07-29-2006, 12:55 مساءً | #1 (permalink) |
:: عضو شرف :: تاريخ التسجيل: Apr 2006 المشاركات: 5,266 | المُـعلم أمة في واحد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فللمعلم دور ملحوظ في التأثير على الفرد أو المجتمع ، مما جعل الانتماء لهذه المهنة شرف كبير لحاملها .
ومن خلال المحورين التاليين نسلط الضوء على بعض هذه الآثار :
المحور الأول : معالم في الطريق .
المحور الثاني : معوقات في الطريق .
ومن خلال عرضنا لهذه الآثار نتطرق لبعض الأساليب التربوية، والتي تعمق بدورها هذه الآثار لدى الطالب أو المجتمع .
المحور الأول : معالم في الطريق
للمعلم - الناجح - تأثير عجيب على الطلاب لا يستطيع أن يتجاهله أحد ، حتى إن المعلم أو الوالدين أو الزملاء لهذا الطالب يلحظون عليه تقليداً في تصرفات معلمه أو برنامج حياته ، والتي نتجت عن إعجابه بمعلمه ، ومن خلال هذا الجانب يأتي دور المعلم في التأثير الإيجابي والتغيير في حياة طلابه .
ولتعميق هذا الأثر لدى الطالب لابد لنا من تفعيل قضية التوجيه ، ودعني - أخي الكريم - أبين لك بعض المعالم المتعلقة بالتوجيه :
المعلم الأول : المنهج المدرسي :
إن توظيف المنهج المدرسي بالشكل الصحيح له أيضاً تأثير قوي على الطالب ، فوظيفة المدرس الرسمية وعمله الأساس الذي يتقاضى عليه أجراً هو تدريس المنهج المقرر للطلاب ، ومن عوامل قبول الطلاب لمدرسهم ومحبتهم له مدى نجاحه في إيصال المعلومات لهم .
إن الإعداد العلمي جانب مهم في بناء شخصية الطالب ، والأمة تحتاج لمن يحمل العلم الواسع والفكر الأصيل ، والمنهج الدراسي إنما وضع لتحقيق أهداف محددة ، فعناية المدرس بهذا الجانب مساهمة في البناء العلمي للأمة من خلال إعداد أبنائها .
بل إن المعلم الناجح يستطيع أن يوظف المنهج لتحقيق الأهداف التربوية والإصلاحية، ولكن أليس من التناقض أن يسمع الطلاب من مدرسهم التوجيه والحث على معالي الأمور ويرون منه الإخلال بواجبه وأمانته .
قال أبو الأسود الدؤلي :
يـاأيها الرجـل المعـلم غيـــــره *** هــلا لنفسـك كـان ذا التعليــم لا تنه عن خـلق وتـأتي مثـلـــه *** عــار عليك إذا فعلت عظيــم وابدأ بنفسك فانهها عن غيهـــا *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيـــم فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى *** بالقول منك وينفع التعليــــــم
بل إن بعض المعلمين قد يرتكب بعض الأخطاء الكبيرة في مجال التربية منها :
1 - عدم احترام شخصية الطالب : مع العلم أنه يجب علينا أن ندرك أن ذلك الطالب الذي نحتقره سيتولى يوماً ما منصباً من المناصب ، فقد ينقم من التعليم وأهله ، لذا يجب على المعلمين أن يأخذوا بيد أولئك الطلاب ويشحذوا هممهم وإمكاناتهم ، ويشجعونهم مادياً ومعنوياً ، كما يجب أن يعطى الطالب حريته - في حدود الأدب - في إبداء الرأي والحوار معه حواراً بناء كي يحس بكيانه كإنسان ثم بشخصيته كطالب له حقوقه المحفوظة له .
2 - عدم فهم نفسيات وظروف الطالب : وفي هذا الخطأ يشترك المعلم والمرشد الطلابي ، مع العلم أن الأخير هو الأقرب إلى نفسيات الطلاب وفهم ظروفهم الحياتية .
