الدهر والكتاب والحساب
نود أن نكشف في هذا الجزء من البحث بآيات بيّنات من القرآن الكريم عن فروع أخرى للدهر متمثلة في الكتاب ، ذلك أن كلمة " الْكِتَاب " الوارد ذكرها في الآيات الكريمة لها معانٍ أخرى قيّمة غير التي تعارف عليها الناس من أنه قرآن أو ورق أو قرطاس أو صحف أو سجل ، أو أي شئ منظور أو ملموس ، إنما " الْكِتَاب " على قدر عظيم من الأهمية لما له من خصائص تربط بين ماهيّته وماهيّة الدهر كسجل زمني محفوظ محدد فيه أحداث نشوء الكون ، ومحدد فيه الأقدار وغيرها الكثير مما سيتضح في الآيات الكريمة التالية :
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "
" الم ( 1 ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ( 2 ) البقرة .
قبل البدء في تفسير معنى كلمة " الْكِتَاب " الوارد ذكرها في الآية الكريمة ، علينا أولاً أن نُظهر قاعدة مهمة في القرآن الكريم تَخص معنى كلمة " الْكِتَاب " ، وذلك من حيث إن جميع الآيات في القرآن الكريم ذات العلاقة تُشير على الدوام إلى " آيات الْكِتَاب " أو إلى ذات الكتاب باسم الإشارة " تِلْك " أو " ذَلِكَ " على العكس من كلمة " قُرْآن " !!!، كما أن أغلب ما ورد في القرآن الكريم من ذكر عن ذكر " الْكِتَاب " به تخصيص لآياته " آيات الْكِتَاب " ، أي معجزات الكتاب وليس ذاته ، ويرجع السبب في ذلك لعدم توافق فطرة الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ومعرفة أو رؤية ذات الكتاب كونه ليس من ماهيّة نشء الوجود الدنيوي ، لكن بالإمكان لمس آثاره البيّنة على المادة وعلى الكثير من الظواهر الطبيعية ، وقد يتصور الناس عند قراءتهم لسورة البقرة من الآية الثانية ، أن كلمة " الْكِتَاب " قد تعني مثلاً ذات القرآن الذي بين أيديهم وهم يقرؤون منه ، لكن كلمة " الْكِتَاب " تعني شيئاً آخر غير ذلك !! لقوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَاب " ، بمعنى أن " الْكِتَاب " المشار إليه بعيد وغائب ، لسبب أن كلمة " ذَلِكَ " لا تعني هذا أبداً !! ، أو أنها قد تُشير إلى ما هو بين يدي القارئ أو ما يقرأه من قرآن ، إنما اسم إشارة للبعيد الغائب " ذَلِكَ " ، فإن كان المشار إليه في الآية الكريمة هو ذات القرآن الكريم جدلا ً! ، لحلت كلمة هذا عوضا عنها كإشارة مباشرة إلى ما بين يدي القارئ ، وما يعزز هذا التفسير هو أن المشار إليه في الآية الكريمة ليس ذات القرآن إنما شيء آخر بعيد عن القارئ ، بل غائب عنه ! قوله تعالى " لَا رَيْبَ فِيهِ " الذي ينفي الشك عن حقيقة الغائب المشار إليه بكلمة " ذَلِكَ " ، وتأكيداً يؤيّد وجوده وليس مضمونه ، فالقارئ ليس بحاجة إلى برهان كي يُثبت له أن القرآن الذي بين يديه موجود لسبب أنه يتلو منه ! ، أمّا السبب الآخر الدال على أن الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة ليس ذات القرآن إنما هو شيء آخر يعود إلى أن الله عز وجلّ أنزل القرآن ليكون هدى ورحمة للناس كافة من إنس وجان دون تخصيص يميز بين شخص وآخر ، أمّا الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة فبه تخصيص لفئة بعينها وذلك بتحديد درجة إيمانهم " هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " كما هو بيّن في الآية الكريمة ، ثم يُبين الله عز وجلّ من صفاتهم بقوله تعالى " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " ( 3 ) البقرة ، وتلك بعض الصفات الخاصة بالمتقين وما يهديهم إليه كتاب الله عز وجلّ كدرجة تفضيل عن عامة الناس ، والتي من أهمها الإيمان بالغيب " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " ، ذلك أن الغيب هو كل ما يغيب عن إدراك الناس من أمور في نشء الحياة الدنيا والدار الآخرة التي من أهمها الكتاب وآياته الراسخة في خلق السماوات والأرض ، أمّا كلمة " القُرْآن " فقد وردت على الدوام في جميع الآيات ذات العلاقة باسم الإشارة المباشرة " هَذَا " للحاضر الغير مغيّب كقوله تعالى في الآيات الكريمة التالية :
" قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " ( 19 ) الأنعام .
" وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ( 37 ) يونس .
" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ " ( 3 ) يوسف .
" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا " ( 9 ) الإسراء .
" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا " ( 41 ) الإسراء .
" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا " ( 88 ) الإسراء .
" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا " ( 89 ) الإسراء .
" وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا " ( 54 ) الكهف .
" وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا " ( 30 ) الفرقان .
" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " ( 76 ) النمل .
" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ " ( 58 ) الروم .
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ " ( 31 ) سبأ .
" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " ( 27 ) الزمر .
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " ( 26 ) فصلت .
" وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ " ( 31 ) الزخرف .
" لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ( 21 ) الحشر .
في بادئ سورة البقرة ، ورد اسم إشارة للبعيد الغائب المُذكر في قوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَابُ " بمعنى أن الإشارة تخص ذات الكتاب ، أمّا الآيات الكريمة التالية فتشير للبعيد الغائب المؤنث " تِلْكَ " ، وهي أداة تأنيث لا تخص ذات الكتاب ، إنما معجزاته المتعددة المتمثلة في " آيَاتُ الْكِتَابِ " ، ثم ما يليها من صفات عن الكتاب على أنه " الْكِتَابِ الْمُبِين ِ" أو " الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ، لذا فآيات القرآن الكريم إمّا أنها تُشير إلى ذات الكتاب وصفاته ، أو أنها تُشير في غالبها لآياته المتعددة الظاهرة في نشوء الكون وما يكشف عنها القرآن الكريم في بعض آياته كقوله تعالى :
" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 1 ) يوسف .
" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ( 1 ) يونس .
" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 2 ) الشعراء .
" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " ( 2 ) القصص .
" تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ " ( 2 ) لقمان .
" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ( 1 ) الحجر .
تُشير الآيات الكريمة لمعجزات الكتاب المتعددة كما في قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ " لسبب أن المعجزات المشار إليها أثرها بيّن في نشوء الوجود المادي غير ذات الكتاب أو ماهيّته ، أمّا قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُظهر للناس عن معجزات الكتاب وقدراته فيما أوحى إلى رسوله مُحمد صلّى الله عليه وسلّم من قرآن ليبلغه لعامة الناس من إنس وجان ، لذا فالقرآن يكشف عن معجزات " آيَات " الكتاب ويُخبر عنها وعن عظم أثرها ... تعريف ، أمّا ذات الكتاب فلا يستطيع الناس إدراك ماهيّته وهم على هيئة نشء الزوج في الحياة الدنيا .
" طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ " ( 1 ) النمل .
تَبيّن فيما أسلف عن الفرق بين ذات الكتاب المستتر في ماهيّته ، وبين آياته الظاهرة على نشء الوجود ، وبالمثل تبين الآية الكريمة موضوع البحث في قوله تعالى " تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ " بمعنى أن آيات القرآن هي الأخرى معجزات في ذاتها كونها مُنـزلة من الله عز وجلّ وليست من صنع بشر ، كما تخص الآية الكريمة ما يتعلق منها بالكشف عن ماهيّة الكتاب وعن وظائفه المتعددة ، بمعنى أن الكتاب هو الأصل والمصدر فيما بيّنه الله عز وجلّ من آيات كشف عنها في القرآن ، وبذلك يصبح قوله تعالى " آيَاتُ الْقُرْآن " ، بمعنى معجزات القرآن الكريم في كل آية منه ، وخاصّة في كشفه عمّا خفي عن الناس من آيات الكتاب العظيمة ، وقوله تعالى " وَكِتَابٍ مُبِينٍ " ، يخدم التأكيد على حقيقة الكتاب كونه مستتر وذلك ببيان آياته المتمثلة فيما أنزله الله عز وجلّ من قرآن ليكشف عن تلك المعجزات ولبيّن أهميتها وتأثيرها في الوجود .
" الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " ( 1 ) هود .
الكتاب المشار إليه في الآية الكريمة بقوله تعالى " كتاب أحكمت آياته " هو الميزان الذي يستقيم عليه نشوء السماوات والأرض وخلق الناس ، ومن بعده الحساب ونشوء الدار الآخرة لقوله تعالى " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( لحظة نشوء الكون ) مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " ( 36 ) التوبة ، أمّا كلمة " أُحْكِمَتْ " فتعني أن الكتاب المشار إليه مُتقن في أَحكامه وفي قواعده التي تأسس عليها الوجود ، لذا فالآية الكريمة تظهر ثبات الكتاب في ماهيّته كنظام شامل يقوم عليه نشوء الكون وخلق الحياة وقيام الساعة ونشوء الدار الآخرة ، وقوله تعالى " ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " بمعنى أن الله عز وجلّ أخبر الناس في القرآن الكريم عن بعض من وظائف الكتاب وما له من تأثير في الوجود .
" يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا " ( 153 ) النساء .
يسأل المجرمون الرسول مُحمداً صلّى الله عليه وسلم أن ينـزل عليهم ربَّهُ! من السماء العُلا كتاباً منسوخاً على ورق كي يروه بأعينهم ويلمسوه بأيديهم بالإضافة إلى ما أنزل الله عز وجلّ من قرآن .
البيّن من الآية الكريمة أن المشركين كانوا يعلمون حينه عدم إمكان توافق طلبهم من حيث أن يروا الكتاب " جَهْرَةً " أو عيانا ، أي أنهم يرونه بماهيّته التي هو عليها كونه فرع من الدهر الذي من ذات الله عز وجلّ ، وبالمثل شبّه الله عز وجلّ في الآية الكريمة طلبهم هذا لسبب تقاربه في الدرجة وطلب أسلافهم عندما سألوا موسى عليه السلام أن يروا الله عيانا ، وكأن الله عز وجلّ يوحد بين درجتيّ السؤال نظرا لتوحد معناهما .
" وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " ( 7 ) الأنعام .
يَضرب الله عز وجلّ مثلاً في الآية الكريمة بقوله تعالى " وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ " ، بمعنى أن أداة التساؤل في كلمة " وَلَوْ " سببها أن الكتاب لا يُنـزل في قرطاس كونه يَخرج في ماهيّته عن ماهيّة نشء الوجود المادي ، ولكونه فرعا من الدهر الذي من نور الله عز وجلّ ومن ذاته ، بالإضافة إلى أنه المهيمن على الوجود ، وقوله تعالى " وَلَوْ نَزَّلْنَا " ، بمعنى أن لو حدث مثل ذلك ... جدلا ً!! وأنزل الله عز وجلّ الكتاب في قرطاس " فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ( مجازاً ) لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " ، وهذا بيان آخر يُظهر أن الكتاب على غير ما يراد له أن يكون ، وأن نزوله في قرطاس كما يتنـزّل القرآن الكريم يتنافى وماهيته ، لذا نستنتج أن السبب من استنكار المجرمين وترجيحهم له أنه سيكون سحراً في حال نزوله كهيئة القرطاس ( جدلاً ) ، ناتج عن إدراكهم يقينا بعدم تماثل ماهيّة الكتاب وذاك الحدث ، فإن كان طلبهم يقتصر على أن يُنـزل القرآن كنُزول ألواح موسى عليه السلام مثلاً ، فَلِمَ عجبهم إذاً أن يكون سحرا ؟ .
" حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ( 3 ) فصلت .
تُبين الآيات الكريمة في بادئها من خاصيَّة الكتاب بقوله تعالى " تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم " كإشارة للكتاب ، وعلى أنه مُنـزل من الله عز وجلّ ، ثم تُبين الآية التي تلتها عن الكتاب في قوله تعالى " كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُه " ، بمعنى أن الله عز وجلّ بيّن للناس عن آيات الكتاب وكشف عن معجزاته " قُرْآنًا " في القرآن الكريم " عَرَبِيًّا " بلغة العرب ، وعلى لسان رسوله مُحمد صلّى الله عليه وسلّم ولسان قومه " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " يفقهون قول الله عز وجلّ وما بُيّن في القرآن عن الكتاب ، بمعنى أن القرآن الكريم يُفصل بِلُغة العرب ويكشف عن معجزات الكتاب " كِتَابٌ فُصِّلَتْ ( بُينت ) آيَاتُهُ ( معجزاته في ) قُرْآنًا عَرَبِيًّا " ، كقوله تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " ( 2 ) يوسف ، ذلك أن الله عز وجلّ أنزل القرآن بلسان العرب ، وبيّن فيه آيات الكتاب كما بينها من قبل لرسُل آخرين وعلى لسان قومهم بتعدد أجناسهم وأعراقهم من إنس وجان لقوله تعالى " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ( كتاب موحد لجميع الرسل ) ِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " ( 213 ) البقرة ، بمعنى أن الله عز وجلّ أرسل الرسُل من قبل محذرين ومنذرين الناس من إنس وجان عن ماهيّة الكتاب وأثره عليهم قبل نزول القرآن ، وما القرآن أو الفرقان أو التوراة أو الإنجيل إلا لتكشف عن بعض آيات الكتاب وتُنذر الناس عن ماهيّته وما يستنسخ عليهم في حياتهم الدنيا .
" نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 3 ) آل عمران .
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ : الكتاب " مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه " أي يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من القرآن ، كما صدّق من قبل على ما سبق من التوراة والإنجيل .
" وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 48 ) آل عمران .
يُبشر الله عز وجلّ في الآية الكريمة مريم ابنة عمران كرم الله وجهها عن نِعَمه جلّ شأنه عليها وعلى ابنها عيسى عليه السلام بقوله تعالى " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " وهو عِلم مخصص للأنبياء والرسُل كما هو بيّن في الآيات ذات العلاقة ، أمّا كلمة " الْكِتَابَ " الوارد ذكرها فبها تخصيص في معناها لما ورد في بقية الآية الكريمة من علم التوراة والإنجيل ، بمعنى أن الكتاب المشار إليه مختلف في الماهيّة والأهمية عن علوم الدين .
" وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " ( 53 ) البقرة .
" وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ " ( 87 ) البقرة .
نستنتج من الآيات الكريمة وغيرها ذات العلاقة ، أن علوم الكتاب قد سبق نزولها من قبل على جميع الأنبياء والمرسلين كلٍ بنصيب مُختلف عن الآخر من قبل أن تُنـزل على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم ، كما نستنتج أن معظم الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم تربط على الدوام بين الكتاب والحكمة وبين تكاليف الرُسل كقوله تعالى " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ " ( 48 ) آل عمران ، بمعنى أن علوم الكتاب قد خُصصت للأنبياء والمرسلين دون بقّية الناس ، وبالمثل نجد أن السبب في توحد الدين عند الله عز وجلّ في جميع السماوات وجميع الأراضي ، يعود إلى سبب توحد ماهيّة النشء وهيئته المقررة في كتاب الله ، وإلى ثباتها في فطرتها التي فطرها الله عز وجلّ عليها بما هو ينفع الناس وهم على هيئة الزوج المُركب في نشء الحياة الدنيا لقوله تعالى " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ( في جميع العصور والأزمنة ) وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " ( 19 ) آل عمران ، وبذلك يتحدد السبب في اختلاف المعتقدات بين الناس إلى ما كتب الناس بأيديهم بعد أن تبدّل ما جاءهم من الله عز وجلّ لقوله تعالى " مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " ( 40 ) يوسف .
" حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " ( 4 ) الزخرف .
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ : قسم من الله عز وجلّ على حقيقة الكتاب وعلى وجوده المستتر عن الناس وهم في نشء زوج الحياة الدنيا .
