيل عنه أنه "إنما كان يردد ما أدعته رابعة العدوية".
أيضاً أبن الفارص (المتوفى 632 هجرية) والملقب بشيخ المحبين في عالم الأشواق والمواجيد فقد قيل عنه أنه "لم يزد في الحب الإلهي عما قالته رابعة العدوية".
· رابعة العدوية وشعرها عن العشق الإلهي: - أنعم الله علي رابعة بموهبة الشعر وتأججت تلك الموهبة بعاطفة قوية ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبر عن ما يختلج بها من وجد وعشق لله وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم. ومن أشعارها نقتبس ما يلي:
يا سروري ومنيتي وعمادي ::::: وأنيسي وعدتي ومرادي.
أنت روح الفؤاد أنت رجائي ::::: أنت لي مؤنس وشوقك زادي.
أنت لولاك يا حياتي وأنسي ::::: ما تشتت في فسيح البلاد.
كم بدت منةٌ، وكم لك عندي ::::: من عطاء ونعمة وأيادي.
حبك الآن بغيتي ونعيمي ::::: وجلاء لعين قلبي الصادي.
إن تكن راضياً عني فأنني ::::: يا مني القلب قد بدا إسعادي.
خاتمة:
- هل فعلاً أنتهت قصة الحب العظيمة التي عاشتها رابعة بوفاتها عام (185 هجرية)، أم أن ذلك الحب أنتقل إلي مرحلة أعمق وشفافية أكثر لا تعوقها أستار الجسد؟
- لا شك أن ذلك الحب أنتقل لمرحلة دائمة أبدية تتمتع عبرها رابعة العدوية برؤية من عشقت وتتمتع به بلا عوائق.
- رسالة رابعة لكل إنسان كانت: التعايش مع سيرة السيدة رابعة العدوية سباحة في تيارات من أضواء وألوان وعطور روحانية.. الأحداث الخارجية في حياتها قليلة.. لكن أحداث حياتها الروحية بلا حصر.. ودرجات الحب التي عرجت عليها محاولة الوصول إلى رضا محبوبها ورحابه بلا حدود..
ولدت رابعة في عصر كانت سمته الأولى الترف.. فالمسلمون فتحوا معظم بقاع الأرض المعروفة حينئذ.. وأصبح خراج الدنيا يُجبى إليهم.. بعُدت المسافة الزمنية بينهم وبين عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة.. فساد الترف والركون إلى الحياة الدنيا وزخرفها وزينتها.. واحتاج الزمان والناس إلى صوت يردد نغمة أخرى -النغمة الصحيحة..
في مدينة البصرة .. وفى مطلع القرن الثاني الهجري (حوالي سنة 100 هجرية) ولدت رابعة العدوية لأب عابد فقير لديه ثلاث بنات.. ومات الأب ورابعة لم تزل طفلة دون العاشرة.. ولم تلبث الأم أن لحقت به.. فوجدت الفتيات أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال.. فتفرقن لتبحث كل واحدة منهن عن طريقها..
كانت مدينة البصرة في ذلك الوقت تعاني من وباء اجتاحها وأصابها بالقحط.. مما أدى إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق.. وقد خطف رابعة أحد هؤلاء اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة..
كان التاجر يحمَّل رابعة فوق طاقتها كطفلة لم تشب عن الطوق بعد.. لكنها كانت تختلي بنفسها في الليل لتستريح من عناء النهار وعذابه.. ولم تكن راحتها في النوم أو الطعام.. بل كانت في الصلاة والمناجاة؛ فكانت ممن تنطبق عليهم الآية الكريمة "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ"(الحجرات:7).. ما الذي جعل تلك الطفلة تتجه إلى العبادة.. قد يكون التأثر بأبيها الصالح العابد سببًا، لكن السبب الأساسي في رأيي هو طبيعة شخصيتها، وطبيعة الدور الذي اختارتها السماء لتؤديه في البصرة في تلك الفترة، وفى التاريخ الإسلامي كله بعد ذلك.
