رد: كتاب اغتيال الحريري .. أدلة مخفية
كتاب «اغتيال الحريري ــ أدلة مخفية» الجزء الثالث
نظرية المؤامرة الدولية ضد سورية. تصورات فيتزجيرالد وميليس. المقاومة ضد القاعدة العسكرية. العدو في عقر الدار. المافيا وغسيل الاموال. سياسة لا اجتماعية. صفقات مريبة. الموساد والسي آي اي والمحافظون الجدد. مجموعة النصر والحرب المقدسة في شرقي المتوسط.
من الذي يمكن ان يكون قد قتل رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري؟ ان هذا السؤال لا يحرك فقط هواة كل ما هو مخيف ومرعب، اذ ان خلفية هذا السؤال سياسية لا ريب، في موضوع الحريري، وبالرغم من ان الحدود تبدو قد اختفت بين الرعب والسياسة، فان الذي يملك قدرة تخيل مناسبة، ويستطيع ان يضع نفسه في ظروف مختلفة تجمع ما هو سياسي وما هو استخباراتي، فانه يستطيع بشيء من السهولة، ان يفهم نظرية المؤامرة الحالية، والمعتمدة عالمياً، كما يستطيع ان يرضى بها او يرفضها:
سورية «الدولة المارقة»
ان مجرد التصور ان سياسيا غربي الطابع لديه ميل الى الديمقراطية يتولى منصباً رفيعاً، الذي يتهم فيه الاميركيون، تلك الدولة الشرق اوسطية المارقة والمسماة سورية، بانها هي التي تتحمل مسؤولية اغتيال الحريري اتهاما لا مهادنة فيه، هو تصور يصيب المرء بالدوار مثلما تفعل هذه الجملة الطويلة قبل فهمها. لان اصدقاءنا الذين يديرون الحرب وجهوا بعد ساعات معدودة من الاغتيال، اصابعهم، التي تقف في خدمة المكتب البيضاوي في واشنطن، باتجاه دمشق. اما وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، الاميركية التي تعود بجذورها الى افريقية وذات الاغراء المماثل لصخر الغرانيت الاسود، فقد سحبت مباشرة سفيرتها الاميركية من دمشق. اما بالنسبة للرئيس الاميركي جورج بوش فقد كان كل شيء واضحا بطبيعة الحال منذ الساعة الاولى وقد قال: لبنان الذي كان يوماً بلداً على طريق النمو والنجاح هو الآن يعاني تحت وطأة جار متعسف وبوش يعني ما يقول. اما وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز، فقد زعم مباشرة ان وراء هذا الاعتداء «مجموعة ارهابية تساعدها سورية حسب معلوماتنا» كذلك راحت الديمقراطية الدولية منذ ذلك الوقت تتبنى كل معلومات جديدة تعزز نظرية المؤامرة القادمة من واشنطن وتنشرها بلا تحفظ في كل وسائل الاعلام التي تشرف عليها. اما الدافع وراء هذا التوجه السياسي فهو واضح جدا بالطبع: اذ «عندما ارغمت سورية البرلمان اللبناني في نهاية سنة 2004، على تعديل الدستور، وتمديد فترة رئاسة الرئيس اميل لحود الموالي لسورية - وهي في الحقيقة واحدة من اغبى الخطوات السياسية التي قامت بها سورية - انتقل الحريري الى المعارضة. وهذا سبب كاف لان تكون سورية اعطت توجيهاً باغتياله». (12).
تقرير فيتزجيرالد طلب مجلس الامن الدولي بعد وقت قصير من الاعتداء تقريرا عاجلا عن ظروف الاغتيال واسبابه وعواقبه وارسل في 24 شباط محققين من ايرلندا ومصر والمغرب، وبعد ذلك خبراء متفجرات سويسريين الى بيروت. وكانت لجنة الامم المتحدة هذه برئاسة نائب رئيس الشرطة الايرلندي بيتر فيتزجيرالد وقد انهت يوم الاربعاء 16 آذار 2005 جولتها الاولى من التحقيقات وشكرت رئيس الجمهورية اللبنانية لحود «على تعاون السلطات اللبنانية». وكان من المقرر ان ينشر التقرير بعد ذلك باسبوع.
ولكن ذلك لم يمنع «ثوار الارز» وكل المعارضين لسورية من ان يتهموا بلا اي دليل جهازي الاستخبارات السورية واللبنانية بانهما كانا وراء عملية الاغتيال. وقد زاد الطين بلة ودعم هذا التصور - يومين قبل ان تنهي اللجنة اعمالها - ان المراسل في الشرق الاوسط روبرت فيسك، نشر في الصحيفة البريطانية الاندبندنت صورة مغلوطة عن تحقيقات لجنة الامم المتحدة حيث قال: ان المحققين مقتنعون ان الادلة قد طمست من قبل «كبار ضباط المخابرات» وان تقرير الامم المتحدة سيكون له اسوأ الآثار و«ماحقا». ولكن فيسك لم يذكر مصادره الا انه تنبأ ان الرئيس الاميركي جورج بوش سيعلن يوم الاربعاء «ان ضباطا من المخابرات العسكرية السورية وربما بالاشترك مع ضباط لبنانيين متورطون في عملية الاغتيال». الا ان البيت الابيض نفى ذلك على لسان الناطق باسم الرئاسة الاميركية سكوت ماك كليلان الذي قال: «ليس عندنا اي تصور عن مصدر هذا النبأ والمهم بالنسبة لنا ان تكشف حقيقة اغتيال رئيس الوزراء الاسبق الحريري. والامم المتحدة تقوم بتحرياتها ولا نملك حاليا اية معلومات جديدة او نتائج نهائية».
الا ان الرئيس بوش نفسه لم يعلق على ذلك، وقد كتب فيسك بعد ذلك ان الابنين الكبيرين للملياردير الحريري قد غادرا لبنان «على عجل» بعد ان انذرا باحتمال كونهما هدفين تاليين لمن اغتال والدهما. عند الحريري خمسة اولاد وزوجته وابنته في بيروت، غادر اربعة من اولاده بيروت بعد الاعتداء. وقد قال فؤاد السنيورة المقرب من العائلة والذي كان وزيرا للمالية: «نصحوا بمغادرة البلاد لاسباب امنية». الا ان هذا ليس الا نصف الحقيقة فاثنان من اولاده خارج البلاد للاهتمام بشركاتهم واعمالهم التجارية في الخارج». (13)
كذلك دخلت الصحيفة البريطانية تايمز على النغمة العامة للدعاية المغرضة، وكتبت بتاريخ 18 آذار 2005، انها تمتلك «ادلة واضحة» ضد سورية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق ورجل الاعمال والملياردير رفيق الحريري وان سورية مسؤولة عن ذلك. وقد استندت الصحيفة الى اقوال الزعيم المعارض اللبناني، وليد جنبلاط الذي نقل عن رفيق الحريري قوله له قبل يومين من اغتياله: «سيقتل احدنا خلال الاسبوعين القادمين، اما انت، او انا» (14) وقد زعمت صحيفة التايمز ايضا ان الحكومة في بيروت امرت بتنظيف مكشان حادثة الاغتيال لتزيل كل الاثار، التي تدل على مسؤولية سورية في الجريمة.
كذلك لم يشأ فيتزجيرالد ان يغادر بيروت قبل ان يصب الزيت على النار، ويلهب المشاعر «المناهضة لسورية». وقد افهم الزعيم المعارض وليد جنبلاط انه يستطيع ان يثبت ان السلطات البيروتية، العاملة في «رعاية السوريين قد اخفت بعض التحقيقات او عرقلتها وانها طمست بعض الادلة». كما قال فيتزجيرالد لآل الحريري ان تقريره سيكون «مدويا ومدمرا».
ثم ظهر تقرير فيتزجيرالد، ولم يحتو على اية ادلة. الا ان اللجنة نصحت بتوسيع التحقيقات على مستوى دولي ولكن التقرير تجنب ان يربط سورية بشكل مباشر بـ حادثة الاغتيال. (15). وقد انتقد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع تقرير الايرلندي بيتر فيتزجيرالد، الذي حمّل سورية «مسؤولية انعدام الامن والنظام وكذلك مسؤولية الاوضاع السياسية المتوترة في لبنان قبل اغتيال الحريري». واتهم السلطات اللبنانية بانها افسدت التحقيقات ان لم نقل انها زورتها. وقد طلب الشرع حذف الفقرة، التي تحتوي «مزاعم مختلفة» لطرف ثالث، حيث ورد ما نصه: «ان الاسد هدد الحريري و(الزعيم المعارض) جنبلاط بالحاق الاذى الجسدي بهما». (16)
تقريرا ميليس
تحتاج الجرائم السياسية الى محققين ذوي صفات مميزة: فبعدهما انهى فيتزجيرالد «عمله»، كلف امين عام الامم المتحدة كوفي نان المدعي العام في برلين ديتليف ميليس بالاستمرار في التحقيقات. وقد أعلن ميليس في منتصف أيار 2005 أنه سيكشف ملابسات الجريمة في غضون الاشهر الثلاثة القادمة: «أنا أنوي أن انتهي من هذا الموضوع خلال هذه المدة». وهكذا راح يبحث، بالاتفاق مع الامم المتحدة، عن هدف ثابت وهو «الأثر الذي يقوده لاتهام سورية».
وهكذا استطاع أن يضمن في صيف 2005 إصدار أمر من قاضي التحقيق في بيروت، الياس عيد، يقضي باعتقال الجنرالات الأربعة ذوي المناصب الرفيعة «والموالين لسورية»، الذين يفترض انهم متورطون في جريمة اغتيال الحريري، بتهمة «القتل المتعمد ومحاولة القتل والاشتراك في أعمال ارهابية وحيازة أسلحة ومواد متفجرة». (غير مرخصة) وهولاء الجنرالات الأربعة هم رئيس الحرس الجمهوري السابق مصطفى حمدان ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق ريمون عازار، ومدير عام الأمن العام السابق جميل السيد، ومدير الأمن الداخلية السابق علي الحاج، وهم كلهم من «المخلصين» لرئيس الجمهورية إميل لحود «الموالي لسورية»، والذين لا يزالون رهن الاعتقال دون «أدلة دامغة» حتى الآن. وهم مهددون في حال إدانتهم، بالإعدام رمياً بالرصاص وفق القانون اللبناني.
