عرض مشاركة واحدة
قديم 11-27-2008, 10:25 صباحاً   #2 (permalink)
بكري البكري
:: مراقب ::
:: قسم اللغة العربية ::
 
الصورة الرمزية بكري البكري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 2,349
معدل تقييم المستوى: 53573بكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيطبكري البكري نشيط
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى بكري البكري
افتراضيرد: من البيان والتبيين

وقال اللّه تبارك وتعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" إبراهيم: 4؛ لأنَّ مدار الأمر على البيان والتبيُّن، وعلى الإفهام والتَّفهُّم، وكلّما كان اللّسانُ أبْيَنَ كان أحمدَ، كما أنّه كلما كان القلبُ أشدّ استبانةً كان أحمد، والمفهمُ لك والمتفهِّم عنك شريكان في الفضل، إلاّ أنّ المفهِم أفضل من المتفهِّم وكذلك المعلِّم والمتعلِّم، هكذا ظاهرُ هذه القضية، وجمهور هذه الحكومة، إلا في الخاصّ الذي لا يُذكَر، والقليلِ الذي لا يُشهرَ، وضرب اللّه عزّ وجل مثلاً لعيِّ اللسان ورداءة البيان، حين شبّه أهلَه بالنساء والولدان: فقال تعالى: "أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ فيِ الْحِلْيَةِ وَهُوَ في الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ" الزخرف: 81، ولذلك قال النَّمر بن تولَب:

وكلُّ خليلٍ علـيه الـرِّعـا ثُ والحُبُلاتُ، ضعيفٌ مَلِقْ
الرِّعاث: القِرَطَة، والحُبُلات: كلُّ ما تزيَّنت به المرأةُ من حَسَن الحلْى، والواحدةُ حُبْلَة،
وليس، حَفِظك اللَّه، مضرَّةُ سلاطة اللسان عند المنازعة، وسَقَطات الخطل يوم إطالة الخُطبة، بأعظمَ مما يحدُث عن العيّ من اختلال الحجّة، وعن الحَصَر مِنْ فوت دَرَك الحاجة، والناس لا يعيِّرون الخُرس، ولا يلومون مَن استولى على بيانه العجز، وهم يذمون الحَصِرَ، ويؤنِّبون العييّ، فإن تكلّفا مع ذلك مقاماتِِ الخطباء، وتعاطَيَا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذمّ وترادَفَ عليهما التأنيب، ومماتنةُ العَيِّ الحصِرِ للبليغِ المِصقَع، في سبيل مماتَنَة المنقطع المفحَم للشاعر المفلق؛ وأحدُهما ألْومُ من صاحبه، والألسنةُ إليه أسرع، وليس اللَّجلاج والتّمتام، والألثغ والفأفاء، وذو الحُبسَة والحُكلة والرُّتَّةِ وذو اللَّفَفِ والعجلة، في سبيل الحَصِرِ في خطبته، والعييّ في مناضلة خصومه، كما أن سبيلَ المُفْحَم عند الشعراء، والبكئ عند الخطباء، خلافُ سبيل المسْهَب الثَّرثار، والخَطِل المِكْثار، ثم اعلم - أبقاك اللّه - أنّ صاحب التشديق والتقعير والتقعيب من الخطباء والبلغاء، مع سماحةالتكلّف، وشُنعةِ التزيُّد، أعذَرُ من عييّ يتكلف الخطابة، ومن حَصِرٍ يتعرض لأهل الاعتياد والدُّرْبَة، ومَدارُ اللائمة ومستقَرُّ المذَمّة حيث رأيتَ بلاغةً يخالطها التكلف، وبياناً يمازجه التزيّد، إلا أنّ تعاطِيَ الحَصِر المنقوصِ مَقامَ الدرِب التامّ، أقبَحُ من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادُقِ الأعرابيِّ القُحّ، وانتحالُ المعروفِ ببعض الغَزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، أنّه البحرُ الذي لا يُنزَح، والغَمْر الذي لا يُسبَر، أيسَرُ من انتحال الحَصِر المنخُوب أنّه في مِسلاخِ التام الموفّر، والجامع المحكّك، وإن كان النبي قد قال: إياي والتشادُق، وقال: أبغضكُم إليَّ الثّرثارون المتفيهقون، وقال: مَن بدا جَفا، وعاب الفَدَّادِينَ والمتزيِّدين، في جَهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق، ورُحْبِ الغلاصم وهَدَل الشِّفاه، وأَعْلَمنَا أن ذلك في أهل الوبر أكثَر، وفي أهل المدَر أقلّ - فإذا عابَ المدريَّ بأكثَرَ مما عاب به الوبريّ، فما ظنُّك بالمُولَّد القَرَويّ والمتكلِّف البلديّ - فالحَصِرُ المتكلّف والعِييُّ المتزيّد، ألوَمُ من البليغ المتكلِّف لأكَثرَ مما عنده، وهو أعذر؛ لأنّ الشُّبهة الداخلةَ عليه أقوى، فَمنْ أسوأ حالاً - أبقاك اللّه - ممّن يكون ألْوَمَ من المتشدِّقين، ومن الثّرثارين المتفيهقين، وممن ذكره النبي نصاَّ، وجعل النَّهي عن مذهبه مفسَّراً، وذكر مقْته له وبغضَه إياه، ولمَّا علم واصلُ بنُ عطاء أنّه ألثغُ فاحش اللَّثَغ، وأنّ مَخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذ كان داعيةَ مقالةٍ، ورئيسَ نحلة، وأنّه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنّه لا بُدَّ له من مقارعَة الأبطال، ومن الخطب الطِّوال، وأنّ البيان يحتاج إلى تمييزٍ وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجَهارة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأنّ حاجة المنطق إلى الحلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وأن ذلك من أكثر ما تُستمال به القلوب وتُثْنَى به الأعناق، وتزيَّن به المعاني؛ وعلِمَ واصلٌ أنهّ ليس معه ما ينوب عن البيان التامّ، واللسان المتمكِّن والقوة المتصرِّفة، كنحو ما أعطى اللَّه تبارك وتعالى نبيَّه موسى عليه السلام من التوفيق والتَّسديد، مع لباس التَّقوى وطابَعِ النبوة، ومع المِحْنة والاتساع في المعرفة، ومع هَدْيِ النبيِّين وسَمْت المرسَلين، وما يُغَشِّيهم اللَّهُ به من القَبول والمهابة، ولذلك قال بعضُ شعراء النبي:

لو لم تكن فيه آياتٌ مُبيِّنةٌ كانت بداهتُه تُنْبيك بالخبرِ
ومع ما أعطى اللّهُ تبارك وتعالى موسى، عليه السلام، من الحجَّة البالغة، ومن العلامات الظاهرة، والبرهانات الواضحة، إلى أن حلّ اللَّه تلك العقدة وأطْلَقَ تلك الحُبْسة، وأسقط تلك المحنة؛ ومن أجْل الحاجة إلى حُسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقَها من الفصاحة رامَ أبو حذيفةَ إسقاطَ الراء من كلامه، وإخراجَها من حروفِ منطِقِه؛ فلم يزل يكابِد ذلك ويغالبُه، ويناضله ويساجله، ويتأتَّى لسَتره والراحةِ من هُجْنته، حتَّى انتظم له ما حاول، واتَّسق له ما أمَّل، ولولا استفاضةُ هذا الخبرِ وظهورُ هذه الحال حتّى صار لغرابته مثلاً، ولطَرافته مَعْلماً، لما استجزَنْا الإقرارَ به، والتأكيدَ له، ولستُ أَعْنِِي خُطَبه المحفوظة ورسائله المخلَّدة، لأنَّ ذلك يحتمل الصَّنعة، وإنما عَنيْتُ محاجَّة الخصوم ومناقلَة الأكْفاء، ومفاوضةَ الإخوان، واللُّثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء، والغينُ أقلُّها قبحاً، وأوجَدُها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم، وكانت لُثْغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوَّم لسانه أخرج الراء، وقد ذكره في ذلك أبو الطُّرُوق الضبّيّ فقال:

عليمٌ بإبدال الحروف وقامـعٌ لكلِّ خطيبٍ يغلبُ الحقَّ باطلُه



من مواضيع بكري البكري في المنتدى
__________________
توضيح هام
بكري البكري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس