الحروب الطائفية : خروج على قيم الدين ونزوع للتوحش ..
سلسلة من الحروب الطائفية
هناك ظاهرة مشتركة بين جميع الحروب الأهلية عبر التاريخ، ألا وهي نزوع الإنسان فيها نحو التوحش، مهما كانت عقيدته ومبدؤه، حتى يتساوى فيها المتمدن وغيره، فلو استعرضنا مشاهد من حروب أهليّة من عصور شتى، وبين أقوام مختلفين، لوجدناها شاهدة على ذلك.
{
1.حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان( العصر الجاهلي):
تمكن حذيفة بن بدر من خداع مالك بن سبيع، بعد ما أظهر من الجزع على وفاة أبيه سبيع ما أظهر، فأسلمه مالك غلمان عبس الذين جعلوا رهائن عند أبيه إلى أن تدفع عبس دياتها لذبيان، وكان أبوه قد أوصاه أن لا يدفعهم لخاله مهما قال له، ولكنه لم يكن بحنكة أبيه فدفعهم له، فأخذ حذيفة الغلمان وحبسهم عنده، ثم نادى بذوي القتلى من قومه فأجابوه، فكان يُخرج لهم في كلّ مرة غلاماً حدثاً من صبية عبس، فيجعله غرضاً لسهامهم قائلاً للصبي: ناد أباك، فإذا ما نادى أباه مستغيثاً مزقوه بالسهام، وهكذا غلام على أثر غلام حتى أفناهم جميعاً، فلما سمعت عبس بما جرى لأبنائها، أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات (إبل)، فحملوا عليه الرجال، واشتروا السلاح.
ولقد أنشدهم زهير بن أبي سلمى يوم الصلح في معلقته الخالدة خلاصة تجربتهم في حربهم الأهلية تلك فقال:
وَمَا الـحَرْبُ إِلاَّ مَـا عَلِمْتمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِـالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
مَتَـى تَـبْعَثُوهَا تَـبْعَثُوهَا ذَمِـيمَةً وَتَضْـرَ إِذَا ضَـرَّيْتُمُوهَا فَـتَضْرَم
فَـتَعْرُككُمُ عَرْكَ الـرَّحَى بِـثِفَالِهَا وَتَلْـقَحْ كِشَافَاً ثُمَّ تُنْـتَجْ فَـتُتْئِمِ
فَتُنْـتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْـأَمَ كُـلُّهُمْ كَأَحْمَرِ عَـادٍ ثُمَّ تُـرْضِعْ فَـتَفْطِمِ
}
2. حرب البسوس بين قبائل بني قيس بن وائل ( العصر الجاهلي) :
يظهر أمامنا المهَلهِل (الزير) عائدا من آخر معاركه، والتي هُزم فيها بعد أن أسره الحارث بن عبّاد فاحتال عليه ليطلقه، فأطلقه مقابل أن يدله على سيد يكافئ مكانة ابنه جبيرا، فدله على صديقه الوفي امروء القيس بن أبان، فلما لاح هرعت نحوه النسوة والولدان يستخبرونه، تسأل هذه عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه، فقال وقد لخص لنا ثمرات حربه الأهلية " ... قد فني الحيان، وثكلت الأمهات، ويتم الأولاد، ورب نائحة لا تزال تصرخ في النواحي، ودموع لا ترقأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة ورماح مشرعة،... وأخاف أن أحملكم على الاستئصال.."
{
3. واقعة كربلاء (العصر الأموي):
لما فرغ القوم من قتل الحسين،احتزوا رأسه وجعلوه على رمح طويل، وابتهجوا لذلك، ثم آذنوا بسلبه، فسلب حتى ترك عارياً، ثم جاءوا بعشر من أفضل الخيل معروفة عند العرب بالأعوجيّة، فأوطأوها بدنه حتى هشموه، ثم تركوه ثلاثاً حتى أكلته الذئاب، وتوزعت عظامه في رقعة واسعة من الأرض " بين النواويس وكربلاء "، اضطرت دافنه إلى أن يسير يمنة وشمالاً يجمعها في حصير من القصب ليواريها التراب، ما لا يفهمه المرء هو دافع المُثلة هذه، والمبالغة في الانتقام من جثة.
