النابغة الجعدي
النابغة الجعدي
اختلف العلماء في اسمه، فقيل: هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وقال ابن قتيبة: هو عبد الله بن قيس بن جعدة بن كعب بن ربيعة.
وقال الأصفهاني: هو حبان بن قيس بن عبد الله بن وحْوَح بن عدس- وقيل: ابن عمرو بن عدس مكان وحوح- ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.
واتَّفقت مصادر ترجمته أنَّ كنيته "أبو ليلى"، وأنَّهُ عمَّر طويلاً، فقد جاوز المئة سنة.
أمَّا عائلته، فذُكِرَ منها أمَّه، وهي فاخرة بنت عمرو بن جابر بن شحنة الأسديّ، وأخُوهُ وحوح، وقد أشار إليه ابن سلام دون أن يذكر اسمه، وقال المرزوقي إنَّ اسمه "محارب".
وقال البكري إنَّ محارباً هذا هو محارب بن قيس بن عدس من أشراف قومه.
أمَّا امرأتهُ، فقد ذكر ابن سلام أنَّه تزوّجَ امرأةً من بني المجنون، وهم عدد بني جعدة وشرفهم، فانزعتهُ وادَّعت الطلاق، فكان يراها في منامه.
وأمَّا سنة ولادته، فلم تعرف، وكذلك سنة وفاته، وقال الزركلي: إنَّهُ توفيَّ نحو السنة 50 هـ/ نحو 670م. ولكن ذكر أنَّه جاهليّ، أدرك الإسلام، وكان أكبر من النابغة الذبياني، "ويدلّ على أنَّه أقدم من النابغة الذبياني أنَّهُ عمِّر مع المنذر بن المحرّق قبل النعمان بن المنذر، وكان النابغة الذبياني مع النعمان بن المنذر وفي عصره، ولم يكن له قدم إلاّ أنَّهُ مات قبل الجعدي، ولم يدرك الإسلام".
وأمّا سبب تلقيبه بـ "النابغة"، فقال أبو الفرج الأصفهاني: "وإنَّما سميَّ النابغة لأنَّه أقامَ مدّة لا يقول الشعر، ثمّ نبغ، فقاله"، وقيل: "كان يقول الشعر، ثمّ تركه في الجاهليّة، ثمَّ عاد إليه بعد أن أسلم، فقيل: نبغ".
وأسلم وحسن إسلامهُ، وكان يردُ على الخلفاء، وردّ على عمر، ثمَّ على عثمان، وله أخبارٌ حسانٌ.
وقال عمر بن شبّة: كان النابغة الجعدي شاعراً مغلّباً إلاّ أنّهُ كان إذا هاجَى، غُلب. هاجى أوس بن مغراء، وليلى الأخيليّة، وكعب بن جعيّل، فغلبوه، وهو أشعر منهم مراراً، وليس فيهم من يقرب منه، وكذلك قال فيه ابن سلاّم وغيره. وذكر الهيثم بن عديّ، قال: رعت بن عامر بالبصرة في الزروع، فبعث أبو موسى الأشعريّ في طلبهم، فتصارخوا: يا آل عامر! فخرج النابغة الجعديّ، ومعه عصبة له، فأتى به أبو موسى، فقال له: ما أخرجك؟
قال: سمعت داعية قومي.