3 - عدم استخدام مبدأ الثواب والعقاب بين التلاميذ : فقد يتساوى لدى بعض المعلمين الطالب المهمل والمجد ، فيصاب الطالب النشيط المجد بالإحباط وخيبة الأمل ويتمادى المهمل في كسله وإهماله ،
وللثواب صور منها :
أ - المكافآت المادية : وهي من أقوى المكافآت تأثيراً على الطلاب وإثارة له .
ب - المكافأة بالثناء الحسن ( المدح ) : كأن تقول للطالب : أحسنت ، ممتاز ، وهذا الثناء يزرع في المتعلم الثقة بعلمه ، ويحث غيره لنيل هذا الاستحسان من المعلم ، ويبعث في الطالب الشعور بالارتياح لما يبذله من جهد في التعليم، ولنا في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أحسن الأمثلة :
فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : " قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالبطحاء ، فقال : أحججت ؟ قلت : نعم ؟
قال : بما أهللت ؟
قلت : لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أحسنت ..." الحديث .
رواه البخاري .
ت - المكافأة بالدعاء : وهو الدعاء للطالب بالبركة والخير والتوفيق ونحوه ، وهذا الأسلوب نادر بين المعلمين .
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الخلاء فوضعت له وضوءاُ .
قال : من وضع هذا ؟
فأخبر ، فقال : " اللهم فقه في الدين " .
قال ابن حجر : قال التيمي : فيه استحباب المكافأة بالدعاء .
وللعقاب صور أيضاً منها :
أ - العقاب الحسي : وهو الضرب ، والمقصود هنا : أن المعلم يستخدم هذه الطريقة بلا إفراط أو تفريط ، وهذه الطريقة كانت عند السلف ، بل عند قدوتهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وبأمره والمقصود بها : التأديب ، مع وجوب العمل وفق الجوانب الشرعية .
ب - العقاب المعنوي :
1 - كالنصح والإرشاد ؛ لأن البعض تؤثر فيه الكلمة الطيبة والنصيحة.
2 - التعبيس ، والمقصود به : التعبير عن الاستياء وعدم الرضا .
3 - الزجر .
4 - الإعراض ، إعراض المعلم عن الطلاب أو طالب معين حتى يرجع عن خطئه .
5 - التوبيخ .
6 - تكليف الطالب بواجبات منزلية .
ويجب الانتباه لأمر مهم وهو القدرة على تكييف هذه الصور - سواء بالثواب أو العقاب - بالطريقة الصحيحة، فلا تبالغ في الثواب حتى يصبح الأمر عادياً لدى الطلاب أو تسرف في العقاب حتى لايصبح ذو تأثير إيجابي ، أو تستخدم طريقة من الطرق مع أنه كان من الأفضل استخدام طريقة أخرى ، فجميل أن تستخدم التدرج في الثواب أو العقاب ، وجميل أن تستخدم العقاب للتأديب لا لإطفاء نار الغضب ، وجميل أن يكون الضرب هو آخر الصور التي تستخدمها في العقاب ، والمهم أن تعدل بين الطلاب في جميع هذه المسائل المذكورة .
4 - عدم مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب : فالطلاب مختلفون في قدراتهم وإمكانياتهم العقلية والاستيعابية ، لذا ينبغي للمعلم أن يقدم من التعليم مايناسب مستوى كل فهم ، فلا يخاطب القاصر ذهنياً بما يخاطب به الذكي النبيه .
5 - عدم اشراك الطلاب بالدرس : بمعنى أن بعض المعلمين يستأثر بالحديث لوحده ولا يدع فرصة للطالب أن يبدي رأيه أو يشارك في طرح بعض المعلومات المختزنة عنده عن موضوع الدرس ، وهذا خطأ تربوي كبير ، بصرف النظر عما يسببه من ملل وسأم لدى الطلاب .