وذات ليلة استيقظ سيدها من نومه فسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من خلال الباب -يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها: " فرأى رابعة ساجدة تصلى وتقول: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، وله ضياء يملأ البيت كله، فلما أبصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتى طلع النهار، هنا دعا رابعة وقال: أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فما كان منها إلا أن ودعته وارتحلت".
وجعلت المساجد دارها "واحترفت العزف على الناي في حلقات الذكر وساحات المتصوفة.. والأناشيد في دنيا التصوف، وعزف الناي عند المتصوفة ليس نكرًا ولا بدعًا، بل هو يبعث الوجد ويحرك القلب ويحلق بسامعه" -كما يقول طه عبد الباقي سرور في كتابه " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957).. وكانت رابعة في تلك الفترة في الرابعة عشر من عمرها.. لكن هذه المرحلة من حياتها لم تستمر طويلاً، فقد اشتاقت نفسها للدنيا الخلاء من الناس المليئة بالله وحده.. فقد تخلص قلبها من الدنيا وكل ما فيها، وخلص من الرغبات والشهوات والخوف والرجاء.. لم يبق فيه إلا شئ واحد الرضاء عن الله والعمل على الوصول إلى رضاء الله عنها.. ورفضت كل من تقدم لزواجها، فليس في قلبها مكان لغير الله.. وليس لديها وقت تشغله في غير حب الله.. تقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) :" إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي".
ولقيت رابعة ربها وهى في الثمانين من عمرها.. وقد ظلت طوال أيام وليالي حياتها مشغولة بالله وحده .. متعبدة في رحابه.. طامحة إلى حبه.. وكانت تدعوه دون أن ترفع رأسها إلى السماء حياء منه.. تقول دائرة المعارف الإسلامية في الجزء11 من المجلد التاسع: " رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف".
إن الصورة الراسخة في أذهان الكثيرين لرابعة العدوية هي صورة الغانية التي تمرّغت في حياة الغواية والشهوات حتى إذا آذن شبابها بذهاب اتجهت إلى العبادة والطاعة..
صورة غير صحيحة ومشوهة مسئول عنها بعض الذين كتبوا عن رابعة مثل: الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي"، والشاعر المصري طاهر أبو فاشا في الدراما التي كتبها بعنوان "شهيدة العشق الإلهي" والتي ملأها بشعر على لسان رابعة غنته أم كلثوم، وكذلك الفيلم السينمائي المصري الذي قامت ببطولته "نبيلة عبيد" و"فريد شوقي" وبه أغاني أم كلثوم المشار إليها.. كل هذه الأعمال وغيرها ثبَّتت الصورة المشوهة لرابعة.. وكأن مقتضيات القص أو الفن أو الدراما أو إرضاء الجمهور أو ما شئت من المسميات تبرر ما فعلناه برابعة وغير رابعة من الأعلام..
إذا كانت تلك الصورة القميئة وغير الحقيقية هي نتيجة كل هذه الأعذار فليذهب كل ذلك إلى الجحيم ولتبقى لنا الحقيقة ببراءتها وصفائها ونورانيتها التي نحن بأشد الحاجة إلى استجلاء معانيها ومراميها، وتمثلها في حياتنا الحاضرة التي لا تختلف كثيرًا عن حياة البصرة في مطلع القرن الثاني الهجري .. فمن لنا برابعة أخرى تصرخ فينا أن أفيقوا .. وتأخذ بأيدينا إلى طريق الحب الحقيقي .. الحب الإلهي ؟؟
أن نحب من أحبنا أولاً وهو الله.فهل نعيش بتلك الرسالة؟
ونصل إلي نهاية سعيدة كنهاية رابعة!!!!!!!!!دعاء:اللهم ساعدنا لنعرفك أكثر
وندرك حبك لنا
ونتجاوب مع ذلك الحب الذي تغمرنا به
اللهم أمين.