قال: فضربه أسواطاً. فقال النابغة في ذلك:
رأَيتُ البَكْرَ بَكْرَ بني ثَمودٍ---وأَنتَ أَراك بَكْرَ الأَشْعَرينا
فإنْ تَكُ لابنِ عَفّان أميناً---فَلَمْ يَبْعَث بِك البَّر الأَمينا
فيا قَبْر النَّبيّ وصاحِبَيْهِ---ألا يا غَوْثَنا لَوْ تَسْمعَونا
ألاَ صَلَّى إلهُكمُ عَلَيْكُمْ---ولا صَلَّى على الأُمَرَاءِ فينا
فأَمّا خبره مع ابن الزبير، فأخبرني عبد الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا القاسم ابن أصبغ، حدَّثنا أحمد بن زهير، حدَّثنا زبير بن بكَّار، حدَّثني هارون بن أبي بكر، حدَّثني يحيى بن إبراهيم البهزيّ، حدَّثنا سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن عمّه عبد الله بن عروة بن الزبير، قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فدخل على عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام، فأنشده:
حَكَيْتَ لنا الصَّديقَ لمّا وَليتَنا---وعُثْمانَ والفاروقَ فارتاحَ مُعْدِمُ
وسوَّيتَ بين النّاس في الحقِّ فاستَوَوْا---فعادَ صَباحاً حالِكُ اللَّيلِ مظلمُ
أتاكَ أبو ليلى تجوب به الدُّجَى---دُجَى اللّيلِ جوّابُ الفلاة عَرَمْرَمُ
لِتُجْبِر مِنْهُ جانباً دَعْدَعَتْ بِهِ---صُروفُ اللَّيالي والزَّمانُ المصَمْصَمُ
قال: فقال له ابن الزبير: أمسك عليك يا أبا ليلى؛ فإن الشعر أهون وسائلك عندنا؛ أمّا صفوة مالنا، فإنّ بني أسد شغلتنا عنك، وأمَّا صفوته فلآل الزبير، ولكن لك في مالِ الله حقَّان، حقٌّ لرؤيتك رسول الله?، وحقّ لشركتك أهْلَ الإسلام في فَيئهم. ثم أدخله دار النعم، فأعطاه قلائص سبعاً وفرساً وخيلاً، وأوقر له الركاب بُرّاً وتمراً وثياباً، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحبَّ صرفاً، فقال ابن الزبير: وَيْح أبي ليلي! لقد بلغ منهُ الجهد. فقال النابغة: أشْهَدُ لسمعت رسول الله? يقول: ما وَليتْ قُريشٌ فَعَدلَتْ، واسترحمت فَرحِمَتْ، وحدَّثَتْ فصدقت، ووَعَدَتْ خيراً فأَنْجزَتْ، فأنا والنبيّون فُرَّاط القادمين أَلا.. وذكر كلمة معناها أنّهم تحت النبيين بدرجة في الجنة.
قال الزبير: كتب يحيى بن معين هذا الحديث عن أخي. وذكر أبو الفرج الأصبهاني هذا الحديث، فقال: حدّثني به محّمد بن جرير الطبريّ مِنْ حفظه عن أحمد بن زهير بإسناده. وممّا يُستَحسَن ويُستجاد للنابغة الجعديّ:
فَتَى كَمُلَتْ خَيْراتهُ غَيْر أنّه---جوادٌ فلا يُبْقي مِنَ المالِ باقيا
فَتىً تَمّ فيه ما يُسِرّ صَديقَه---على أن فيه ما يَسُوء الأعاديا
وأنشدني أبو عثمان سعد بن نصر، قال: أنشدنا أبو محمد قاسم بن أصبغ اليماني، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمّد بن عبد السلام الخشنيّ، قال: هذا ما أنشدنا أبو العقيل الرياشيّ من قصيدة النابغة الجعديّ:
تَذَكَّرْتُ والذّكْرى تهيج للفتى---ومِنْ حاجة المحزون أَن يَتَذكّرا…
حدَّثنا عبد الوارث بن سفيان، حدَّثنا قاسم بن أصبغ، حدَّثنا أحمد بن زهير، قال: وقد رَوَى عن النبيّ? من الشعراء حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ، وعديّ بن حاتم الطائيّ، وعباس بن مرداس السلميّ، وأبو سفيان بن الحارث بن المطّلب، وحميد بن ثور الهلاليّ، وأبو الطفيل عامر بن وائلة، وأيمن بن خريم الأسديّ، وأعشى بن مازن، والأسود بن سريع.
قال أبو عمر: قد روى عن النبيّ? من الشعراء المحسنين ممّن لم يذكره أحمد بن زهير في الشعراء الرواة الحارثُ بن هشام، وعمرو بن شأس، وضرار بن الأزور، وخُفاف بن ندبة، وكلُّ هؤلاء شاعر له صحبة ورواية، ولم يذكر أحمد بن زهير لبيد بن ربيعة، ولا ضرّار بن الخطاب، ولا ابن الزبعرى، لأنهم ليست لهم رواية، وكذلك أبو ذؤيب الهذليّ، والشمّاخ بن ضرار، وأخوه مزرّد بن ضرار.
قال محمّد بن سلاّم: النابغة الجعديّ، والشماخ بن ضرارـ ولبيد بن ربيعة، وأبو ذؤيب الهذليّ طبقة. وكان الشمّاخ أشدّ متوناً من لبيد، ولبيد أحسن منه مَنْطِقاً".
سبب لقبه النابغة
وإنّما سمّي النابغة لأنّه أقام مدّة لا يقول الشعر ثمَّ نبغ، فقاله.
|