تحدث ميليس في 20 تشرين الاول 2005 في تقرير مبدئي له، عن «أدلة مقنعة» لتورط ضباط استخبارات سوريين ولبنانيين في جريمة الاغتيال، واستند في ذلك على أقوال «شاهد سوري الأصل، مقيم في لبنان وسبق ان عمل مع الاستخبارات السورية في لبنان» وقد شرح هذا الشاهد المدعو هسام طاهر هسام، «كيف قرر مسؤولون سوريون ولبنانيون، رفيعو المستوى، اغتيال الحريري» وبالاضافة الى ذلك «فقد ادعى الشاهد صلات وثيقة مع ضباط سوريين رفيعي المستوى عاملين في لبنان» وقد عرف ايضاً أن «بعض رجال الأمن اللبنانيين سافروا عدة مرات الى سورية للتخطيط لجريمة الاغتيال». كما راقب هذا الشاهد «في الأيام الثلاثة التي سبقت الاغتيال، كيف وضعت المواد المتفجرة في السيارة التي كان انفجارها سبباً في الحادث».
ولكن سرعان ما وجد المحقق الألماني نفسه أمام كومة من الحطام. فقد أعلن شاهد الإدعاء هسام طاهر هسام في تشرين الثاني 2005 أن كل أقواله، التي أعطاها أمام لجنة التحقيق الدولية، فقد انتزعت منه بالتعذيب وإعطائه المخدرات وإغرائه بمبلغ من المال بلغ مليوناً وثلاثمئة ألف دولار. وقبل ذلك في الصيف كانت مصداقية شاهد هام آخر قد تبخرت، كما يذوب الجليد في الشمس. إذ أن هذا الشخص، الذي كان معتقلاً، وسبق له أن دخل السجن مرات عديدة واسمه زهير الصديق، اتهم مسؤولين سوريين ولبنانيين بأنهم خططوا لجريمة الاغتيال في احدى الشقق البيروتية. وقد ثبت بالبرهان القاطع أنه أعطى هذه الأقوال لقاء رشوة مالية، فقد قال هو نفسه: «لقد أصبحت الآن مليونيراً». وفي اواخر تشرين الثاني قتل شاهد آخر في حادثة سير مريبة وهو بائع الهواتف المحمولة في طرابلس نوار حبيب دونة، الذي قيل إنه قد باع بطاقات للهواتف المحمولة، التي كان يستخدمها المجرمون.
وبعد ان تراجع هسام عن أقواله، طالب ابراهيم دراجي، الناطق باسم لجنة التحقيق السورية في جريمة اغتيال الحريري «بإعادة نظر كاملة في تقرير لجنة التحقيق الدولية» لأن هذا التقرير «قد تداعى وانهار». وقال الدراجي أيضاً: «إن الكرة الآن في ملعب لجنة ميليس «لأن» نتائج التقرير اعتمدت على أقوال شاهدين هما محمد زهير الصديق، المسجون حالياً في فرنسا، وهسام». وهكذا فإن نشوة اللبنانيين الاولية تحولت تدريجياً الى صحوة، إذ أن «عملية ميليس اخذت تبدو اكثر غرابة.. وبدأت تبدو غير مهنية البتة». هذا ما كتبه جوشوا لانديس، الاميركي المقيم في دمشق والخبير بالشؤون السورية. كذلك لم يأت تقرير ميليس الثاني الا بكلمات سياسية ضبابية، دون ذكر أية حقائق دامغة يمكن ان تؤدي حقاً الى كشف جريمة الاغتيال.
وصل ميليس الى نهاية حكمته في ربط الشبكات العنكبوتية حول سورية وغادر البارجة «المعادية لسورية» بعد أن أخذت تغرق رويداً رويداً، لأنه لم يعد راغباً، على ما يبدو، باستكمال هذا التحقيق. وفي نهاية سنة 2005 ترك ميليس منصب المحقق الدولي، وانتهى بذلك فصل مخز وفاضح. وهكذا خلف البلجيكي سيرج برامرتز سلفه ميليس.
(12) ـ نوربرت ماتيس: البحث عن أجمل نظرية اغتيال، 24/2/2005، WOZ السويسرية. (13) ـ يورغن كاين كولبل: لا أدلة ضد لبنان وسورية، يونغه فيلت 18/3/2005 (14) ـ يورغن كاين كولبل: يبقى الجو ضبابياً حول اغتيال الحريري، نويس دويتشلاند، 21/3/2005 (15) ـ يورغن كاين كولبل: رجل بوش في بيروت، يونغه فيلت، 30/3/2005 (16) ـ يورغنكاين كولبل: واشنطن تصر على موعد الانتخابات، يونغه فيلت، 31/3/2005
( يتبع الجزء الرابع )
__________________  |