مروءة عراقية
بطلها الدكتور حسن فليح المعيني
موضوع نشرته جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3354 - التاريخ 25/7/2009
كاظم فنجان الحمامي
هذه صورة من صور الشهامة والنخوة العربية المغروسة في أديم الطيبة والمروءة. نستذكرها اليوم في خلفية ما نشاهده من تقلبات عجيبة في تعاملات المنظمات الإنسانية مع الناس حتي صرنا نري ونسمع ما لا يخطر علي البال فارتأينا أن نستعيد المواقف النبيلة المشرفة من اجل استنهاض الهمم الوطنية المستضيئة بنور الإيمان. فالشهامة العربية صفة متأصلة في النفوس الطيبة وخصلة تمس الروح والخلق أكثر مما تمس البدن والمظهر الخارجي وما الهمم الوطنية إلا جوهر المروءة والشهامة فمن صلحت همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال. ولـيـسـت المناصب العليا هـي الـتـي تُـكـسِـب الـمـجـد. بـل الـنَّـاس أنفسهم مـن يزينون تلك المناصب بالأمجاد ويحفرون أسماءهم في قمم العلياء بمواقفهم المشرفة. . في عام 1997 كان الدكتور حسن فليح المعيني مديرا عاما للموانئ العراقية وكانت قسوة الحصار في تلك الأيام تزداد شدة وضراوة فمزقت المجتمع العراقي. وقطعت شرايينه وصبت اسواط عذاباتها فوق رؤوس الأسر الفقيرة المتعففة وربما كانت اشد هولا ومرارة علي عائلة مأمور اللاسلكي (حسين علي الأسدي). وبلغت ذروتها بعد استفحال الأورام الخبيثة التي كادت تتلف ما تبقي من رئة ابنه (أحمد) حتي تركته صريعا ممدا في ردهات مستشفي البصرة العسكري (الفيحاء) لا يقوي علي النهوض والحركة. ولا خيار أمام الدكتور الجراح (معتز إبراهيم الخطيب) إلا إجراء العملية الجراحية الكبري بصرف النظر عن العواقب والنتائج غير المشجعة. فهذه الحالة ميؤوس منها غير انه لا يأس من رحمة الله الواسعة. . كان تعامل الطبيب مع المريض الشاب من أعظم الوسائل التي خففت عنه الآلام. فأعطي بهذا التصرف صورة مشرقة للطبيب الإنسان. وقرر التوكل علي الله والإسراع باستئصال الورم قبل فوات الأوان فلا مجال للانتظار والتريث لولا عدم جاهزية صالة العمليات التي كانت هي الأخري واقعة تحت وطأة الحصار الجائر وتعاني من نقص حاد في ابسط المستلزمات. وكان لابد من توفير المواد الطبية اللازمة لخوض غمار هذه المجازفة الحتمية ولابد من تهيئة المواد والأدوية والعقاقير الخاصة بحالة المريض الذي أوشك على فقدان آخر خيوط الأمل بالنجاة. ثم ان أدوية مثل هذه الأمراض المستعصية غير متوفرة حينذاك في العراق ويتعين الحصول عليها من مذاخر وصيدليات الدول المجاورة وكيف السبيل إلي مغادرة العراق لجلب الدواء ؟. ومن ذا الذي يستطيع تسديد نفقات السفر وتغطية تكاليف شراء قائمة المواد والأدوية التي طلبها الدكتور (الخطيب) ؟. وهل يستطيع الأب بمرتبه الرمزي الذي يتقاضاه من الموانئ العراقية أن يدبر شيئا ما ؟. الجواب: كلا طبعا. . وهكذا أوصدت الأبواب بوجه الأب الذي باع كل مستلزمات بيته وافترش الأرض لكي يسعف فلذة كبده وينقذه من المرض العضال الذي كاد يقضي عليه. . إذن لا مناص من طرق أبواب المحسنين فوقف الأب المسكين علي أبواب المتظاهرين بالجود والعطاء وراح يستعطفهم ويريهم التقارير الطبية فلم يجودوا عليه إلا بدراهم معدودات لا تكفي حتي لشراء علبة (أسبرين) واحدة. فلجأ إلي أكبر مؤسسة مينائية في العراق. وقرر أن يطلب المعونة من مديرها (المعيني) وكان مترددا من لقاء هذا الرجل. .وما أن اطلع المعيني علي الوثائق واستمع لتفاصيل الموضوع حتي خيم عليه الحزن الشديد وتألم لمأساة هذا الموظف البسيط ووقف إلي جانبه بالقول والفعل. وشاءت الصدف أن يكون اليوم التالي هو موعد سفره إلي مصر لتمثيل العراق في اجتماعات اتحاد الموانئ العربية في الإسكندرية. فطلب تزويده بنسخة من قائمة المواد والعقاقير الطبية المطلوبة. ووعد بجلبها من هناك علي نفقته الخاصة. بل انه تحمل دفع رسوم الكمارك المترتبة عليها. وهكذا كان سباقا لعمل الخير ووفيا بالتزاماته وقريبا من آلام الفقراء. .وأجريت العملية علي بركة الله وكتب لها النجاح. ولم تنقطع علاقة (المعيني) بأسرة المريض عند حد العملية والعلاج بل امتدت مواقفه النبيلة إلي ما بعد ذلك فتنازل عن رواتبه (لمدة شهرين) لصالح أسرة الموظف (حسين علي) الذي سرد لي بنفسه تفاصيل هذه المواقف الإنسانية المشرفة. نأمل أن تكون أبواب الرحمة والعطاء مفتوحة في مؤسساتنا للمرضي والمحتاجين وتشمل برعايتها الأسر الضعيفة التي لا معيل لها وتوفر العلاج والعناية الطبية المجانية للناس فيبارك الله فيها ويوفقها في مواصلة خدمة أبناء هذا البلد بعونه تعالي ثم بجهود أولئك الذين لا يهمهم الظهور بقدر ما يهتمون بالعمل الطيب الذي هم أساس نموه ونجاحه وليتذكروا قوله تعالي: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) وقول سيد الكائنات (ص): (اتق النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة). .