إِنَّا جَعَلْنَاهُ : بمعنى أن الله عز وجلّ قدر بمشيئته وشاء أن يبيّن للناس عن بعض ماهيّته .
قُرْآنًا عَرَبِيًّا : فيما شاء أن يُنـزل من قرآن على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم وبلغة العرب .
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : تساؤل ؟ في كلمة " لَعَلَّكُمْ " من الله عز وجلّ فيما إذا كان العرب سيدركون شيئا من علوم الكتاب التي فُسرت على لغتهم في القرآن الكريم أم لا ؟ .
يتلخص المعنى في قوله تعالى من الآيات السابقة ، أن الله عز وجلّ كشف للناس في القرآن الكريم وبلغة العرب عن بعض من معجزات الكتاب ، كالتي بَيّن منها قبل ذلك في التوراة والإنجيل بألسِنة مختلفة ، لغرض أن يُنذر الناس من أهميّة الكتاب وأثره عليهم وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ومن ثم تقرير مصيرهم في الدار الآخرة لقوله تعالى " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَاب ( بحال الفرد ) وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ … " ( 177 ) البقرة ، لنجد أن الكتاب الوارد ذكره في الآية الكريمة موحد بين جميع الأنبياء وأنه غير مُتعدد ، وقوله تعالى " وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " ، بمعنى أن ما تم بيانه من آيات عن الكتاب في القرآن الكريم ، إنما جزء ضئيل من خصائصه وماهيّته ومصدره المشار إليه في الآية الكريمة على أنه " أُمِّ الْكِتَابِ " كقوله تعالى " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ " ( 7 ) آل عمران ، أو كقوله تعالى " يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " ( 39 ) الرعد ، ومن ذلك نستنتج أن الآيات المحسوسة من الكتاب وما بُيّن منها في القرآن الكريم إنما على قدر ضئيل من " أُمُّ الْكِتَاب ِ" أي أصل الكتاب كي نستدل منها على وجوده .
" حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ " ( 3 ) الدخان .
تُبين الآيات الكريمة من صفات الكتاب بقوله تعالى " وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ " بوضع القسم من الله عز وجلّ على وجود الكتاب وعلى حقيقته ومعجزاته المختلفة التي كُشف عن بعضها في آيات مُتعددة من القرآن الكريم ، وقوله تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ " لبيان أن الله عز وجلّ قد نَزل الكتاب في ليلة واحدة دون تجزئه ساعة أن خلق السماوات والأرض على خلاف من القرآن الكريم الذي دام نزوله قرابة ثلاثة وعشرين عاماً ، وقوله تعالى " إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ " ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُنذر الناس ويحذرهم عن ماهيّة الكتاب ، وذلك بالكشف لهم عن بعض من قدراته وما له من أهمية وتأثير عليهم في حياتهم الدنيا وفي حسابهم كقوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية ، ومن ثم نشوء الحياة الآخرة .
" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ " ( 145 ) عمران .
كِتَابًا مُؤَجَّلًا : البيّن من الآية الكريمة أن كلمة " كِتَابًا " تعني حدث محدد في المكان والزمان من مجمل الدهر المؤثر على وجود الكون بدءاً من نشوئه إلى أن تقوم الساعة وتصرف مادته ، لذا فكلمة " الكِتَاب " الوارد ذكرها في الآية الكريمة تخص جزءًا زمنيا محدداً من مجمل الدهر قُدر فيه زمن بدء الحدث ونوعه ومكانه وزمن نهايته ، بالإضافة لكونه فصلاً زمنياً يستنسخ الله عز وجلّ فيه أحداث المادة من أصل الدهر المهيمن عليها في الوجود الدنيوي .
" وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 6 ) هود .
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ : تشمل كلمة " دَابَّة " في معناها جميع الناس من إنس وجان وكافة الكائنات الحيّة ، وكل ما يدب على الأرض أو يتحرك عليها .
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا : ما تسكن إليه الأنفس من زوجها المُركب في نشء الحياة الدنيا ، أو المكان الذي تستقر إليه الأنفس من زوجها المُركب والتي لا تتغيّر عنه من تلقاء نفسها أو تنتقل منه بإرادتها لمكان آخر كقوله تعالى " وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ " ( 98 ) الأنعام ، ذلك أن الله عز وجلّ أنشأ الناس جميعا من إنس وجان موحدين بينهم في ماهية الأنفس التي من خلق السماء العُلا ( اقرأ باب الزوج ) ، أمّا عن سبب تقديم كلمة الرزق على كلمة المستقر أو المستودع ، فيعود إلى أن خلق الأرزاق في جميع الأراضي قد سبق خلق الناس والدّابة عليها ، بمعنى أن الله عز وجلّ قدر الأقوات في جميع الأراضي أولاً ، ثم استوى إلى السماء فقسمها إلى سبع مجموعات قبل أن يَخلق الحياة لقوله تعالى " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " ( 29 ) البقرة ، ثم خلق من بعد ذلك لكل نفس زوجها المُركب لتستقر إليه وهي على نشء الحياة الدنيا إلى أن يشاء الله عز وجلّ فيقضي عليه الموت ( تتفكك مركبات الزوج ) ، لتبقى من بعده الأنفس في كتاب الله عز وجلّ إلى يوم البعث .
وَمُسْتَوْدَعَهَا : هو المكان الذي ستنتهي إليه الأنفس من كتاب الله عز وجلّ إلى يوم بعثها بعد تخليها عن زوجها المُركب الذي كانت تسكنه في نشء الحياة الدنيا ، وبذلك يصبح الفرق بين كلمتي المستقر والمستودع هو أن الكلمة الأولى تخص مكان الأنفس من نشء الزوج المُركب في خلق الأرض ، أمّا الثانية فتخص مكان الأنفس ساعة أن تكون بحال البرزخ وهي مجردة من زوجها الذي كانت عليه في الحياة الدنيا ، أو المرحلة التي يحتويها الله عز وجلّ في الكتاب خارج نطاق الزمان والمكان بعد تخليّها عن نشئها المُركب إلى يوم البعث .
كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ : بمعنى أن جميع ما سبق بيانه في الآية الكريمة من أحداث إنما هي مقررة ومقدرة في كتاب الله من قبل خلق الدّابة إلى أن تموت وتبعث تارة أخرى .
" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ " ( 38 ) الرعد .
الأجل : لحظة استحقاق الحدث المقرر في كتاب الله عز وجلّ ، أو ساعة الموت كقوله تعالى : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 11 ) المنافقون : أو كقوله تعالى " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " ( 61 ) النحل .
كِتَاب : الكتاب يحدد فيه نوع ومكان وزمان الحدث من مجمل الدهر ، ويشمل ذلك كل ما في السماوات وما في الأراضي من مادة أو من خلق حيّ على هيئة الدّابة .
" يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " ( 39 ) الرعد .
يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ : يصرف الله عز وجلّ عن عباده المؤمنين ما يشاء من السيئات المقررة عليهم في حياتهم الدنيا ، كما يصرف عنهم ما يشاء من أعمالهم السوء المستنسخة عليهم في الكتاب ، ويُثبِت على من شقوا في حياتهم الدنيا ويوم الحساب لقوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " ( 49 ) الكهف .
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ : أي أصل الكتاب ومصدره متمثلاً في الدهر الذي من ذات الله عز وجلّ ، ذلك أن الكتاب لديه القدرة على أن يستنسخ أحوال المادة أيا كان نوعها ساعة وقوع الحدث من مجمل الدهر المسيطر على الوجود الذي من ذات الله عز وجلّ ، ثم لتبقى تلك النسخة الزمنية أصلاً عن المادة وعن أحداثها في كتاب الله عز وجلّ لتعرض على أصحابها كشاهد ودليل إثبات على جرمهم يوم الحساب ، وبالمثل فالذي عنده أصل الكتاب ومصدره هو القادر بالتالي على أن يمحو منه ما يشاء بمغفرته ، أو أن يُثبِت منه على من يشاء .
" وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ " ( 43 ) الرعد .
