الوقفة الأولي
أما بعد :
فإذا اضطربت النفس فلم تطمئن وحار القلب فلم يسكن وأرقت العين فسهرت ولم تنم ، فما عسى المسلم حينذاك أن يفعل ؟
وإذا ما اشتدت الكروب وأحاطت المصائب والخطوب وتكاثرت الهموم والغموم ، فبأي عمل نقوم لتنقشع من سمائنا الغيوم وليرجع إلينا صفاء عيشنا ، أين الدواء المخلص من عضال هذا الداء داء القلق النفسي والاضطراب ؟
إنه يا معشر المؤمنين ذكر الله الذي يصف لنا في محكم كتابه حال طائفة من عباده فيقول : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [ الرعد : 28 ] .
يكفي أيها المهموم أن تقول ثلاثا : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [ الأنبياء : 87] .
فيأتي الفرج سريعا .
إنها دعوة وذكره ، أنقذ الله بها يونس ذا النون من بطن الحوت ، ولو لم يقلها للبث في بطنه إلى يوم يبعثون .
يكفيك أيها الخائف أن تقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، فتنقلب بنعمة من الله وفضل منه لم يمسسك سوء ، ويكفيك يا من ضاق عليك رزقك أن تذكر الله فتقول : (( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه )) ( 1 )
فيتوسع رزقك وتقضى حاجتك ، وحسبك أيها المستوحش في وحدتك ، المكروب في غربتك ، البعيد عن أهلك وموطنك أن تذكر الله تفوز بمعيته ، قال فيما يرويه عن ربه عز وجل : (( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه )) .
قال ابن عباس أي : بالليل والنهار، في البر والبحر ، والسفر والحضر ، والغنى والفقر ، والمرض والصحة ، والسر والعلانية .
ولقد ذم الله المنافقين فقال : ولا يذكرون الله إلا قليلاً [ النساء : 142 ] .
وقال تعالى : ولذكر الله أكبر [ العنكبوت : 45 ] .
قال ابن عباس أيضا : له وجهان : أحدهما : أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكركم إياه .
والآخر : أن ذكر الله تعالى أعظم من كل عبادة سواه ، وفرق كبير بين الذي يذكر ربه والذي لا يذكره ، إذ يقول الرسول : (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت )) ( 4 ) رواه البخاري .
ويقول الحبيب أيضا يبين لنا أن الذكر مطردة للشيطان يقول : (( إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه )) ( 1 ) رواه البيهقي .
وتعظـم درجة الذكر لله إذا كان ذكره لربه سبحانه بين قوم غافلين لاهين : (( ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين )) ( 2 ) كما يقول سيد المرسلين .
إن ذكر الله عبادة عظيمة تشمل عدة أنواع من العبادة وتدخل في الكثير منها فهل كانت الصلاة إلا ذكراً أو كانت إقامتها إلا ذكرا : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] .
وهل قراءة القرآن إلا ذكر ؟
بل إن من أسماء القرآن اسم الذكر ، وهل يخلو الحج من ذكر الله : فـإذا أفضتـم من عرفـات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم [ البقرة : 198 ] .
ولا يخلو الصوم من الذكر ، والدعاء ذكر والاستغفار ذكر ، إن من الناس من لا يعرف ذكر الله إلا عند المناسبات كعقد قران أو عزاء في ميت ، وإن ذكرت الله في غير هذه المناسبات أمامه استغرب ذلك منك ولربما رماك بالدروشة أو بالجنون ، إن ديننا يأمرنا أن نذكر الله في كل الأحوال كما سبق ، بل لقد عد الله من يذكره خاليا بعيداً عن الناس فتفيض عيناه عده سبحانه وتعالى فيمن يظلهم تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله سبحانه وتعالى .
جعلني الله وإياكم من الذاكرين ، وجنبنا وأهلنا غفلة الغافلين الذين كان لهم الشيطان قرينا : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين [ الزخرف : 36 ] .
--------------------------------------------------------------------------------
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 17/12 .
( 4 ) صحيح البخاري : كتاب الدعوات ، باب فضل ذكر الله 7/168 .
( 1 ) الجامع لشعب الإيمان 2/578 .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الكبير 10/16 .
الوقفة الثانية
الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي أمر عبده فقال : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : 205 ] .
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وبعد :
فقد أخرج أحمد والترمذي والحاكم عن أبي الدرداء قال :
قال رسول الله : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق (الفضة) ،
وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .
قالوا : بلى .
قال : ذكر الله )) ( 2 ) .
ولما كان الأمر كذلك كانت مجالس الذكر أعظم المجالس بركة وأجراً بشهادته الذي يقول فيها : (( لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده )) ( 3 ) رواه مسلم .
بل شبه النبي حلق الذكر في الدنيا برياض الجنة إذ يحث المؤمنين قائلا : (( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا .
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال : حلق الذكر )) ( 4 ) رواه الترمذي .
إن مجالس الغفلة هي التي لا يذكر فيها اسم الله ولا يصلى فيها على نبيه أخرج أبو داود والترمذي عن رسول الله :
(( ما من قوم جلسوا مجلسا وتفرقوا منه لم يذكروا الله فيه إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة )) ( 1 ) .
ويقول : (( ما قعد قوم مقعداً لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب )) ( 2 ) .
--------------------------------------------------------------------------------
( 2 ) سنن الترمذي : كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الذكر 5/459 .
( 3 ) صحيح مسلم : كتاب الذكر ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 17/22 .
( 4 ) سنن الترمذي : كتاب الدعوات ، باب 83 5/532 .
( 1 ) المستدرك 1/492 .
( 2 ) مسند أحمد 2/463 وقال الهيثمي رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد 10/79 .
أذكر الله