المعلم الثاني : لا تحتقر الكلمة :
يتصور بعض المدرسين أن نتاجه إنما هو منحصر من خلال الطلبة الذين يتعامل معهم خارج الفصل الدراسي ، سواء عن طريق الأنشطة الدراسية أو غيرها ، وهذا مجال له أهميته ، لكنه ليس المجال الوحيد ، فالكلمة التي يقولها المعلم في الفصل لا تذهب سدى ، فالمدرس قادر على توجيه أفكار الطلبة ، وتصوراتهم ، واهتماماتهم ، ولكلماته وتوجيهاته العامة مدى قد لايدركه ولا يتصوره .
فلا تحتقر الكلمة أو تستهين بها ، فكثير هم أولئك الذين كان لكلمة واحدة أثرها في توبتهم ورجوعهم إلى الله أو توجههم للعلم وعنايتهم به ، أو ضبط مسارهم .
إن هناك كلمات تبقى بذرة خفية ، تؤتي ثمارها في الوقت الذي يشاء الله ، فقد يسمع شاب معرض كلمة ناصحة من معلمه فتقع موقعاً من قلبه ، ويقصر مداها عن أن تؤثر في سلوكه ، ولكن هذه البذرة لا تزال معلقة في القلب حتى ييسر الله لها الغيث فتؤتي ثمارها - بإذن الله - ولو بعد حين .
المعلم الثالث : تنويع أساليب الخطاب والموعظة :
إن تنويع أساليب التربية والتذكير بالحديث عن البرزخ والقيامة تارة ، وعن نتائج المعصية في الدنيا تارة وعن آثارها الاجتماعية تارة أخرى وهكذا ، هذا التنويع خير وأجدى من الجمود على أسلوب واحد ، بل يشمل التنويع التنويع في طرق إيصالها للطالب أو المتعلم، فمثلاً :
أ - التعليم عن طريق استخدام أسلوب المحاورة : والإقناع العقلي ، ولتوضيح هذه الصورة نذكر هذا الحديث فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - " أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج ، أفأحج عنها ؟
قال : نعم ، حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟
قالت : نعم .
قال : فاقضوا الذي له : فإن الله أحق بالقضاء " .
رواه البخاري .
ومنها مارواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - " أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ولد لي غلام أسود ، فقال : هل لك من إبل ؟
قال : نعم .
قال : ما ألوانها ؟
قال : حمر .
قال : هل فيها من أورق؟
قال : نعم .
قال : فأنى ذلك ؟
قال : نزعه عرق ، قال : فلعل ابنك هذا نزعه" .
فهذا الأعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم - مستفتياً ومستنكراً أن يأتيه ولد أسود على خلاف لونه ولون أمه ، فكان التبيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأسلوب العقلي الميسر ، وضرب له المثل ليقرب له الصورة ، وليكون أقرب إلى فهمه ، وتطمئن نفسه .
ب - التعليم عن طريق القصص : وكم نرى هذه الطريقة في كتاب الله من مرة وفي سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مرات ومرات، ومن مميزات هذه الطريقة محبة الناس لها ، ولما فيها من العبر والنوادر ، وأكثر الطرق التي تعلق بالذهن ولا تكاد تنسى .
ت - ضرب الأمثال : وهذه من الطرق التي توضح ما يستشكل على الطلاب فهمه ، وهذه الطريقة استخدمت بكثرة في كتابة الله؛ كتمثيل المؤمن بالشجرة الطيبة في سورة إبراهيم ، يقول الشوكاني : وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني ، وكم ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمثال للتوضيح ولإبلاغ المعنى، فمنها: مارواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله ، إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين".
قال ابن حجر : وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام ، وفضل النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر النبيين ، وأن الله ختم به المرسلين ، وأكمل به شرائع الدين .
ث - استخدام الرسومات للتوضيح والبيان : وهذه الصورة ما تعرف الآن باسم وسائل الإيضاح ، وهي طريقة شرعية كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخدمها للصحابة - رضي الله عنهم - وهي مما يزيد الشرح قوة وسرعة في الوصول إلى الأفهام ، مع الحرص على استخدامها في مكانها الصحيح .
الخلاصة : أن الوسائل تختلف وتتعدد , ومع تنوع الدعوة وأساليبها لا يتمكن من تطبيقها إلا أصحاب الموهبة - سواء كانت متأصلة في المعلم أو مكتسبة - .