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ : أي من يملك شأن الكتاب وما يخصّ علمه الذي لا يعلم عنه أحد من خلقه ، وقوله تعالى " وَمَنْ عِنْدَهُ " أي من لديه القدرة ، أو القاهر فوقه ، أمّا الآيات الكريمة التالية فتبيّن معنى " مَنْ عِنْدَه " وذلك للأهمية .
" فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ " ( 52 ) المائدة .
مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .
" قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ " ( 52 ) التوبة .
مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .
" قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " ( 28 ) هود .
مِنْ عِنْدِهِ : بمعنى من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .
" وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ " ( 19 ) الأنبياء .
وَمَنْ عِنْدَهُ : كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .
" وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " ( 37 ) القصص .
مِنْ عِنْدِهِ : كل ما هو من خاصيَّة الله عز وجلّ في الملك والمشيئة والتدبير .
نستنتج مما سبق من آيات بيّنات أن الآية الكريمة الأولى من سورة الرعد تُظهر العلاقة بين ذات الله عز وجلّ وبين الكتاب ، كما تُبين علاقة الكتاب بالشهادة على الناس يوم الحساب ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب يستنسخ أعمال الناس من إنس وجان وهم في نشء زوج الحياة الدنيا وعلى نفس ماهيّة الجسد من حيث زمان ومكان وقوع الحدث ، ثم تُحفظ في الكتاب لتكون شاهداً مُحضراً عليهم يوم حسابهم ، بمعنى أن الله عز وجلّ يُعيد ( إعادة الزمن إلى الوراء إن جاز التعبير ) أعمال الناس من حيث الزمان والمكان إلى ساعة وقوع الجرم أول مرّة لكي يري الناس أعمالهم بأعينهم ، ثُم ليُحاسبهم عليها كقوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية ، وبذلك يصبح الكتاب في مكان الأداة التي يستنسخ الله عز وجلّ بها على الناس سيئاتهم وهم في نشء حياتهم الدنيا ، ثُم يعرضها لتكون شاهداً عليهم كيوم حدوثها .
" الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " ( 1 ) الحجر .
آيَاتُ الْكِتَابِ : تعني معجزاته وعلاقتها بالبينات التي أنزلها الله عز وجلّ في القرآن الكريم التي يَظهر من خلالها وجود الكتاب كونه مستتراً في ماهيّته ، ولبيان إعجاز الخالق جلّ شأنه في وضعه لسنّة الكتاب كأساس راسخ يقوم عليه نشوء الوجود ، بمعنى أن الكتاب مُحدد فيه كل أحداث الوجود بالإضافة إلى ما قُدر على الناس وعلى المادة أيا كانت حالاتها في نشوئها الدنيوي ، لذا فالآية الكريمة تُشير لمعجزات " الْكِتَابِ " وتكشف عن خصائصها ، كما أنها تُميز بين معجزات الكتاب وبين ماهيّته كونه لا يرى ، وقوله تعالى " وَقُرْآنٍ مُبِينٍ " بمعنى أن الله عز وجلّ يُبيّن للناس في القرآن الكريم عن معجزات الكتاب المتعددة التي من أهمها قدرته على استنساخ أعمال الناس وهم في نشء الحياة الدنيا ، ثُم يُبيّن قدرته جلّ شأنه على عرضها عليهم يوم الحساب .
" وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ " ( 4 ) الحِجر .
كِتَابٌ مَعْلُومٌ : أي قضاء مُقرر بمشيئة الله عز وجلّ من حيث النوع والزمان والمكان قبل وقوعه ، كذلك فالكتاب مُستنسِخ للمادة بالإضافة إلى أنه يسجل جرم الناس إلى يوم الحساب .
" مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ " ( 5 ) الحِجر .
تُكمل الآية الكريمة على ما قبلها ببيان بعض من صفات الكتاب وما سُجل فيه من أقدار لمجمل الأحداث التي تصيب الناس وذلك بتحديد أصحاب الحدث وزمن وقوعه عليهم ونوعه ومكانه من مجمل الدهر ، بمعنى أن الله عز وجلّ حدد في كتابه نوع الأجل وبدايته ومكانه ونهايته من مجمل الزمن الكوني لنشوء الوجود الدنيوي ، وتلك مدّة مُقررة لا تتغيّر كونها ثابتة بمشيئة الله عز وجلّ في الكتاب ساعة أن خلق السماوات والأرض .
" وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " ( 49 ) الكهف .
وَوُضِعَ الْكِتَابُ : من أهم الأحداث تأثيراً على الناس بعد بعثهم يوم الحساب هو حدث رؤيتهم لذات لله عز وجلّ عيانا ، بالإضافة إلى الكشف لهم عن ماهيّة الكتاب ، وقوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " ، بمعنى كُشف للناس عن ماهيّته وما استنسخ عليهم من أعمال سوء في نشء حياتهم الدنيا ، ومن ثُم البدء في حسابهم كقوله تعالى " لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " ( 22 ) ق ، أمّا الغطاء الوارد ذكره في الآية الكريمة فهو ناتج عن تأثير غشاوة نشئهم الذي كانوا عليه كهيئة زوج مُركب في خلق الحياة الدنيا ، والذي من خصائصه أن مكوناته تتغشى بعضها بعضا ، كما أن السبب في زوال غشاوة نشء الزوج في الحياة الدنيا يعود لسبب موت ذلك الزوج وما ينتج عنه من تفرق لمكوناته الثلاثة المتمثلة في النفس والروح والجسد .
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ : يومئذ يرى الناس حال المجرمين وهم فزعون خوفاً وهلعاً ممّا استنسخ عليهم الكتاب من أعمالهم السوء ساعة أن كانوا في نشء حياتهم الدنيا ، عندها يرى المجرمون أعمالهم بأعينهم لحظة عرضها مُستنسخة عليهم وهي حقيقة مطلقة وبنفس مادة أجسادهم ساعة وقوع الجرم وليس تشبيها لها كالصورة مثلاً ، بمعنى أن الكتاب يُعيد الحدث إلى مكان وزمان الجرم ( عودة بالزمن إلى لحظة وقوع الجرم !! ) ، لينظروا إلى أعمالهم السوء كواقع حال وليس تشبيهاً لها .
وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا : يا ندمنا وحسرتنا ، ويا هلاكنا على ما فعلنا .
مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا : تصور الآية الكريمة عجب المجرمين من قدرة الكتاب حين يتساءلون بينهم عمّا استنسخ عليهم الكتاب من أعمالهم السوء في حياتهم الدنيا .
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا : تيقنوا ساعتها من قدرة الكتاب حين شاهدوا أعمالهم السوء حاضرة أمامهم كما هي ساعة وقوعها وهي نسخة أصيلة من الحدث ، بمعنى أن الله عز وجلّ يستنسخ في الكتاب أعمال الناس السوء من مكان وزمان وأصل المادة لحظة وقوع الحدث وهم في نشء الحياة الدنيا ، ثُم يعرضها عليهم يوم الحساب ليرونها بذات المادة الجسدية التي كانوا عليها في ارتكاب الجرم ، وكأن الله عز وجلّ يعيد المستنسخ الذي سُجل في الكتاب لنفس مكان وزمان وقوع الجرم .
وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا : إن ما سبق بيانه في الآية الكريمة عن قدرة الكتاب في استنساخ مجمل الأحداث لكل ما يقع على نشء الحياة الدنيا ومن مادة ، لهو برهان من الخالق جلّ شأنه لخلقه ، وبيان على كمال عدله يوم الحساب القائم على الكتاب ، ذلك أن العدل الإلهي لا يقوم على فرضيات قد تحتمل الصواب أو الخطأ ، إنما يقوم عدله جلّ شأنه على حقيقة الحق المتمثلة في ذات الكتاب ، وفيما أخبرنا الله عز وجلّ في القرآن الكريم وكشف لنا عن ماهيّته ، فبالكتاب يُذكر الله عز وجلّ المجرمين ما نسوا من أعمالهم السوء في حياتهم الدنيا ، كما يكشف لهم علاقة الكتاب بالدهر ، وعلاقة الدهر بذات الله عز وجلّ ، وبذلك نستنتج أن الكتاب آية عظيمة وشاهد يقين وأداة إثبات للناس عن قدرة الله عز وجلّ وعلى يسر علمه جلّ شأنه بمحدثات الكون متمثلةً في أصغر حالات المادة ، وبالكتاب يتحقق العدل الربّاني الذي لا يأتي الباطل بين يديه .
" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 70 ) الحج .
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ : تساؤل يضَعه الله عز وجلّ في الآية الكريمة بقوله تعالى " ألم تعلم " تمهيدا للرد على الكيفية التي تُسجل عليها أحداث الكون والحياة الدنيا ، وبيان للناس عن السبب في سهولة علمه جلّ شأنه لها ، وذلك بسنّه للكتاب كأساس راسخ لنشوء الكون ولمحدثاته ، ولقدرته على استنساخ مختلف الأحداث من مجمل الدهر الدنيوي .
إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ : بمعنى أن جميع الأحداث التي ورد ذكرها في الآية الكريمة مستنسخة في كتاب الله عز وجلّ ، لذا فالكتاب يقوم مقام الناسخ من مجمل الدهر الذي يحوي في سجله محدثات المادة وهي على ماهيّة النشء الأول بما فيها مُجمل الكون منذ نشوئه إلى أن يزول بقيام الساعة ، وبما أن الكتاب جزء مقرر ومحدد المكان من مجمل الدهر ، وكون أن الدهر هو الأصل في نشوء المادة والفاعل على بقائها ، وبما أن الدهر من ذات الله عز وجلّ ، لذا يُبيّن الله عز وجلّ في مثل تلك الآيات الكريمة ليُظهر سهولة ويسر علمه جلّ شأنه لجميع محدثات الكون الدنيوي .
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ : بما أن الله عز وجلّ قد بيّن في القرآن الكريم عن كيفية علمه سبحانه وتعالى بمحدثات الكون في الآيات السابقة من خلال الكشف عن بعض آيات الكتاب وعن ماهيّته الثابتة في خلق الوجود ، وعلاقة ذلك في بيان قُدرة الله عز وجلّ وإحاطته الشاملة لأحداث الوجود بسهولة ويسر دون عناء كقوله تعالى " إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ، لذا يَمّن الله عز وجلّ على الناس بعد أن بين لهم عن ماهيّة الكتاب وعلاقته بعلمه جلّ شأنه لمحدثات الكون ، حتى لا يكون للناس على الله من حرج في معرفة ماهيّة قدرة الله عز وجلّ التي تحيط بكل شيء علماً .
" وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 59 ) الأنعام .
تُبين الآية الكريمة وتعدد من المحدثات الدنيوية ، كما تربط بينها وبين علم الله عز وجلّ وما للكتاب من قدرة على استنساخها وحفظه لها كقوله تعالى " وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " بمعنى أن الكتاب يحيط بأحداث الكون المختلفة ويشملها جميعها أيا كانت ماهيتها وتعددها ، وبالمثل بيّن الله عز وجلّ في آيات كريمة سابقة عن ماهيّة الكتاب وأوضح أنه جزء زمني من الدهر مُخصص لاستنساخ أحداث المادة وذلك بتحديد ماهيتها ومكانها وزمان حدوثها ، وعلى أن الدهر من ذات الله عز وجلّ .
" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " ( 36 ) التوبة .
تُبين الآية الكريمة وتكشف عن خاصيَّة هامة من خصائص الكتاب كما تربط بينه وبين نشوء السماوات والأرض وخلق الحياة ، ذلك أن الله عز وجلّ قسم بمشيئته الشهور والسنين في الكتاب ساعة أن قَدر جلّ شأنه خلق الوجود القائم ، بمعنى أن زمان نشوء الكون وفطرته ، وفصوله ، ومكانه ، وأحداثه بكافة أشكالها وأنواعها قد سبق تقريرها في كتاب الله عز وجلّ من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض .
" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ " ( 61 ) يونس .
تُعدد الآية الكريمة من خواص الكتاب وعلاقته بمحدثات الحياة الدنيا ، كما تكشف عن تلازم تلك الأحداث بعلم الله عز وجلّ وبإحاطته لها ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب جزء محدد من الدهر الذي يستنسخ كل ما تؤول إليه المادة أيا كانت هيأتها في فترة وجودها الدنيوي وإلى أن يأذن الله عز وجلّ لها أن تُصرف ، فتنصرف وتزول بما في ذلك أجساد الناس المخلّقة من مادة الأرض ، لذا فالكتاب يستنسخ أفعال الناس بنسخ مادة أجسادهم لحظة وقوع الجرم ليعرضها عليهم يوم الحساب فيرى كل مُجرم عمله ساعة حدوثه .
" وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ " ( 104 ) هود .
لأجل معدود : بمعنى أن الحساب والموت والأقدار بأنواعها وأشكالها مُحددة على الناس في كتاب الله عز وجلّ من قبل أن تصيبهم وذلك بتحديد ماهيتها وزمانها ومكان حدوثها من قبل أن يخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ، لذا فالقدر محدد ولا يمكن تأخيره أو تقديمه لسبب ثباته من موقعه ضمن مجمل الدهر ، وبالمثل بيّن الله عز وجلّ في الآية الكريمة ، أن تسلسل الأحداث في الوجود ليست ناتجة عن تقديم أو تأخير بعضها عن الأخرى مثلاً ، إنما لسبب ارتباط تواترها من موقعها المقرر ضمن مجمل الدهر .
" وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا " ( 4 ) الإسراء .
تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ قد حدد فساد بني إسرائيل في الأرض بتقريره جلّ شأنه في مكان وزمان ونوع الحدث المقدّر في الكتاب كتحديده لعلوّهم من قبل أن يَخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ، كما أن كلمة " فِي الْأَرْض " تُشير إلى أن الفساد المشار إليه سيكون شاملاً يعمّ كافة أرجاء الأرض التي نحيا عليها من حيث لا ينجو منه أحد ، وقوله تعالى " لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ " به تحديد يُشير إلى حدثيّ الحرب العالمية الأولى والثانية ، وقد أكد العلماء أن لا ثالثة بعدهما ! .
" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا " ( 13 ) الإسراء .
تُصور كلمة " طَائِرَه " الوارد ذكرها في الآية الكريمة أعمال الناس السوء وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، وقوله تعالى " أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " لبيان تلازم الجرم بصاحبه يوم الحساب كلزوم القلادة إلى العُنق ، وقوله تعالى " وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا " به بيان آخر يَظهر فيه أن الله عز وجلّ يستنسخ على الناس أعمالهم في الكتاب لحظة حدوثها وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ، كما أن الكتاب يحدد كل عمل من صاحبه بصورة مستقلة ، ثُم يعرض كل عمل والشخص المستنسخ عليه ليكون عليه شهيدا .
" اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا " ( 14 ) الإسراء .