}
4. وقعة الحرة (نفس العصر الأموي):
ثار أهل المدينة المنورة على حكم يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين فأخرجوا عامله وسائر بني أمية من المدينة، فسيَّر إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة الفهري، ولما انتهى الجيش إلى الموضع المعروف بالحرَّة، هجم على المدينة وبالغ في قتل أهلها ونهبها، واستباحها ثلاثة أيام ( دماً ومالاً وعرضاً ) حتى سُمي بمسرف بن عقبه، فلاذ الناس بقبر الرسول (ص) لكن جيش الشام ما راعى لقبر الرسول حرمته ودخلوه بخيلهم وقتلوا الناس فيه، وكانت المدينة مسكن بقية الصحابة ومسكن التابعين، فكان الوالد لا يضمن لخاطب ابنته أنها لم تغتصب في الواقعة،حتى لو كانت يومها طفلة صغيرة..
{
5. مجازر العباسيين في الأمويين:
اجتمع عند عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس عدة من بني أمية نحو تسعين رجلاً، فلما اجتمعوا عند حضور الطعام، دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم، على عبد الله بن علي عم السفاح وأنشده:
أصبحَ الملك ثابتَ الآساسِ بالبهاليل من بني العباسِ
طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميل من الزمان وياسِ
لا تقيلن عبد شمس عثاراً واقطعن كل رقلة وغرَاس
ذُلُها أظهر التـــودد منها وبها منكم كحد المواسي
ولقد ساءني وساء سوائي قربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والإتعاسِ
واذكروا مصرع الحسين وزيد وشهيد بجانب المهراس
فأمر عبد الله بهم فضربوا بالعُمُد حتى وقعوا وبسط عليهم الأنطاع، ومد عليهم الطعام، وأكل الناس وهم يسمعون أنينهم حتى ماتوا جميعاً، وأمر عبد الله بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، ونبش قبر يزيد ابنه، ونبش قبر عبد الملك بن مروان، ونبش قبر هشام بن عبد الملك فوجد صحيحاً، فأمر بصلبه فصلب، ثم أحرقه بالنار وذرَّاه، وتتبع يقتل بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فلم يفلت منهم غير رضيع أو من هرب إِلى الأندلس، وكذلك قَتَل سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة جماعة من بني أمية، وألقاهم في الطريق، فأكلتهم الكلاب، ولما رأى من بقي من بني أمية ذلك تشتتوا واختفوا في البلاد، ولقد قال شاعرهم
لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
}
6.الحرب الأهلية الاسبانية 1936:
قالوا:
"بعد أن ربحت الجبهة الشعبية الانتخابات خُربت مائتا كنيسة، ووقعت 300 حادثة اغتيال سياسي، وحصل مئة وثلاثون إضرابا عن العمل، ونهبت مراكز عشر صحف ، وفي القرى تكاثرت هجمات العناصر المسلحة ضد أهل اليمين وضد أرباب العمل، وجرى الاستيلاء على الأراضي، ونظمت المذابح للناس بحجج مختلفة، منها انه أشيع أن نساء كاثوليكيات ورجال دين قتلوا أطفالا بان وزعوا عليهم حلوى مسمومة، وعمت موجة من الجنون الجماعي الأحياء الشعبية، حيث جرى حرق الكنائس وقتل الكهنة، ونساء بائعات للحلوى في الشوارع، ووصل الأمر إلى رجال العلم والتربية، فقتلت معلمات واغتيل مثقفون وشعراء، ولم يعد احد بمنجى من الموت سواء الأغنياء أو الفقراء، أرباب العمل أو العمال، والضباط أو الحرس المدني، الكهنة أو الراهبات، وقتل سبعة آلاف وتسع مئة وسبعة وثلاثون من رجال الدين، بعضهم حرقا وهو حي، ومات مائتا ألف شخص في أسبوعين"
وقال شاهد عيان لمذبحة من المذابح" وجهت النعاج ( ناس) نحو الشاطئ حيث رميت بالرصاص بتمهل، رأسا رأسا تحت إشراف العسكر وعندما ينتهي العمل يضعون النعاج في كومة، نعاج برأت روحها وأخرى لم تبرا ثم يرشون عليها الوقود، وظل المشهد قائما فقد خيم آلاف الأشخاص في العراء تحت المطر وأقيمت البيوتات بكراس حول طاولات وأدوات مطبخ وفرش وأسرة، بيوت بدون جدران، بدون أسقف، عشرة آلاف شخص يعيشون تحت المطر البيوت ملآنة، وكذا الأرصفة والمغاور ومآوي الكلاب، ووسط الخراب كانت النسوة تفتش عن أطفالهن الصارخين.