المعلم الرابع : التربية من خلال الأحداث :
حينما نقرأ القرآن الكريم نجد أن بعد حادثة الإفك وفي التعليق عليها ربى المؤمنين على منهج التثبت ، وحماية الأعراض ، وحسن الظن بالمؤمنين .
وبعد غزوة أحد نقرأ في سورة آل عمران التعقيب على هذه الغزوة ودروسها ، فنرى في ذلك بيان سنن الله في النصر والهزيمة والموقف من المنافقين ، وظن السوء والتطلع إلى الدنيا .... وغير ذلك من المعاني ، وأما السنة النبوية فهي مليئة بذلك وغنية عن التمثيل .
ألا تفهم أخي المعلم من ذلك أن التربية من خلال الأحداث سنة شرعية ؟
فحين يحصل زلزال أو كارثة نقول لطلابنا : إن هذا من سنن الله في عقوبة أهل المعاصي ، وإن سرنا في طريقهم تحق علينا نفس السنة ، وحين يصلي الناس الاستسقاء يحسن أن نقول لأبنائنا ولو بإشارة عابرة : إن هذا القحط من شؤم المعصية ، وحين تحصل مجاعة أو مصيبة للمسلمين نحدثهم عن الولاء بين المؤمنين ونصرتهم ، وهكذا ينبغي أن نستغل الأحداث القريبة والبعيدة لتقرير المعاني الشرعية والحقائق التربوية .
تقول الدكتورة رقية بنت محمد المحارب : " وهنا شيء مهم له علاقته بقضية التربية بالحدث ، وهو أن ندرك أن معظم الناس يمتلكون عاطفة طيبة وحباً للدين ، ولكنهما غابا بفعل المعصية والغفلة وقلة الداعي إلى الله على بصيرة وطول الإلف للواقع ، ولكن تأتي أوقات أزمان من مرض أو قلق أو حيرة تنفتح للخير فيها القلوب وتقبل النفوس أثناءها الموعظة ... إلخ ) .
المعلم الخامس : النصيحة الخاصة
من المعلمين من يمارس التوجيه العام لطلبته بصورة أو أخرى، ولكن حين يدرك خطأ فردياً على طالب من الطلاب ، فهل جرب أن يحدثه بصورة فردية ؟
كم هم الطلاب الذين يتغير مسارهم - خاصة في مرحلة المراهقة - فماذا لو كان هذا الطالب يتلقى كلمة شخصية خاصة من أكثر من مدرس وآخر ؟
أي شعور يختلج في نفس هذا الطالب الذي يتمتع بعاطفة جياشة حين يأخذه أستاذه بحديث شخصي ، يلمس من خلاله الشفقة والنصح ؟
ألن يدرك أنه أستاذ صادق يحب له الخير والصلاح ؟
وهب أنه أخذ الأمر باللامبالاة ، فهل سينسى هذا الموقف أم أنه سيستجيش في نفسه بين آونة وأخرى ؟
إن الحديث العام قد يطمره النسيان ، ويعفو أثره على مر السنين ، أما الحديث الخاص فسيبقى صورة منقوشة في الذاكرة تستعصي على النسيان .
المعلم السادس : التربية على الاستماع للآخرين :
إن الاستماع للآخرين صعب لابد من ترويض النفس عليه ، وله أثرها ولو بعد حين ، فحري بالمعلم أو المربي أن يدرب طلابه على حسن الإنصات والاستماع للآخرين، ولنا في المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قدوة حسنة ، ولكن كيف تجعل من طالبك منصتاً متفاعلاً ؟
هناك كثير من السبل والطرق ، نذكر بعضها على سبيل التمثيل والتبيين :
أ - عوده على فهم شخصية المتكلم ، مع العلم أنه ليس مطلوباً منه موافقته بكل ما يقول .
ب - عوده على مجاراة المتكلم في سرعة إيقاعه ونغمة صوته .
ت - عوده على الإنصات باهتمام بالغ لما يقوله الآخر .