تُبين الآية الكريمة ، أن الله عز وجلّ يأمر الناس يوم الحساب أن يروا أعمالهم مستنسخة عليهم في الكتاب لتكون عليهم شهيدا ، ويعود السبب في ذلك إلى أن كلمة " اقْرَأ " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني ما اعتاد الناس عليه من معنى لقراءة الخط المنسوخ على الورق أو القرطاس ، إنما تعني ... انظر !! لترى أعمالك بنفسك كيوم حدوثها مستنسخة عليك في كتاب الله عز وجلّ ، ومن ذلك نستنتج أن الناس لا يقرؤون أعمالهم ساعة حسابهم كما يُقرأ الخط من القرطاس ، إنما يرونها وهي مُحضرة أمامهم بذات الجسد ساعة وقوع الجرم وليس الجسد الذي ماتوا عليه ، وبالمثل نستنتج أن الأمر الإلهي للرسُول محمد صلّى الله عليه وسلّم في سورة العلق المتمثل في قوله تعالى " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ " ، ليس به جهالة في التكليف كون أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لا يعرف القراءة ولا الكتابة بالمفهوم الذي تعارفنا عليه لكلمة " اقْرَأ " ، كما أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لم يكن عنده تلك الساعة من قرآن أو قرطاس كي يقرأ منه وهو في الكهف وإن كان قارئا !! ، بالإضافة إلى أن مُحمداً صلّى الله عليه وسلّم لم ينتهِ بعد نزول الوحي إليه إلى تعلم القراءة ولا الكتابة !! ، لذا فالأمر الإلهي ينتهي في معناه إلى تكليف الرسول مُحمد صلّى الله عليه وسلّم بالنظر " اقْرَأ " والبحث والتأمل في عموم خلق الحياة الدنيا ، بالإضافة إلى ما منّ الله عز وجلّ على الناس من نعمة التعلم وكسب المعرفة بفضل القلم التي يمتاز بها الناس عن بقيّة خلق الدّابة ، ولولا تلك النعمة العظيمة في فطرة الناس على استخدام القلم ، لما ارتقوا في معارفهم عن الدواب ولما تقدموا أبدا ..... ، لذا فقوله تعالى في الآية الكريمة " اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا " ( 14 ) الإسراء ، بمعنى انظر لترى أعمالك السيئة وهي محضرةً كشاهد عليك ، وقوله تعالى " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ " ( 19 ) الحاقة ، أي انظروا لتروا نتيجة عملي الصالح كإشارة إلى سعادته ، وقوله تعالى " فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " ( 18 ) القيامة ، بمعني إذا تلقيت القرآن من الوحي يا مُحمد ، فاستمع إليه واتبعه وتمسك بتعاليمه وأسمِعه للآخرين ، لسبب أن الوحي لا يُنـزلّ القرآن على مُحمد صلّى الله عليه وسلّم في قرطاس أو في صحف ، إنما يسمعه لفظاً كما كُلَّف أن يوحي إليه من القرآن .
" قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ( 51 ) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى " ( 52 ) طه .
تكشف الآيات الكريمة عن الكتاب وعن ما قام عليه من نسخ لأحداث الأمم السابقة منذ بدء خلق الناس " الْقُرُونِ الْأُولَى " ، وعلاقة الكتاب بعلم الله عز وجلّ عنها ، فبالكتاب " لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى " ، لسبب أن الكتاب مستنسخ أصيل للمادة في المكان والزمان من أصل الدهر ، وأن الدهر من ذات الله عز جلّ .
" وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " ( 62 ) المؤمنون .
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا : التكليف الرباني يتمثل في التشريعات والفرائض المختلفة الواجب على الناس إتباعها وهم على هيئة الزوج المُركب في نشء الحياة الدنيا ، أمّا كلمة " وَلَا " فتعني أن الله عز وجلّ لا يُحاسب الأنفس في تكليفها إلا على درجة صلاح زوجها التي هي عليه في نشء الحياة الدنيا ، مستثنيا منها كل ذات عذر ودرجة إعاقتها في نشء زوجها التي هي عليه ، لذا فمعيار الحساب عند الله عز وجلّ عن أعمال الأنفس وما قامت بفعله وهي في نشء زوج الحياة الدنيا مرتبطة في تقيمه وفي درجته نسبةً إلى درجة صلاح زوجها الذي تسكن إليه ، بمعنى أن الجزاء بشقيه من ثواب أومن عقاب عند الله عز وجلّ ليس موحداً في درجته بين الأنفس على نفس الفعل ، إنما تقاس درجة الجرم أو درجة الإحسان بدرجة تأهل الأنفس وهي كهيئة ناس في نشء زوجها الدنيوي ، وبالمثل فكلما كَمل نشئها الدنيوي صلاحاً وخلا من العيوب الظاهرة أو الباطنة ، تغيرت درجة حسابها بشقيه من ثواب أو من عقاب ، ليصبح التقرير في درجة الجرم عند الله عز وجلّ مرتبط ارتباطاً مباشراً بدرجة تأهيل النشء الدنيوي .
وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ : أي شاهد يوم الحساب من الله عز وجل على كل نفس ودرجة تكليفها متمثلاً في كتاب الله عز وجلّ الذي لا يأتي الباطل بين يديه ، أمّا كلمة " يَنْطِق " الوارد ذكرها في الآية الكريمة فبها تصوير لما للكتاب من قدرة على النسخ وكأن ما يراه الناس يوم الحساب حيّ ينطق ويتكلم ، لذا فكلمة " يَنْطِق " ، أو " اقْرَأْ " تخدم نفس المعنى .
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ : السبب في عدم جواز الظلم مُسبب بماهيّة الكتاب وقدراته كالتي كشف الله عز وجلّ عن بعض منها في القرآن الكريم .
" قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 ) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ " ( 40 ) النمل .
حين أمر سليمان عليه السلام جنده أن يأتوه بعرش بلقيس ، تعهد " عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ " أن يحضره إليه قبل أن ينهض من مقامه الذي يجلس عليه ، بمعنى أن العفريت الأول ربط بين الوقت الذي يلزمه لنقل عرش بلقيس بالوقت الذي يقتضيه سليمان عليه السلام لكي ينهض من مكانه أو لكي يفضّ مجلسه ، وهذا عمل عظيم في درجته يفوق كل ما تعارف عليه الناس من قدرات لنقل عرش بأكمله كعرش بلقيس في زمن قصير جداً لا يتعدى دقائق معدودة ، لكن ذلك التعهد لم يرق لسليمان عليه السلام ، فصرف العفريت ليبحث عمّن أفضل منه قدراً وعلماً ، عندها نهض " الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ " ، وهو علم يفوق علم الأول ( قد يكون علم الأول أيضا من الكتاب لسبب سرعته الغير معهودة ) !!! فقال لسليمان عليه السلام " أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " فما كان لسليمان عليه السلام إلا أن وجد عرش بلقيس أمامه من قبل أن يجادله ! .
الحقيقة أن من أتى بعرش بلقيس في لحظة زمنية متناهية في الصغر كالتي بينها الله عز وجلّ في القرآن الكريم ، امتاز بقدرة فاقت قدرة الأول يعود سببها لما آتاه الله عز وجلّ من علم الكتاب !، وبذلك مكنه علمه العظيم " عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ " من تنفيذ رغبة سليمان عليه السلام بسرعة ارتضاها ، ومن ذلك نستنتج أن الوسيلة الفاعلة في نقل عرش بلقيس بتلك السرعة المذهلة نتجت عن معرفة عظيمة كان أساسها علم من الكتاب لقوله تعالى " قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَاب " ، كما نستنتج أن السبب في ضآلة الوقت وتناهيه أو ما نتج من سرعة فورية في نقل عرش بلقيس ، يعود إلى خروج الحدث عن وتيرة الزمن التي اعتاد الناس عليها ، ولو تدارسنا أكثر ذلك الحدث لوجدنا أن الذي أتى بعرش بلقيس لم يعمل على سرعة تفوق سرعة الضوء مثلاً ، بل علّه نقل العرش ضمن وتيرة زمنية مختلفة تخص محيطه هو دون غيره ، ويرجع السبب في ذلك الترجيح إلى علمه عن بعض من ماهيّة الزمن " عِلْمٌ مِنَ الْكِتَاب " ، وبما وهبه الله عز وجلّ من قدرة مكنته من السيطرة على تواتر الوقت المحسوس كيفما شاء ، فمكنه ذلك من تخلل فقرة زمنية ضئيلة للغاية من مجمل الدهر ( ثانية واحدة مثلاً ) ، ثُم مدّها لتصبح وكأنها آلاف السنين نسبةً لمحيطه هو دون غيره ، بمعنى أن الزمن بقي ثابتاً على معدله بالنسبة للآخرين ومعهم النبيّ سليمان عليه السلام ولم تتغيّر معاييره ، بينما تخلله هو في بُعد مُختلف ، ليقوم على نقل عرش بلقيس حتى أكمله ، ثُم عاد مرة أخرى ضمن وتيرة الزمن الطبيعي نفسها أو معاييره الخاصة بالآخرين ، لذا ما كان لسليمان عليه السلام ومن معه إلا أن وجدوا العرش أمامهم في طُرفة عين .
من الأمثلة الأخرى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم عن الاختلاف النسبي بين عامل الزمن وإحساس الناس بالوقت تتلخص في قوله تعالى " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ " ( 88 ) النمل .
