| أرأيتم يا أحبائي يؤثر إخواننا الحداثيون قصيدة النثر لأنها تنقذهم من كل هذه البروتوكولات التي يجب الالمام بها قبل الدخول الى عالم الشعر,, إنهم يريدون الانتماء الى الشعر ولكنهم لا يريدون ان يبذلوا أي جهد ولا ان ينصهروا في بوتقة الشعر الحقيقي وذلك لأنهم ليسوا شعراء مطبوعين فأرادوا عجزا اختصار الطريق بإلغاء العروض برمتها ومع ان هذه الأسس والقواعد قد يلم بها الأكاديميون فهي موجودة في كتب التراث ولكن الالمام بها لا يمكن أن يخلق شاعرا,, ان الشاعر الحق يولد بفطرته وطبعه شاعرا انها ملكة مركبة في ذات المرء منذ ولادته تتواءم وتتناسق مع فطرته وطباعه وذوقه وسماته,, وكما ذكرت في مقالاتي السابقة فإنها تتكيف مع بيئته فاذا نشأ في بيئة شعر أصبح شاعرا ،واذا نشأ في بيئة موسيقى أصبح موسيقارا نادرا مميزا أو اذا نشأ في بيئة نحت أصبح نحاتا عظيما واذا نشأ في بيئة فن أيا كان ذلك الفن فإنه يتقنه ويصل بملكته فيه الى أقصى حدود الاتقان والتفرد,,.
إن الحداثيين يريدون تغيير الامور وقلب الحقائق ونقض المسميات وخلط النثر بالشعر كل ذلك بهدف واحد وهو ان يقال عن نصوصهم النثرية انها شعر,, والسؤال لماذا,,؟ لماذا,,؟ لماذا؟
وما هو الهدف الذي يستفيد منه أدبنا الحديث,, من اجل ذلك قرروا محو التراث واتهامه بالجمود والتخلف ووصفوا الشعر الاصيل بالتقريرية والتكرار ونسوا او تناسوا ان التراث يحمل في طياته نثرا لا أروع ولا أجمل يتمثل في المقامات والخطب الرائعة، اما في العهد الحديث فهذا جبران خليل جبران ونثره اللؤلؤي الرائع ومع ذلك فلا جبران قال ولا احد من معاصريه قال :ان نثره ذاك يعتبر شعرا، انه العجز والرغبة في الوصول الى القمم بلا أصالة او ملكة او مقومات ان كل اهبل يريد ان يكون شاعرا ويسارع الى لضم المفردات لضما ويصدر الكتاب تلو الآخر للشاعر فلان ابن علان,, ولا شيء في الكتب الا مسخ وخلط لا قيمة له ولا هدف ولا معنى,, وعندما أدركوا ان نثرهم هذا الذي أطلقوا عليه مسمى قصيدة النثر عندما يحاولون ابراز معنى له يأتي باردا ومملا خرجوا أخيرا علينا بتفسيرات تقول :إن الهدف ينبغي ان يكون الناحية الجمالية في النص وليس معنى النص وقرروا انه لا داعي لأي معنى ولا داعي لأي هدف او مغزى ،وان أروع نص هو ذلك الذي يكتنفه الغموض من كل جانب فلا يدرك معناه ولا هدفه احد، وعندما وجدوا ان شعرهم هذا لم يلق أي استحسان بل وجد إعراضا من المتلقين اتهموا كل المتلقين حتى المثقفين منهم وحتى الشعراء بالجمود والتخلف,, كل هذه الدائرة الطويلة العريضة من المغالطات لكي يقنعونا بانهم شعراء,, حتى لو كانوا شعراء بلا شعر,, المهم انهم هم الشعراء ولا احد غيرهم ،اما هؤلاء الاغبياء المتخلفون الرجعيون شعراء الشعر العمودي على حد تعبيرهم وتسميتهم لشعراء الاصالة وشعراء التراث فإنهم في رأيهم لا شيء، لا شيء على الاطلاق لأنهم يرددون كلاما مكررا مطروقا عشرات المرات على مر العصور وشعرهم شعر تقريري ممل ولو عرفوا وليتهم يعرفون ان السر في جمال شعر الاصالة والتراث انه برغم كونه شعرا له أوزان محدودة فانه على مر السنين وعلى كثرة الشعراء لم ينضب معينه وراح الشعراء في كل عصر يسبحون في بحاره التي هي أشبه بالمحيطات ويغرفون منه على مر العصور دون ان يبلى او يموت بل راح يتجدد ويزداد حلاوة وطلاوة ولو أنصفوا لأدركوا ان الشعر مر بعصور تخلف في الأمة فتخلف معها ومر بعصور ازدهار فازدهر وطاب وأينع وانه مرت فترات تجديد للشعر في العصر العباسي ثم ضمر واضمحل في عهد حكم آل عثمان الذين سحقوا اللغة العربية حتى أصابها الضمور والتخلف ،ثم جاء عهد النهضة في القرن الماضي عندما ثار العرب على عبوديتهم واستعادوا أمجاد لغتهم فكانت المدارس الشعرية كمدرسة أبولو ومدرسة الديوان ومدرسة المهجر في الشام وعادت للشعر روعته واصالته وظل ملتزما بأوزانه وبحوره ولكن بصيغ جديدة وأساليب متجددة ورائعة, ثم ابتدأت عهود الاستعمار الغربي للعرب وبدأ الضعفاء في عروبتهم يتأثرون بالثقافة الغربية بما فيها من أخطاء وما فيها من عيوب وبدأ أساتذتهم الغربيون يوجهونهم الوجهة التي تخدم أهدافهم وتخدم الاستعمار وتفتت لغتهم لغة القرآن وهي الشيء الوحيد الذي يربطهم بعضهم ببعض, وبدأت حركة التجديد العاقل مع مدرسة أبولو فقرأنا رائعة الشابي عذبة أنت وقرأنا اطلال ناجي وغيرها وغيرها وقرأنا ثورة الشك لعبدالله الفيصل,, وامتدت حلقة التجديد حتى أصيبت بانتكاسة الحداثة,, وما فيها من ثورة على التراث ونقض لكل مقوماته وثوابته وتحير كثير من المثقفين واندمج السذج والعاجزون في التيار حتى لا يقال عنهم انهم متخلفون وضموا أصواتهم مع الجميع وبقي المؤمنون بتراثهم المحافظون عليه العارفون لجوهره وجماله ثابتين لا تزعزعهم كل الدعاوي ولا يحبطهم وصفهم بالتخلف والتقريرية والتكرار بل إن المعركة كانت حافزا لهم فبدأوا يراجعون حساباتهم وراحوا يجددون ويرتفعون بأساليبهم وينتقون مفرداتهم بكل دقة وحس ووظفوا إحساسهم الصادق للخروج من الأزمة بشعر قوي متين يحمل من أساليب التجديد وأصالة المعنى ورقة المشاعر وابتعدوا عن التقريرية والنظم الممل فظلوا ثابتين في الميدان لم تزعزعهم قوة الموج ولم تجرفهم رعونة التيار وعندما وصل الحداثيون الى طريق مسدود عادوا يتراجعون,, وبدأوا يعترفون بأخطائهم وبانهم كانوا ركاب موجة حتى إن بعضهم عندما رأى موجة الشعر العامي الدارج مرتفعة ركبها وراح ينادي بأصالة الشعر الشعبي وانه يجب ان تكون له المكانة وان يوضع في المقدمة.
إن هذه الأمة قد بلاها الله بأبنائها واذا لم يرعها الله بعين رحمته فسوف يضللها بنوها ويسقطون بها ومعها الى الحضيض ولا حول ولا قوة الا بالله.
وما أريد ان أضيفه هو انه عندما انكسرت شوكة العرب في المشرق العربي وأصبحوا محكومين بعد ان كانوا حاكمين تفكك الشعر وانزوى,, لكنه في ذات الوقت عندما ازدهرت دولة العرب وحضارتهم في المغرب الأندلس راح الشعراء هناك يبحثون عن وسيلة للتجديد خاصة وهم قريبون من دول الغرب فراحوا يحاولون تأثرا بالغرب إدخال بعض التعديلات على اوزان الشعرواستحدثوا أوزانا جديدة وانواعا جديدة من الشعر فكان هناك، الموشحات، والدوبيت، وقام حتى العوام والسوقة باستنباط أوزان باللغة العامية درجت على ألسنة العامة فكان هناك الزجل، والمواليا، والكان كان، وألقوما، كل هذه الأوزان سواء منها ما كان باللغة العربية الفصحى او ما كان باللغة العامية الدارجة كلها تبخرت واضمحلت ولم يبق منها شيء فيما عدا القليل القليل من الموشحات لأن الابداع كان فيها غالبا، وعندما نطالع كتب التراث في الأندلس نقرأ تلك الموشحات التي حفظها لنا تراث الأمة العربية بالمغرب والأندلس، ولكن للأسف لن يكون لها أي امتداد على الحاضر لأنها في حقيقتها ليست لها جذور راسخة في التراث العربي الأصيل,, ولهذا انقرضت واضمحلت وتلاشت
منقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــول للفائده
|