ث - لا تجعله يصم أذنيه عن الاستماع له نتيجة لمعتقداته السابقة عن المتحدث أو الموضوع .
ج - عوده على ألا يستبق تتمة كلام المتحدث .
ح - اجعل الطالب يعيد توضيح ما فهمه والمعنى الذي قصده المتكلم آنفاً بدون تكرار لكلماته .
إن عدم وجود هذا الفن - الاستماع والإنصات - لدى الطلاب لمن أكبر الأسباب التي تجعلهم ينفرون من الحق ولا يستمعون إليه ، ولنا في كتاب الله وسيرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الأمثلة والقصص الدالة على ما ذكرنا .
المحور الثاني : معوقات في الطريق :
أخي الكريم كانت هذه بعض المعالم التربوية ولكن ... !
قد تقول : إنني أريد تطبيق كثير منها، ولكن هناك معوقات كثيرة ستواجهني .
فنقول : بلا شك إن هناك معوقات ستواجهك ، وهذا هو الأصل أن من أراد التوجيه والإرشاد لا بد أن يواجه بمعوقات ، ولكنها معوقات قد تأخر بعض الإنجازات، ولكنها لن تمنعه - بإذن الله تعالى - .
ومن هذا الباب سنتطرق لبعض المعوقات التي قد تظهر لك :
معوقات من داخل المدرسة أو معوقات في محيط المجتمع :
وهي تلك المعوقات التي تعود إلى شخصية المدرس نفسه ، أو أسلوبه في التدريس ، أو معاملته مع الطلاب ، أومعوقات بسبب المجتمع الصغير منه أو الكبير ، فتحول هذه المعوقات عن بلوغ كلمة المدرس مداها المطلوب ووصولها إلى تحقيق الهدف الذي يسعى إليه، ومن أهم هذه المعوقات :
المعوق الأول : الفهم الخاطئ لقوة الشخصية :
فحين يفهم المدرس قوة الشخصية فهماً خاطئاً ، فيسيطر عليه هذا الهاجس ، فسيؤثر هذا الفهم على أدائه الدور المراد فيه والمنتظر إذ يعد بعض المدرسين قوة الشخصية المحور الأساس لنجاحه .
ومع تقديرنا لأهمية تحقق هذه الصفة لدى المدرس ، ودورها في تقبل تلامذته له ، إلا أن النظرة إليها عند الأغلب أعطتها بعداً أكثر غلواًَ ومبالغة ، مما أسهم في انعكاسات سيئة على نفسية المعلم وأدائه ، ومن الانعكاسات السلبية لهذه النظرة :
1 - أن هاجس خوف الفشل وضياع الشخصية أمام الطلاب يغلب بشكل كبير على الهدف الأسمى، وهو التوجيه والتربية والذي لن يأخذ مكانه الطبيعي لدى هذا المدرس .
2 - رفع حالة التوتر لدى المعلم ، فيدخل الفصل بنفسية مشدودة ، تسيطر عليه مشاعر الرجاء والخوف ، فهو يتمنى أن ينتهي الدرس بسلام ويتنفس الصعداء حين يسمع قرع الجرس ، أي تربية وتوجيه ، وأي إنجاز ينتظر بالله عليك ممن يدخل الفصل بهذه النفسية المشدودة ؟
المعوق الثاني : الفهم القاصر لدور المعلم :
يرى بعض المعلمين والمعلمات أن الدور المنوط به ، والواجب الأساسي الذي سيحاسب عليه هو أداء المنهج الدراسي والواجبات الرسمية .
نعم ، إن أداء الواجب الرسمي مطلب من المدرس لابد أن يحاسب نفسه تجاهه ، لكن ذلك ليس نهاية المطاف ، وماذا تصنع الأمة بأجيال غاية إنجازهم إجادة القراءة والكتابة ، واستظهار وسرد معلومات حفظوها ودرسوها ؟
إنه لجزء من أمراض الأمة التي أوغلت في المظاهر على حساب المضمون أن يتصور المدرس أنه مسؤول عن إجراءات إدارية لا تقدم ولا تؤخر ، أما ما سوى ذلك من البناء العلمي ، والتربية والتوجيه فهو ضمن دائرة النوافل .