وَتَرَى الْجِبَال : بمعنى حين تنظر أنت وجميع الناس الجبال .
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً : تظنّها لا تتحرك ، " تَحْسَبُهَا " تُهيأ إليك ... كونها غير ذلك ! .
وَهِيَ : لكنها في واقع أمرها .
تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب : تتحرك كتحرك السحاب في السماء .
تُبيّن الآية الكريمة في معناها أن الناس حين يرون الجبال يُخيّل إليهم أنها ثابتة في مكانها دون حراك ، وهذا الاستنتاج مقرون بالمدة الزمنيّة التي يقضيها الناس في حياتهم الدنيا نسبةً للمدة التي تقتضيها الجبال في تحركها من مكان إلى آخر ، لكن إذا ما أردنا أن نقوم بتجربة علميّة تهدف إلى إظهار حركة الجبال على نمط تحرك الغيوم في السماء ، يمكننا ساعتها أن نلتقط صورة واحدة في اليوم من فيلم سينمائي لأحد الجبال وبمعدل ثلاثمائة وخمس وستين لقطة في السنة ، ثم نستمر على النمط نفسه لسنوات عديدة ، فإذا ما عُرض الفيلم بعد الانتهاء من تصويره بالسرعة المعتادة للصور المتحركة ، عندها سنرى الجبال تتحرك وكأنها تطفو كما يطفو الخشب على الماء ، بل إذا ما قمنا بخفض وتيرة التصوير أكثر من المعدل السابق ( صورة واحدة في كل شهر مثلاً ! ) وبالتالي أطلنا زمن التصوير لأجيال عدّة ، عندها سنرى أن الجبال تتصرف كتصرف الكائن الحيّ أو الدّابة ، وستبدو أنها تعدو كما يعدو السحاب " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ " ( 88 ) النمل ، " لَوْ ( بمعنى إن حدث ذلك الأمر!! للدلالة على إمكان حدوثه ) أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ( 21 ) الحشر ، وقوله تعالى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ ( كلٍ ضمن بعده الزمني ) وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء " ( 18 ) الحج وقوله تعالى " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ ( كلٍ ضمن بعده الزمني ) إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا " ( 44 ) الإسراء ، وبالتالي يمكن الاستنتاج أن الزمن على علاقة نسبيّة بماهيّة الخلق التي هو عليها ( دابَّة أو نبات أو جماد ) ، كما أن عُمر الخلق المفترض قد يكون مرتبطاً إلى حدّ كبير بسرعة حركته .
تبيّنت فيما سبق خصائص أخرى هامة تضيف إلى علوم الكتاب وأهميته ، وما علينا إلا تدارس مواضيعه المختلفة وعلاقتها بالدهر ، وعلاقة الدهر بالمادة ، كي نتمكن من وضع تصوّر أفضل وأشمل عن قدرة الكتاب ، كما نود أن نُبين أن علم الكتاب شأنه عظيم يفوق في درجته جميع أشكال علوم الناس في الوقت الراهن ! ، وهو لا محالة سيكون من أهم علوم المستقبل الذي سيمكن الناس من الوصل إلى نهايات الكون في زمن ضئيل للغاية لقوله تعالى " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " ( 33 ) الرحمن .
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ : مناداة من الله عز وجلّ لجميع الناس من إنس وجان وهم في نشء زوج الحياة الدنيا ( زوج البعث موحد بين الإنس والجان ! ) .
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : بمعنى إن شئتم تجاوز الحدود الكونيّة للمجموعات السبع أو تخطي مكان الوجود المادي " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " ، وليس سماء الأرض التي نحيا عليها أو غلافها الجوّي .
فَانْفُذُوا : فستستطيعون ذلك ( قدرة مشروطة للاجتياز ! ) .
لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان : ولن تتمكنوا من النفاذ إلا بوسيلة تعينكم على تحقيق ذلك العمل .
يكشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن حدث مهم من أحداث المستقبل ، وذلك بالكشف عن تطور سيحدث في علوم الناس وفي قدراتهم التي ستمكنهم من الوصول إلى نهايات الكون من حيث الإطار المحتوي لمكان الوجود ، لسبب أن كلمة " السَّمَاوَات " الوارد ذكرها في الآية الكريمة بحال الجمع للسماوات السبع ، لذا فهي تشمل في معناها المجموعات الكونية السبع .
المعنى في الآية الكريمة يخدم بيان قدرة الناس على اجتياز " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " أو تخطيهم لمكان المجموعات الكونيّة السبع التي تحتوي كل مجموعة كونية منها على مائة مليار مجرة ، وكل مجرة تحتوي على ما يقارب الثلاثمائة مليار نجم ، بحيث يصبح الأمر من اجتياز تلك المسافات الكونية الهائلة مستحيل التحقيق نسبةً لعلوم عصرنا والمحاولات المتواضعة للوصول بالناس لأقرب الكواكب التابعة لنظامنا الشمسي ، ولسبب تلك المسافات الهائلة في التصوّر يتضح أن " السُلْطَان " أو الشيء الذي سيمكن الناس من الوصول إلى نهايات الكون لا يقتصر على علم المادة أو على نوعيّة المركبة التي سينتقل الناس بها في سفرهم ، إنما سيتمثل الحدث في علم عظيم عن الكتاب الذي من شأنه تقصير زمن تلك الرحلة إلى مدّة تتناسب ودورة حياة الناس !! .
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " ( 3 ) سبأ .
إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ : يكشف الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن قدرة الكتاب في احتوائه لأحداث الكون واستنساخه لها إلى حين استحقاق الكشف عنها ، بمعنى أن الكتاب يستنسخ المادة باستنساخ مكان وزمان الحدث من الشيء المفترض أن يُنظر أيا كانت هيئته أو ماهيّته ، ثم تُحفظ نسخته في كتاب الله عز وجلّ إلى أن يشاء جلّ شأنه فيكشف عنها .
" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 11 ) فاطر .
تُبين الآية الكريمة صفة جليلة من صفات الكتاب وتظهره على أنه سجل مقدر فيه أحداث الناس من قبل نشئهم إلى أن يقضي عليهم الموت ، كما أنها تكشف علاقة الكتاب وعلم الله عز وجلّ ، ذلك أن الكتاب فرع من الدهر ، وأن الدهر من ذات الله جلّ شأنه لقوله تعالى " إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ، بمعنى هيّن غير عسير .
" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " ( 69 ) الزمر .
تكشف الآية الكريمة في بادئها بقوله تعالى " وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا " حدثاً من أحداث القيامة كدليل على قيامها وكمال بعث الناس ، كما أن قوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ " به بيان آخر يُظهر بدء الحساب وتواتر مراحله المتعددة ، وقوله تعالى " وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " به دالة على كمال الحساب الذي تنتهي عند نهايته أحداث القيامة ، ومن ثم يؤذن بالبدء في تواتر أحداث الساعة ونشوء الدار الآخرة ، أمّا قوله تعالى في الآية الكريمة " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " فمعناه أن الله عز وجلّ يكون قد كشف تلك الساعة للأنفس يوم بعثها عن ماهيّة الكتاب وما استنسخ عليها من جرم ، بعد أن زالت عنها غشاوة نشئها في زوج الحياة الدنيا ، وبزوال غشاوة زوجها المُركب وعودة مكوناته إلى سابق عهدها بعد موت الزوج ، تتجلى للأنفس وهي في حال النشء المتجرد عن ماهيّة الكتاب الحق وما استنسخ عليها في نشء الحياة الدنيا لترى كل واحدة عملها مُحضراً أمامها كيوم وقوعه .