{
7.جنوب السودان:
قالت التقارير الدولية عن حصائد الحرب الأهلية في جنوب السودان:
"حصدت الحرب الأهلية في جنوب السودان (1955-1972) و(1983-2003) ما يزيد عن مليوني قتيل، وأعدادا أخرى لا تحصى من الجرحى والمعوقين، وكان نصيب الهجرات الداخلية الناجمة عنها ضعف أعداد القتلى، فقد تشرد أربعة ملايين سوداني وأصبحوا لاجئين داخل وطنهم. أما من ضاقت بهم سبل العيش بين ربوع الوطن وقرروا النزوح إلى البلدان المجاورة -وهم يعيشون ظروفا غير إنسانية- فقد بلغ عددهم 420 ألف لاجئ.
هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى والمهجرين خلق ثارات وعداوات كثيرة، وتسبب في مشكلات اقتصادية، واجتماعية سلبية لم يعهدها المجتمع السوداني بهذه الكثرة من قبل، منها تزايد الأنشطة الخارجة عن القانون مثل اختطاف الماشية وتهريب العاج والذهب والأحجار شبه الكريمة واختزان السلع للربح منها وانتشار تجارة الأسلحة بين المليشيات القبلية".
}
8.الحرب الأهلية الهندية:
في فيلم المهاتما غاندي، يقف رجل من الهندوس أمام فراش المهاتما، وهو في إضرابه عن الطعام، احتجاجا على الحرب الأهلية، التي دارت بين المسلمين والهندوس، والتي أدت إلى تقسيم البلاد، يقف الهندوسي باكيا، طالبا طريقة للتطهر من جريمة اقترفها ضد طفل مسلم، أخذه من بين يدي أمه، وأمسكه من رجليه، وفضخ رأسه بالجدار حتى تناثر مخه، ردا على جريمة أخرى جرت عليه من حرق وتدمير، فكان يتعذب لجنايته، ولا يعرف طريقا للتكفير عنها ، فاقترح عليه المهاتما (والذي لازال يحتفظ بروحه الإنسانية) أن يأخذ يتيما من يتامى المسلمين، الذين قتل آباؤهم وتشتتوا في الأرض ، ولكن دون أن يغير دين الطفل بل على دين آبائه يربيه.
