| السنه العرب و بناء العراق الجديد لم تتعرض شريحة من شرائح الشعب العراقي خلال السنوات الأربع الماضية كما تعرض السنة العرب، سواء في عواصم الدول الغازية والمحتلة للعراق أو في أوساط قوي المعارضة العراقية السابقة المتحالفة مع إدارة الاحتلال، انطلقت حملة لا أول لها ولا آخر، لتحطيم العراقيين السنة العرب معنوياً وأخلاقياً، وعزلهم وتهميشهم سياسياً.
بدأت الحملة بتكريس الادعاء بأن السنة العرب ليسوا أكثر من أقلية ضئيلة، لا تتجاوز في أكثر التقديرات كرماً العشرين بالمائة من السكان.
اتهم السنة العرب بالتماهي مع النظام السابق، وبأنهم حكموا العراق تحت رايته بالحديد والنار. حملوا عبء جرائم ومذابح، لا يعرف أحد حتى الآن إن كانت قد وقعت بالفعل. وقيل إنهم يقطنون أكثر المناطق العراقية فقراً بينما يسيطرون على ثروته النفطية في معزل عن شرائح الشعب العراقي الأخرى.
سيطر الغوغاء على المساجد السنية، وهي أوقاف إسلامية محرمة يؤثم كل من يمسها بسوء، وطرد أو اغتيل العلماء والأئمة السنة. لم يقل أحد أن عشرات الآلاف من الأكراد شاركوا في حملات الأنفال، ولا أن العشائر الشيعية قدمت العون الأهم لكتائب الحرس الجمهوري، التي أخمدت تمرد بعض المدن الجنوبية علي الحكم المركزي في 1991.
لم يتذكر أحد أن النظام السابق اقتحم الرمادي بالقوة في منتصف التسعينات كما اقتحم النجف قبلها بسنوات. ولم يذكر أحد أن أكثر أعضاء حزب البعث كانوا من ال**** العرب، ولا أن البعثيين ال**** احتلوا أعلى مواقع الحكم. بل إن أحداً لم يشر حتى إلى أن العراق لم يعرف الإحصاءات الطائفية، وإن كل الحديث حول الأقلية والأكثرية ليس سوى تخمينات مغرضة.
وما إن انطلقت المقاومة العراقية بعد أسابيع من بداية الاحتلال، حتى نظمت حملات عسكرية مدمرة لكسر إرادة العراقيين السنة العرب ونشر الخراب في مدنهم وبلداتهم. وسرعان ما رسمت للعراق صورة جديدة من المثلثات والمربعات لم يعرفها تاريخه أو أهله. وحتى البعض من مسئولي دولة المنطقة الخضراء العراقيين لم يخجل من استخدام مصطلحات مثل المثلث السني، وكأن السنة العرب ليسوا جزءاً من العراق ولا هم البناة التاريخيون لميراثه ومدنه، من الموصل إلى بغداد إلى البصرة.
وتحت غطاء من دوي الهجمات على الفلوجة والرمادي وسامراء وبعقوبة، أخذت اتهامات التكفير والتطرف والعداء لآل البيت وبقايا النظام السابق، تكال للسنة العرب بدون تمييز ولا حساب. مقاومة العراقيين الوطنيين والإسلاميين الشرفاء باتت إرهابا، ورفض الاحتلال بات تعصباً. الذين هاجموا الفلوجة وأوقعوا بها الدمار والموت حملوا على صدورهم صور السيستاني وارتفعت أصواتهم بالأهازيج الشعبية على مشارف المدينة، وكأنهم يغزون مدينة الأعداء لا مدينة عراقية، عربية، إسلامية. الذين يقتلون العراقيين على الهوية يختطفون الشبان السنة لمجرد ذهابهم إلى المساجد للصلاة، والذين يرتكبون جرائم الاغتصاب للفتيات العرب السنة يتفاخرون بجرائمهم علناً.
تحطيم السنة العرب، تهميشهم، كسر إرادتهم، وإيقاع الهزيمة بهم، كانت أهدافاً ضرورية لتحقيق هدف أكبر: تحطيم العراق ذاته، إيقاعه فريسة لحفنة من السياسيين الطموحين الأغرار، فاقدي الكفاءة والولاء الوطني، أو تقسيمه لإقطاعيات صغيرة تحكمه هذه العائلة أو تلك، وانتزاعه نهائياً وإلى الأبد من محيطه ومسؤولياته العربية.
الذين قادوا الحملة على السنة العرب كانوا يدركون أن هذه الفئة من الشعب العراقي هي الأقل طائفية على الإطلاق، بل هي الوحيدة التي لا تنظر إلى نفسها كطائفة أو فئة، هي الحارسة لوحدة العراق الوطنية، وهي الضمان لانتمائه العربي والإسلامي.
ولكن الخطر الأكبر يأتي من أولئك الذين أعطوا لأنفسهم حق الإعلان عن إمارة إسلامية ما في عدد من المحافظات العراقية يغلب على سكانها العراقيين العرب السنة، وكأنهم يؤكدون شرعية دستور كتب في ظل الاحتلال ويقرون بشرعية برلمان يقرر مستقبل العراق الوطني، وهو لا يستطيع حماية حياة أعضائه وحياة العراقيين الذين يدعي تمثيلهم، ولا الخروج من المنطقة الخضراء.
اليوم تصل تلك الحملة ضد العرب السنة إلى نهاياتها، ليس لأن قادة تلك الحملة قد استقاموا وأدركوا خطلهم وحمقهم وخطاياهم، بل لأن الاحتلال الذي تظللوا بظلاله يمضي إلى نهايته. وهم يرون أحلام السلطة والملك تنهار أمام أعينهم، أصبح همهم الحفاظ علي الامتيازات التي حصلوا عليها في سنوات الموت والدمار، والإفلات بحياتهم.
على أن خطاباً جديداً ضد السنة العرب يولد الآن بينما تضج أوساط الفكر والسياسة والحكم في لندن وواشنطن بدعوات الانسحاب من العراق، والجدل حول من يتحمل مسؤولية الفشل والهزيمة. الذين يرفضون الانسحاب السريع لقوات الاحتلال ويحاولون البحث عن طريقة ما لإنقاذ مشروعهم العراقي وموقعهم في سجلات التاريخ يدعون بأن الانسحاب سيؤدي إلى سيطرة التنظيمات الإرهابية علي المناطق السنية، وتحول الأخيرة إلى مصدر تهديد لاستقرار الشرق الأوسط والعالم ككل.
وفي أكثر تحذيراتهم لطفاً، يدعون بأن الانسحاب سيطلق القوى العربية السنية في حملة انتقام وثأر، تتحول سريعاً إلى حرب أهلية شاملة. ويلعب عدد من مسئولي الدولة العراقية الطارئة دوراً رئيسياً في حملة التخويف مما سيؤول إليه العرب السنة، تحركهم دوافع الرعب المتصاعد من لحظة مواجهة الشعب العراقي بدون مظلة المحتلين العسكرية. كما بدأ مشروع الاحتلال بمخططات التحالف مع ال**** وتحطيم السنة، يجري الآن إنشاء جدار رعب سني لتبرير إطالة أمد الاحتلال.
استندت الحملة على السنة العرب في مطلع الاحتلال علي الأكاذيب والمخططات الدعائية، وتستند الحملة الحالية علي مزيج من المتخيل والكذب والجهل بالعراق وأهله.
في دائرة المقاومة العراقية الواسعة، ثمة عناصر وقوى "إرهابية" وطائفية بلا شك. ولكن الوعي الجمعي للسنة العرب، انتماءهم الوطني، ميراثهم التاريخي، دورهم في بناء العراق الحديث، ودروس السنوات القليلة الماضية، تجعلهم أكثر حكمة وقدرة علي تحمل مسؤولياتهم في بناء العراق الجديد.
منذ بدأ الاحتلال، أدرك الوعي العربي السني الجمعي ضخامة التحدي الذي يواجه العراق وضخامة المسؤوليات التي ألقاها القدر علي عاتقه لحماية استقلال العراق ووحدته، وحماية استقلال المنطقة ووحدتها. ولذا، وبالرغم من هفوات البعض وانحرافاتهم، فقد حرص السنة العرب علي تجنب الاقتتال الداخلي، لاسيما في دائرة المقاومة ومحيطها.
ولكن نهاية الاحتلال وخروج قواته يعني مرحلة جديدة، ومسؤوليات من نوع جديد. ولن يسمح السنة العرب لأن تكون مناطقهم أو يكون العراق ككل مرتعاً للقوى "الإرهابية" أو الطائفية؛ تماماً كما أنهم لن يسمحوا بتقسيم العراق أو سيطرة قلة ما علي هذا الجزء أو ذاك من ترابه.
وكما لم يعدم السنة العرب وقوف شرفاء من علماء وشيوخ عشائر وسياسيين **** معهم في سنوات الاحتلال المؤلمة، فهم بالتأكيد سيجدون أن من يقف معهم من ال**** الشرفاء عند رحيل المحتل سيزداد عدداً ويتسع نطاقاً.
طوال معظم العهد العثماني، حكمت الدولة وولاياتها المختلفة من قبل نخبة عثمانية اسطمبولية. ولم يفتح الباب لأبناء الولايات للمشاركة في جهاز الدولة وعديد جيشها إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ما دفع عدداً من أبناء العراق السنة، العرب والتركمان والأكراد، إلى الانتساب للمدارس العثمانية المدنية والعسكرية سعياً للانخراط في إدارات الدولة وجيشها.
وبالرغم من أن القرن التاسع عشر شهد حراكاً فكرياً كبيراً في الأوساط الشيعية، إلا أن التقليد الشيعي القاضي بالابتعاد عن أجهزة الدولة ظل سائداً. في 1921، بدأ بناء الدولة العراقية الحديثة، وتقدم العراقيون لحكم أنفسهم للمرة الأولى منذ قرون طويلة. ولأن التصور البريطاني للدولة كان تصوراً حديثاً، فقد وجدوا في الضباط والراداريين العثمانيين السابقين رافداً طبيعياً لجهاز الدولة.
كان هؤلاء الضباط والإداريون في أغلبيتهم العظمي من السنة، عرباً وأكراداً وتركماناً. وبالنظر إلى تجارب الحكم المحيطة بهم، في إيران وتركيا والسعودية، فقد كان بإمكان تلك الطبقة المبكرة من رجال الدولة العراقية أن تقيم دولة حصرية، دولة يسيطر عليها العرب أو السنة. ولكنهم لم يفعلوا هذا؛ ما قاموا به هو إنشاء مدارس حديثة في المناطق السنية والشيعية على السواء، تأسيس المعاهد والمدارس العليا الحديثة وفتح أبوابها للعراقيين جميعاً، إرسال البعثات التعليمية من الشبان السنة وال**** الي الخارج، سن قانون للتجنيد الإجباري لكل العراقيين على افتراض أن المؤسسة العسكرية (كالمدرسة) هي وعاء الضمير الوطني الجمعي.
وما إن خرج العراق من قلق سنوات الحرب الثانية، حتى أصبح أغلب رؤساء الوزارات العراقية من ال****. وعندما سيطر عبد الكريم قاسم على الحكم، عارضته الأحزاب القومية والدوائر الإسلامية باسم الحفاظ على العروبة والمواريث الإسلامية لا باسم السنة وال****.
في عهد العارفين، أصبح من الطبيعي أن يتساوي عدد الوزراء السنة وال**** في أغلب الحكومات. وقد كان قادة حزب البعث العراقي الثلاثة جميعهم من أبناء أسر شيعية، كما كانت أغلبية هيئته القيادية حتى منتصف الستينات كذلك. وبالرغم من أن جسم الحزب ضم **** وسنة على السواء، لم يقل أحد عندها إن البعث حزب الأقلية الشيعية. ولم تصبح أكثرية هيئة الحزب القيادية من السنة إلا بعد أن سيطرت لجنة الحزب العسكرية على القيادة، وهي اللجنة التي كانت مشكلة في معظمها من ضباط أصدقاء من منطقة تكريت السنية.
ولم تكن لسيطرة اللجنة العسكرية علاقة بتدافع طائفي داخل الحزب، بل بخلافات حزبية وسياسية تقليدية، ذلك أن وزن البعثيين ال**** داخل الحزب ظل كبيراً بلا شك، وهو ما انعكس طوال سنوات حكم البعث في أجهزة الحكم والدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.
السياسيون السنة هم بالتأكيد من وضع أسس الدولة العراقية، ولكن رؤيتهم للدولة كانت رؤية وطنية، حديثة، واندماجية. وربما يوجه الكثير من الاتهامات للدولة العراقية الحديثة، كما لكل دول المنطقة المشابهة، من التضخم الأمني، التوظيف الواسع لأساليب القمع والإكراه، تراجع الحريات، إلى محاولة تطبيق رؤية تحديثية غربية بقوة السلطة، إلا أن هذه الدولة لم تكن طائفية بأي حال من الأحوال.
وقد تعرض العراق خلال سنوات الاحتلال لزلزال سياسي وثقافي واجتماعي غير مسبوق، زلزال ما كان ليصيب بلدا وشعبا آخرين بدون أن يقتلعهما من جذورهما. في حقبة هذا الزلزال، تعرض السنة العرب لامتحان طاحن، امتحان الهوية والكرامة والوجود. ولكن العراقيين السنة العرب يوشكون الخروج من هذا الامتحان، وقد أصبحوا أكثر صلابة وشعوراً بالمسؤولية. وعلي هذه الصلابة والشعور بالمسؤولية، علي نكرانهم للذات ووعيهم بالمتطلبات الوطنية، سيعاد بناء العراق من جديد.
___________
المصدر: مجلة العصر..
|