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء ِ: بالإضافة إلى ما استنسخ الكتاب على الناس في حياتهم الدنيا ، يُحضِر الله عز وجل النبيين ليشهد كل واحد منهم على أمته بتبليغ رسالته إليهم ومعهم الشهداء أو من هم قتلوا في سبيل الله كقوله تعالى " وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا " ( 69 ) النساء ، بمعنى أن الذين يجاء بهم يوم الحساب هم الفئة التي لا تُقبض أنفسهم في الكتاب ساعة موتهم إلى يوم البعث ، وهم الذين يكنون أحياء عند ربهم على هيئة الأنفس بحال النشء المتجرد ويرزقون من رزق السماء العُلا ، ومن ثم ليكونوا شهداء عيانا على حساب الناس ( اقرأ باب الشهداء ) ، كما أن كلمة " الشُّهَدَاء " تشمل في معناها الكتبة الكرام الذين يكتبون ما يلفظ الناس من قول محرم ( الكلام الملفوظ ) في الحياة الدنيا ويسجلونه عليهم ، على خلاف من " الْكِتَاب " الذي يَرى الناس فيه أفعالهم مستنسخة عليهم من الحدث المادي لأجسادهم دون اللفظ كونه لا يرى كي ينسخ .
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ : وبكمال الموازين القسط السابقة الذكر وبيان أحكامها للناس قبل موتهم ، والكشف عن ماهيتها يوم الحساب التي من أهمها " الْكِتَاب " ، عندها يكتمل قضاء الله عز وجل وعدله بين الناس ، لتبدأ من بعد ذلك مراحل نشوء دار الجزاء ، أمّا الذين لم تصل إليهم الرُسُل فهم غير مساءلين عن أعمالهم لقوله تعالى " مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا " ( 15 ) الإسراء .
" اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ " ( 17 ) الشورى .
تُبين الآية الكريمة أن الله عز وجلّ " أَنْزَلَ الْكِتَاب " الذي لا يأتيه الباطل ليكون راسخا في نشوء الدار الأولى ، وليكون قائماً في ماهيّته على العدل والميزان بين الناس ، وبالكتاب يستقيم الوجود بما فيه من سماوات وأرض إلى أن تقوم الساعة ، أمّا ذات " الْكِتَاب " فهو فرع من الدهر الذي يقوم على احتواء المادة في الوجود بالصورة التي هي عليها الآن ، لذا فالآية الكريمة تُبين للناس عن " الْكِتَاب " وقرب تجليه لهم يوم الحساب .
" هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 29 ) الجاثية .
وردت كلمة " الْكِتَابَ " في القرآن الكريم على الدوام تحت اسم الإشارة إلى الغائب كقوله تعالى " ذَلِكَ الْكِتَاب " لسبب أنه مستتر من حيث لا يستطيع الناس إدراك ماهيّته وهم على نشئهم المُركب في الحياة الدنيا كونه يتغشى بعضه بعضا ( اقرأ باب الزوج ) ، أمّا الآية الكريمة موضوع البحث فبها إشارة مباشرة إلى الكتاب بحال الحاضر المستمر في قوله تعالى " هَذَا كِتَابُنَا " ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الحدث المشار إليه قد أصبح من أحداث يوم البعث كما هو بيّن في الآية الكريمة والآيات ذات العلاقة التي منها قوله تعالى " وَوُضِعَ الْكِتَابُ " ، بمعنى كُشف عن ماهيّته وتجلّت حقيقته المستترة ليصبح منظورا للأنفس بعد زوال غشاوة زوج الحياة الدنيا عنها ، لذا نستنتج أن السبب في الإشارة المباشرة إلى الكتاب يوم البعث بالحاضر المستمر يعود إلى أنه أصبح مرئياً تلك الساعة ولم يعد مستتراً ، كما أن الآية الكريمة تخدم بيان بعض من خصائص الكتاب ووظائفه في قوله تعالى " هذا كتابنا " للدلالة على أن الكتاب المشار إليه أصبح مرئياً ، وقوله تعالى " كتابنا " يخدم إظهار خاصيَّة الكتاب وعلاقته بذات الله عز وجلّ وعلى أنه من نوره جلّ شأنه ، أمّا وظيفته فتدل الآية الكريمة على أن الله عز وجلّ يستنسخ بالكتاب أعمال الناس دون أقوالهم لتُعرض عليهم يوم الحساب كقوله تعالى " إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ، وهذا الاستنساخ أصيل من المادة المكونة للجسد لحظة وقوع الجرم ، وليس تشبيهاً في تصوير الحدوث .
" قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ " ( 4 ) ق .
تُبين الآية الكريمة خاصيَّة أخرى عن الكتاب وعلاقته بالناس وأعدادهم وأعمالهم في الحياة الدنيا ، كما تربط بين تلك الأحداث والكتاب ، وعلاقة الكتاب بعلم الله عز وجلّ وماهيّة حفظه لمحدثاتها .
" مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " ( 22 ) الحديد .
تُبين الآية الكريمة ، أن كل ما قضى الله عز وجلّ وقدر من أحداث في جميع السماوات والأرض وعلى الناس من إنس وجان ، إنما مُقررة في كتاب الله عز وجلّ الذي حُدد فيه زمان الحدث ومكانه وماهيته ودرجته من قبل وقوعه عليهم ، فلا تظهر مصيبة في الأرض إلا بأجل مقضيّ في الكتاب من قبل أن يخلق الله عز وجلّ السماوات والأرض ويخلق الأنفس على هيئة ناس .
" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ( 6 ) المجادلة .
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا : يبعث الله عز وجلّ الناس أجمعين يوم الحشر من إنس وجان في جميع الأراضي التي في جميع السماوات السبع لتلقي حسابهم ولا يغادر منهم أحد .
فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا : أي يريهم الله عز وجلّ أعمالهم المستنسخة عليهم في كتاب الله كما هي ساعة حدوثها ليذكرهم بها .
أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ : أي استنسخها الله عز وجلّ وعَددها في الكتاب ، ليُذكر بها الناس وما نسوا من جرم أعمالهم ساعة أن كانوا في نشء زوج الحياة الدنيا .
الملاحظ المستجدة في الآية الكريمة تختص بوجود إحلال بَين كلمة " كِتَاب " وبين اسم ذات الجلالة كما في قوله تعالى " أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ، علماً أن غالبيّة الآيات ذات العلاقة بتسجيل أعمال الناس في القرآن الكريم تَربط على الدوام بين علم الله عز وجلّ بمحدثات الكون وأحداثه وبين الكتاب عدا هذه الآية ، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتاب مستنسخ زمني من الدهر ، وأن الدهر من ذات الله عز وجلّ الذي عنده أم الكتاب !!! مهم .
" وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا " ( 29 ) النبأ .
يُبين الله عز وجلّ في الآية الكريمة عن كيفية إحصائه جلّ شأنه لمحدثات السماوات والأرض ببيان ما للكتاب من تخصيص وقدرة في استنساخ الأحداث وجمعها ، لسبب أن الكتاب يستنسخ المادة من الزمن المقرر من مجمل الدهر المحتوي لها كونه فرعا منه وكونه من ذات الله عز وجلّ ومن نوره ، لذا فالكتاب لا يتبدد ولا يزول عند زوال المادة أو تحولها ، إنما يبقى كسجل مستنسخ عنها وعن حالاتها في فترة وجودها الدنيوي .
بيّنت الآيات الكريمة السابقة وكشفت عن بعض من صفات الكتاب وخاصة ما يتعلق عن قدرته على نسخ أعمال الناس في حياتهم الدنيا ، كما بيّنت أن الكتاب يستنسخ مادة الجسد من زمن ومكان الجرم ساعة وقوعه ، ثم يُعيد كل حدث لصاحبه يوم الحساب فيريه عمله مستنسخا عليه كيوم وقوعه ، كما حذرت الآيات الكريمة الناس من تخصيصه !! ، لذا فالكتاب يستنسخ الحدث من أصل المادة التي منها خُلقت الأجساد في الحياة الدنيا ، مما يعني أن الحدث المستنسخ أصيل وليس صورة لسبب أن الدهر هو الفاعل على المادة في نشوئها وفي بقائها وليست الطاقة المحتواة ، ولسبب أن الحدث المشهود يوم الحساب يخلو من الصوت كونه لا يرى فينسخ ، بمعنى أن الكتاب لا يستنسخ جرم القول كون ماهيّة الصوت لا تظهر للعين المجردة ... ، لذا سنبين في المرحلة التالية من البحث بآيات بيّنات من القرآن الكريم عن كيفية حفظ الله عز وجلّ لجرم القول وعرضه على الناس يوم الحساب .
أسرار الكون