{
9.الحرب الأهلية اللبنانية:
يقول أحد التقارير،
"وخلالها أسفر معظم اللبنانيين عن طائفيتهم وتعصبهم البغيض، وعمت الجرائم بلداً كان أبناؤه َيدَّعون أنهم أكثر أبناء المنطقة حضارة وتقدماً، فإذا بالقتل الجماعي والقتل على الهوية يصبح أسلوباً للحرب، فِرق المسلحين تدخل مواقع العمل، وطبقاً لبيانات تحقيق الشخصية، تجمع الخصوم في الحجرات، وتطلق عليهم النيران، فضلاً عن اغتصاب الفتيات، وتقطيع الجثث والرقص حولها، واستعمال الرصاص بدلاً من مزمار السيارة لإفساح الطريق، وإيقاف الناس عند حواجز التفتيش في الطرقات وتجريدهم من ثيابهم ليصبحوا عراة، ومن خلال حالة "الختان" يمكن تمييز هوية الشخص، وفي يوم أسود اختُطِف العشرات وقتل معظمهم على الفور، وقُطِّع الآخرون وعلقوا على أبواب مقار الحزب، وقتل العمال وألقيت جثثهم في البحر"
كل الحروب الأهلية _ وهي كثيرة جدا_ بلا استثناء وفي كل حقب التاريخ كانت وحشية، وخارجة عن حدود المبادئ الإنسانية، ومخالفة لمبادئ الدين ومنتهكة لحرماته، مهما كان دين فاعليها سماوياً أو أرضيّاً، إلهيا أو بشرياً،
أين هي الحرمات المغلظة عندهم في الدماء والأعراض والأموال؟ كلها تصبح نسياً منسياً عند ما تثور ثائرة الحرب المذهبية، فلا تكون المسيحية حينها إلاّ الكاثوليكية عند الكاثوليك والبروتستانتية عند البروتستانت والأرثوذكسية عند الأرثوذكس، ولا يكون الإسلام إلاّ التسنن عند السنة، والتشيع عند الشيعة، فالبوذية التي كانت بمثابة الحركة التصحيحية للهندوسيّة، والتي تقوم على " نكران النفس وقمع الشهوات وقهر الإرادة والشفقة على جميع الكائنات واستئصال الخطيئة"، والتي كانت ترفض نظام الطبقات الهندوسي، وتقبل كل إنسان فيها، وتجعل منزلته على حسب فعله لا على حسب ولادته".
والهندوسيّة نفسها التي تعتقد أن المخلوقات إلهية الطابع، وأن "البراهما" يوجد داخل كل كائن حي، وأن الدين هو عملية البحث عن الذات، أي عملية البحث عن الكيان الإلهي داخل الإنسان، والتي يمكن أن تتم بطرق عديدة ومن خلال الطقوس الدينية المختلفة، ومهما تنوعت هذه الطقوس فهي صحيحة، وستؤول في النهاية إلى معرفة الإنسان لذاته، وليس من الضروري أن تكون الطقوس هندوسية فقد تكون مسيحية أو بوذية، لهذا ينص كتاب الفيدانتا على احترام جميع الأديان"، ومع كل ذلك فانظر إلى وحشية هذا الإنسان في الحرب الأهلية الهندية والحرب الكمبودية وسائر الحروب في بلاد الهندوس والبوذيين.
للإنسان أن يسأل المسلمين والمسيحيين أين غابت عنكم مبادئ الدين في كل صراعاتكم الأهلية المذهبيّة ؟
السؤال لماذا يحدث كل ذلك؟ ولماذا تغيب عن العقل كل مبادئه ؟
وفي الحروب المتكافئة بين الجيوش يمنع تدافعها من الإيغال في التوحش عادة، إذ لكل فريق ما يدفع به عن نفسه، ولكل فريق ما يخشاه من خصمه، وما يرجوه لها عنده، من حفظ الأسرى، وحسن المعاملة لو ساءته العاقبة، أما في الحروب الأهلية فتقع أكثر الضحايا بين الضعاف من الشيوخ والنساء والولدان أو المدنيين العزل، أو الرافضين للانخراط في مهزلة الحرب، فيتم فيها قتل الأطفال وتجنيد الصبية، واغتصاب النساء وخطف الفتيات، وتسخيرهن للخدمة والترفيه، بداعي قطع مدد المقاتلين المحتملين لو كبر الأطفال، وشغل أرحام النساء بمن هم لا ينتمون لهن في العرق والدين، لتلويث الأصل في وجدانهن، وفي خلال ذلك كله يشبع الوحش شهوته ويستجيب لداعي غريزته في الفتك والانتقام.
دائـــــما كنت أسأل نفسي لماذا تقوم الحرب الأهلية وهل تحقق أهدافها هذا إذا كانت لها أهداف أصلاً ???
اعزرونى انا كان يوجد اخطاء فى كتابة بعد الاحداث
وان كان يوجد بها اخطاء ارجو من زوى العلم تصحيحها بل الادلة والبرهين الصادقة
و استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم