لا تحزن يا أولمرت . . . إن الله معك
في كل الأزمات تظهر مزايدات، مزايدات في الولاء. . ومزايدات في الانتماء، والعمالة والتفكير والتكفير والتخوين. . فأنتَ إنْ لم تكن معَ أمريكا في 2001 فأنتَ مع ابن لادن. . أنت مع التطرف، وقتل الأبرياء وإسالة الدماء، أنتَ ضد الحياة السلمية. . مالكم كيف تحكمون أليستْ أمريكا هي ـ أيضـًا ـ التي لم تغسل يدها بعد من الدماء البريئة في أرجاء العالم؟ أليس المنطق والعقل يحتمل قولاً ثالثًا ورابعًا. . وعاشرًا غيرَ ( معي أو ضدي ) ؟!
في تفجيرات الرياض، والأحداث السعودية. . إذا لم تخون الفاعل وتحكم عليه بالكفر لأنَّ " قتال المسلم كفر " ! فأنتَ كافر لأنك لم تكفر الكافرين، وانتـُقل من الإرهاب والتكفير. . إلى الإرهاب والتكفير المضاد، وصارت فتنة الناس في سؤالهم عَنْ رأيهِم في الفاعل لا في الفعل، ولا مجال للتورع. . إلا من كانَ في حياته مجال للانكفاء خلف حدائد لها باب. .
عندما رسم أشقى العصر صور المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هبَّ الناس وانتفضوا لأجل حبيبهم، وفدوه بأنفسهم وأموالهم وأبنائهم. . ثمَّ ارتأت فئة صالحة مصلحة لم يكنْ أحد ليشكك في صدق إيمانهم ومحبتهم لنبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّ مِنْ المصلحة الظاهرة التفرقة بينَ الشركات المعتذرة والأخرى الصامتة. . ويكفي مبررًا لهذه القسمة أنَّ أحدًا من الشركات لم يشارك في الرسم أو يدعمها. . واشتعل فتيل الأزمة، فبدل صدع الجدار الآخر انصدع الجدار الداخلي، وتعالت الأصوات مزايدة على محبة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
واليوم. . في حرب المقاومة الأسلامية ( حزب الله ) مع ( إسرائيل )، تعالت صيحات التخوين من كلا الطرفين. . فمن يقول بأنَّ حزب الله متهور ومخطأ في جرِّ لبنان إلى هذه الأزمة فهو عميل لليهود لسان حاله: لا تحزن يا أولمرت. . إن الله معك، ومن يصفق له فهو عميل لإيران لسان حاله: لا تحزن يا نجاد إن الله معنا. . ومن يسكت فإنه سيقرع عليه الباب كما قرع في فتنة خلق القرآن. . والآن قد وضعت الحرب الفعلية أوزارها، وعادت العصافير إلى أعشاشها، ولم يضع من خلف الطاولات سيوف أقلامهم، وكلا الفريقين فرحٌ ويصرخ في نفسه مطمأن لها: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون!. الصورة ذاتها تكررت في أحداث الحرم عام 1980، وتكررت في 1990 عند إدخال القوات المشتركة للجزيرة العربية. . وتكررت عند مقتل الزرقاوي، وفي المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية. في كبار المسائل وصغارها. . طاش ما طاش، الصحفيين والسفارات الغربية، الدولة المدنية، القوات العراقية، تكفير عموم ال*****، واعتزال الدعاة ..... وفي كل يوم يجد الفارغون فيه أنفسهم فارغين. .
سنتجاوز مسألة ( لماذا لا تتسع الصدور لقول آخر، أو رأي مخالف. . فضلاً عن الآراء الثلاثة والأربعة ) فقد اعتاد الناس وجبلوا على محبة الانتصار لذواتهم وآرائهم، والاستكثار من المؤيدين لرؤاهم الموافقين لأطروحاتهم. .وسأطرح سؤالاً أبسط في أبجديات الحوار وسعة الصدور والاستئناس بالآخرين: لماذا الحرص على تخوين الآخرين والتشكيك فيهم وفي نواياهم وانتماءاتهم بدون بينة وبرهان تكون خلاصًا للشخص ملجأً وملاذًا حينما يُساءل عنها في الدنيا. . وبينة ونورًا يحاجج بها ويخلص في يوم الحساب والجزاء.
( ماذا سيكون لو بدأنا مقالتنا هذه بالإشادة بنضال الآخرين لمبادئهم، وامتدحنا فيهم إصرارهم على رؤاهم، واحتراقه لأجل قضاياهم، وعودتهم للحق متى ما وجدوه، فهو ما ينشدون. . وتجاوزت الكثير من القضايا التي ( يختلف البعض ) فيها، وأكدنا على القضايا التي نتفق عليها. . بدأً بالإسلام وأهميته وأساسه في كل تفاصيل الحياة، وأنه هو المخرج. . ومنه وإليه يجب التحاكم، ودون انتهاء لأنه لا نهاية لما نتفق فيه؟!. ماذا سيكون لو ابتعدنا عن ( أسلوب ساد في ساحاتٍ ما! ) فتكلمنا دون أن نشخصن المقالة أو القائل، ودون أن ندخل في النوايا، ودون أن نجتر الماضي باسترجاع قذر يخبر عن سوء في النية، أو قبح في الطوية. . أو ضعف في الهوية، ودخلنا في صلب الموضوع، غاضين الطرف عن أمور نتفق نحن والطرف الآخر أنها قضايا يسع فيها ألا نخرج بنتيجة. . بَل الخروج برأي متفق عليه؟!.
ماذا لو كنـّا أكثر تجردًا، وحاولنا. . لا بل حولنا قراءتنا للمقال إلى قراءة متجردة نزيهة بسيطة لا تتجاوز الأسطر إلى ما في الصفحة الأخرى وإلى ما بينها قبلَ أن نقرأ السطر ونفهمه ونعي ما فيه؟!
أترى الأوكسجين قد يفقد من الأرض إذا لم نتخاصم؟ أم هي طبقة الأوزون ستخترق إذا اتفقنا؟ أم أننا سنموت وستموت الأمة من ورائنا إذا لم يسر الناس على آرائنا؟ وهل طرق الأعداء أبواب بيوتنا طالبين منـّا إخراج المغانم والسبي حتى نعيش في يومنا خمسًا وعشرين ساعة من التوجس والخيفة لنضرب بسد ( سد الذرائع ) وليكون باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب؟!
فعلاً. . : ما أوسع الفقه الذي يوسع المدارك!. )
لنوقف التخوين قليلاً. . فإنه سلاح للمفلسين، وللناقش الأفكار أولاً. . فإنه سلاح للمتحضرين. والسلام. .
|