رحم الله زيد بن عمرو .. فقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا
لماذا بلغ هذه المنزلة العالية الرفيعة عند رسول الله صلى الله
عليه وسلم مع أنه مات في الجاهلية .. قبل أن يشرق الكون
بنورالإسلام وتتعطر الدنيا بعبير الوحي .. وتتطهر من
!أرجاس الوثنية والكفر ؟
هذا السؤال تجيب عنه سيرة هذا الرجل .. إجابة يخشع حيالها التاريخ
إنه زيد بن عمرو بن نفيل .. أبى أن يعبد الأصنام .. واستنكر وأد
البنات .. ورفض أن يأكل مما يذبح على الأنصاب .. وأجهد نفسه
في البحث عن دين الخليل إبراهيم عليه السلام ..
كانت حياة زيد بن عمرو بن نفيل رحلة مباركة إلى الله .. كان يبحث
عن دين يعبد به الله .. لأن الجاهليين أصبحت عقولهم كأصنامهم
جامدة لا تتحرك ..
ذهب زيد إلى الشام .. وهناك التقى بأكثر من راهب .. عرضوا عليه
اليهودية والنصرانية .. فقال : إنني أبحث عن دين الخليل إبراهيم ..
فقال له أحدهم :
إنك تبحث عن دين لا يوجد الآن على وجه الأرض .. ولكن
سوف يبعث نبي رسول من ولد اسماعيل بدين جديد .. فيه ما تنشده ..
رجع زيد من الشام وقد انقشعت عنه الحيرة .. وكان يراقب الشمس
حتى تغرب .. ثم يخرج إلى الكعبة .. ويصلي عندها ركعة واحدة
وسجدتين .. ولما سأله صديقه جحير بن أبي إهاب .. عما يفعل ؟؟
أجابه :
هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل .. لا أعبد حجرا .. ولا أصلي إلا إلى
هذا البيت حتى أموت .. وقد اعتزلت آلهة قريش .. وأزمعت ألا آكل
من ذبائحهم ..
ثم رفع يديه وقال :
اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم ..
وقد رسخت عقيدة الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام في قلب
زيد بن عمرو .. وتمكنت من كل جارحة فيه وكان لا يفتأ يذكر ذلك
لكل من يقابله ..
شهدته أسماء بنت أبي بكر وهو قائم يسند ظهره إلى الكعبة ويقول :
يا معشر قريش .. ما منكم اليوم أحد على دين إبراهيم غيري ..
وسمعه محمد بن عبد الله بن جحش وهو يقول :
إن الشاة خلقها الله وأنزل لها الماء من السماء وأنبت لها الأرض ..
ثم يذبحونها على غير اسم الله .. إنني لا آكل مما لم يذكر
اسم الله عليه ..
وكان إذا رأى الرجل يريد أن يئد ابنته يقول له :
مهلا .. لا تقتلها .. فأنا أكفيك مؤنتها ..
وكان يحج ويقف بعرفة .. ويلبي قائلا :
(( لبيك لا شريك لك .. ولا ند لك .. لبيك حقا حقا .. تعبدا ورقا ..
عذت مما عاذ به إبراهيم ))
التقى يوما بعامر بن ربيعة وقال له : يا عامر .. إنني خالفت قومي
واتبعت ملة إبراهيم .. وما كان يعبد إسماعيل من بعده .. فقد كانوا
يصلون إلى هذه القبلة .. وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل .. يبعث
ولا أراني أدركه .. وأنا أؤمن به وأصدقه .. وأشهد أنه نبي ..
فإن طالت بك مدة فرأيته .. فأبلغه مني السلام ..
وتمر الأيام .. ويبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويعتنق
الإسلام عامر بن ربيعة .. ويحكي للرسول ما قاله
زيد بن عمرو بن نفيل .. فيتلألأ وجه
الرسول صلى الله عليه وسلم كالبدر .. ويقول لعامر بن ربيعة :
(( رحم الله زيد بن عمرو .. فقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا ..
وسوف يبعث يوم القيامة أمة وحده )) ..