ولئن قبلنا ممن يعيش العمل الإداري البحت ، أو من بعض العامة من الناس أن يوغل في المظاهر على حساب المضمون ، فإنه لا يمكن أن يحتمل بحال من المعلم ومربي الأجيال .
المعوق الثالث : الحواجز المصطنعة :
يحيط بعض المعلمين نفسه بسياج وهمي وحاجز مصطنع ، يمنعه من التعامل والتأثير على فئة وقطاع عريض من الطلبة ، فأحياناً يتصور أن تأثيره وجهده لا يتجاوز الطلبة المشاركين معه في الجمعية المدرسية ، أو فئة خاصة من الطلبة ( أهل الاستقامة والصلاح ) ولو كان الأمر يقف عند مجرد نظرته لهان ، لكن هذه النظرة تولد سلوكاً يشكل عائقا له عن التأثير والتوجيه ، ثم يتحول الأمر إلى شعور متبادل فيشعر الطلبة أنهم معزولون عن هذا المعلم أو ذاك ، ويتحدث المعلم في فصله أمام ثلاثين طالباً وهو يشعر أنه لايخاطب إلا الفئة الجادة ، فيحرم الغالبية من توجيهه .
هذا جانب بسيط من جوانب الحواجز المصطنعة ، ولو توسعنا في هذا المعوق الذي نجده منتشراً عند كثير من المعلمين الأخيار ، وهذه الجوانب الأخرى لها أبعادها وتأثيراتها وأسبابها غير الحقيقية ، منها :
التواضع الكاذب : فتجده يعتذر دائماً بأنه ضعيف لا يستطيع تحمل المسؤولية ، أو هو أقل مما يؤمل منه .
الكسل : وأكثر منشأه من الترف والدعة ، والتبسط إلى الدنيا ، والعب من شهواتها وملاذها ، وهو بلا شك مؤد إلى العجز ولابد .
السآمة والملل : فكثير من المعلمين تجده يتحجج بهذه الحجة، ودائماً يردد : مللت !
وبعضهم يبدأ العمل ثم يقف ، ويقول : أريد أن أغير نوع الدعوة ، وإذا قيل له ، قال : مللت .
أريد عملاً دعوياً آخر ، وهذا بخلاف منهج الأنبياء والعظام الذين بذلوا جهوداً كبيرة لمدة طويلة بلا يأس ولا ملل ، وأوضح مثال على هذا نبي الله نوح - عليه الصلاة والسلام - فكم مكث في قومه يدعوهم؟ وكم جرب من أنواع وأساليب الدعوة؟ وكم صبر وصابر ؟
التردد : وهو من الأسباب المصطنعة والموصلة للعجز ، وذلك لأن المتردد قلما يعزم على أمر ، وإذا عزم على إبرام أمر فإنه قلما يمضيه ، فيظل يراوح مكانه ، تأتيه الفرصة تلو الفرصة وهو عاجز عن اقتناصها، بل هو مشغول عن الجديدة بالتحسر على تردده في أمر القديمة ، وهكذا يظل عمره عاجزاً عن الوصول إلى معالي الأمور .
الخوف : سواء الخوف من النجاح في العمل ، أو الخوف من الناس ، وهذا السبب من قلت الثقة والتوكل على الله - سبحانه وتعالى - .
الغموض في الهدف : فلا يعرف ماذا يريد ، ولا ما هي أهدافه ، ولا يعرف كيف يصل إلى هذا الهدف، وهذا من الأسباب المصطنعة عند بعض المعلمين والمربين .
ولتوضيح خطر هذا المعوق أذكر لك بعض الأمور التي ستترتب عليها
إن لم تكن كلها فستكون أكثرها موجودة في من يتصف بهذه الصفات أو تنطبق عليه بعض الأسباب :
ترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
تشويش الأولويات : إذ يظل يدور عامة حياته في حلقة مفرغة من الأعمال المفضولة لا يخرج منها إلى الأعمال الفاضلة إلا قليلاً .
كثرة الطعن في زملائه العاملين :
ضعف العلم : لأن العلم يحتاج إلى تزكية ، وتزكيته بالعمل به ومن العمل الدعوة .
ضياع الأوقات :
تغير الأهداف : ونزولها حتى تصل إلى مرحلة تكون أهدافه أهدافاً تافهة .
كثرة خلف الوعد : ويستغل هذا للتهرب من العمل والعاملين .
كبت المواهب : فالله - سبحانه وتعالى - قد أعطى كل إنسان مواهب وقدرات ، وبتخلف هذا المعلم عن تفجير الطاقات الموجودة بداخله سيؤدي إلى كبتها .
ضعف الإنتاج : فعند تخلف كثير من العاملين عن مجال العمل سيترتب عليه شح في الطاقات مما يسبب في ضعف الإنتاج ، فالثغور كثيرة والحاجة ماسة والعاملون قلة ، والله المستعان .
أما علاج هذا المعوق فتكون بطرق كثيرة، منها :
1 - التوكل على الله - سبحانه وتعالى - :
2 - القراءة المستمرة في كتب التراجم : وهي التي تعنى بسير حياة الأشخاص الأعلام المؤثرين في مجتمعاتهم تأثيراً تجاوز حدود الزمان والمكان ، فالاطلاع على هذه السير يورث المرء حماساً عظيماً محاولة منه للحاق بركب أولئك الأكابر الأعاظم .
3 - الزيارة لأهل الصلاح أولي الهمم العالية : إذ المرء إن رأي قرينًا له يفوقه في عبادته أو زهده أو جهاده أو ثقافته أو دعوته فإنه يتأثر به غالباُ ، وهذه طبيعة النفس الإنسانية ، لذلك كان الصحابة - رضي الله عنهم - خير جيل أخرج للناس قاطبة ، وذلك لأنهم صاحبوا خير رسول أرسل للبشر - صلى الله عليه وسلم - .
4 - العزيمة والإصرار على مجاوزة العجز وهذه الحواجز : وذلك لأن المعلم إن لم يكن عنده عزيمة وإصرار على مجاوزة عجزه فإنه يراوح مكانه ولايتقدم أبداً ، ومن كان يملك عزيمة وإصراراً على تجاوز عجزه فإنه سينجح - بإذن الله تعالى - ويجوز تلك القنطرة النفسية الصعبة .
5 - وضع هدف سام يحاول الوصول إليه دائماً : فكلما سما هدف المرء ضاعف جهده للوصول إليه ، ولذلك يلحظ على أكثر العاجزين أنهم لا هدف لهم إطلاقاً أو أن أهدافهم تافهة حقيرة لا قيمة لها ، ويرى أن أكثر العظماء كانت لهم أهداف عظيمة حاولوا الوصول إليها ، فأفلحوا تارة وأخفقوا أخرى ، لكن فلاحهم - إذا أفلحوا - شيء عظيم .
أيها المعلم الكريم ، إن السعي للوصول إلى الهدف السامي يضمن لك ثلاثة أمور - بإذن الله تعالى - :
الأول : الدرجات العظيمات في الآخرة .
الثاني : الثبات على المنهج الصحيح .
الثالث : حسن الذكر والثناء بعد الموت ، الجالب بدوره لدعاء الصالحين ، واستغفار المستغفرين .
المعوق الرابع : النظرة المتشائمة :
لا جدال أن واقع الشباب اليوم لا يسر مسلماً ، وأن شقة الانحراف قد اتسعت لتشمل رقعة واسعة من خارطة حياة الشباب المعاصرة .
ولكن أيعني ذلك أن الخير قد أفل نجمه ؟
وأن الشر قد استبد بالناس ؟
أليست هناك صفحات أخرى من حياة أولئك المعرضين غيره هذه الصفحات الكالحات ؟
ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم " ؟
كثير من الشباب يعود للجادة ، ويستقيم أمره فيسير في قوافل التائبين .
إن علينا ألا ننظر لجانب واحد ، ولكن لننظر لجميع الجوانب الفاسد منها والصالح حتى نستطيع أن نقيم الوضع ونقيم أنفسنا .
المعوق الخامس : التركيز على النقد :
فكثير من المعلمين يغرق الطلاب بجانب الفساد الموجود لديهم ، ويركز على قضية الأخطاء والمنكرات التي يفعلونها ، ويغفل الجانب الآخر مما يولد لديهم شعور الإحباط وعدم القدر على الخلاص ، وكل ذلك بالتركيز المباشر على النقد من المعلم للطلاب .
وكان الأجدر بدلاً أن أقول : أنتم تتهاونون في المعاصي ، وتقعون في المنكرات الصغيرة والكبيرة ، ولا تخافون الله ، لو حدثتهم بدل ذلك عن شؤم المعصية ونتائجها الوخيمة دون أن أشير إليهم من قريب ولا بعيد ، أفلا يفهم العاقل أن هذا ينطبق عليه ؟
وبدلاً من أن أحدثهم عن التهاون في النظر الحرام وتهافتهم عليه ، لو حدثتهم عن فوائد غض البصر ، وعن النتائج الوخيمة التي تترتب على إطلاقه أفلا يدرك المراد ؟
هناك فرق بين أن أقول للطلاب : هذا الفعل خطأ وأنكر عليهم أفعالهم ، حتى لو كان الإنكار مباشراً وحتى لو كان بالاسم الصريح لو استدعى الأمر ، وبين أن يكون العادة التي ينكر بها المعلم على الطلاب هي التركيز بالنقد .
المعوق السادس : التربية الأسرية الخاطئة للطالب :
وقد لا يقف الأمر عند ذلك، بل قد تجد من الآباء والأمهات من تعارض وتخطئ قول المعلم حتى ولو كان صحيحاً صواباً ، والسبب أن هذا يخالف ما عليه الأسرة من طريق الحياة .
وقد يكون الجو الأسري جواً غير مساعد على التكيف مع ما يطرحه المعلم من وسائل إصلاحية تربوية ، فتجد المعلم مثلاً يتكلم عن حكم الدخان ، وإذا ذهب الابن للمنزل وجد أباه مدخناً أوأخاه الكبير أو قد يجد أمه - والعياذ بالله - ممن يتعاطى هذا السم ، أو يتكلم عن حكم الغناء ، فتجد البيت يهتز من ارتفاع أصوات المزامير الغنائية فيه ، أو يتكلم عن الصلاة ويجد البيت كله أو بعضه لا يصلي مما يسبب معوقا للمعلم في تغيير واقع الطالب إلى الأصلح .
المعوق السابع : الصحبة السيئة :
وهذه من أشد المعوقات على المعلم ، فإذا استطاع أن يخلصه من هذا الواقع الذي يعيشه سيكون الطالب بعدها أقرب من وقت سابق ، وهل أهلك أبا طالب إلا أصدقاء السوء ؟
وفي هذا يقول - عليه الصلاة والسلام - : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" .
ولإزالة هذه المعوقات أخلص أولاً النية لله ، وتوكل على الله ثانياً ، واجعل هذا المعوق الذي أعاقك هو ذات السبب الذي سيعينك على الجد والمثابرة والثبات .
موقع المسلم
بإشراف الشيخ ناصر العمر
-----------------------
المراجع :
1 - صحيح جامع بيان العلم وفضله للحافظ ابن عبدالبر .
2 - المدرس ومهارات التوجيه للشيخ محمد بن عبدالله الدويش .
3 - المعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - للمؤلف فؤاد الشلهوب .
4 - مع المعلمين للشيخ محمد بن ابراهيم الحمد
5 - المستند التربوي الجديد للنهوض بالسلوك الحميد للأستاذ صالح بن عبدالرحمن القاضي .
6 - تنمية المهارات الشخصية والدعوية للمؤلف زاهر أبو داود .
7 - كيف تكون معلماً ناجحاً ؟
للأستاذ احمد بن عبدالرحمن الشميمري .
8 - عجز الثقات للدكتور : محمد موسى الشريف .
صيد الفوائد
|
|  |